نشرت بعض الصحف المحلية وبعض مواقع الانترنت الاخبارية نبأ وفاة الرئيس البوسني السابق علي عزت بيغوفيتش في خبر مقتضب كما ورد اليها من وكالات الأنباء الأجنبية، تضمن هذا الخبر عمر الرئيس السابق ومرضه ومتى ادخل المستشفى ولماذا، ثم متى تم انتخابه لرئاسة البوسنة، اضافة الى ذكر تاريخ تقديمه استقالته من منصبه الرئاسي فقط!!
وللأسف ورغم اخلال هذا الخبر بسيرة مناضل عرفه التاريح الحديث، واختصارها بالاجابة على الاسئلة التي اوردتها اعلاه، الا انه لم يحظ بما تحظى به بقية الاخبار العادية وربما الأقل من العادية من الابراز على صدر الصفحات الاولى في الصحف او الاطارات اللافتة للنظر.. او غيرها من الامور التي يعرفها أهل الصحافة.. ولأن هذا ما حدث فسأتشرف بسرد سيرته الذاتية ومواقفه الرجولية المقتبسة من بعض مواقع الانترنت في زاويتي المتواضعة والتي أعلم انها لن تحتوي رجلا عظيما مثله.
ولد علي عزت بيغوفيتش عام 1925 في «بوساناكروبا» شمال غرب البوسنة، ونشأ في مناخ يعادي المسلمين وينظر اليهم على انهم دخلاء على أوروبا، وتعلم بيغوفيتش في سراييفو بمدرسة ثانوية ألمانية، واسس في تلك الفترة ناديا مدرسيا للمناقشات الدينية أطلق عليه «جمعية الشبان المسلمين» التي وقفت موقفا حازما من الأفكار النازية انذاك، وكان عمره وقت تأسيسها 16 عاما.
مع انتهاء الحرب العالمية الثانية ونشأة الاتحاد اليوغسلافي في 1945 من 6 جمهوريات مستقلة ـ منها البوسنة والهرسك ـ كان بيغوفيتش طالبا بكلية القانون بجامعة سراييفو، حيث تعرض أثناء دراسته للاعتقال والسجن لمناهضة الأفكار الشيوعية حتى حصل على شهادة المحاماة، ومثلت فترة وصول «جوزيف تيتو» الى السلطة سنة 1953 وحزبه الشيوعي فترة عصيبة على الأديان، وكانت معاناة بيغوفيتش مضاعفة لكراهيته للالحاد ومعاناته من الاضطهاد.
كان لبيغوفيتش تأثيره على الاف المسلمين، وذلك من خلال مقالاته التي كانت تنشر تحت اسم مستعار في مجلة «تاكفين» التي يقرأوها 50 الف مسلم.. وفي أعقاب وفاة تيتو سنة 1980 وارتخاء قبضة الشيوعية قام «بكر» نجل علي عزت بتجميع مقالات والده التي كتبها في «تاكفين» ونشرها في كتاب اسماه «البيان الإسلامي»، وأثار ظهور هذا الكتاب ضجة كبيرة، واتهم بيغوفيتش بانه يسعى لتكوين جمهورية اصولية اسلامية في قلب أوروبا، فالقي القبض عليه مرة اخرى، وحوكم محاكمة صورية فصدر عليه حكم بالسجن 14 عاما، وفي فترة سجنه كتب كتابه النفيس «الاسلام بين الشرق والغرب» عام 1984، وقد اطلق سراحه بعد ان اعيدت محاكمته عام .1988
عندما خرج علي عزت بيغوفيتش من السجن كانت الشيوعية تتصدع في أوروبا، وتم اقرار نظام تعدد الاحزاب في يوغسلافيا، فأسس بيغوفيتش، «حزب العمل الديموقراطي» ولم يمض سوى عام حتى بدأ الاتحاد اليوغسلافي في التفسخ، وأعلنت «كرواتيا» و«سلوفينيا» استقلالهما، وبدأت البلاد تنزلق الى حافة الحرب الأهلية.. وفي يونيو 1991 قامت قوات الجيش اليوغسلافي الخاضعة لقيادة الصرب بالهجوم على الجمهوريتين، وبدأت حرب دموية، تدخل فيها الأوروبيون بثقلهم لوقف نزيف الدم المسيحي، فرأى بيغوفيتش ان يستثمر الموقف للحصول على استقلال البوسنة، فبدأ يجهز لاستفتاء شعبي حول الاستقلال رغم تهديدات الصرب.
وبالفعل في مارس 1992 نزل بيغوفيتش بنفسه إلى الشارع للادلاء بصوته حتى يكسر الخوف في نفوس المسلمين، وتأثر المسلمون بشجاعته، وتدفق عشرات الآلاف على صناديق الاستفتاء ليقولوا «نعم للاستقلال» بأغلبية 62.8% إلا انه سرعان ما انقض الصرب على البوسنة في حرب عرقية دموية وحرب إبادة شاملة، تطوع خلالها آلاف من مسيحيي أوروبا للقتال في صفوف الصرب، في ظل الصمت الأوروبي في البداية، إلا انه عندما بدأ ميزان القوة المختل يعتدل قليلا لصالح المسلمين تدخل الأمريكيون بثقلهم وفرضوا اتفاق دايتون سنة 1995 الذي أعطى المسلمين والكروات 51% من مساحة البوسنة، ومنح صرب البوسنة 49% من الساحة وخرج بيغوفيتش بعد هذا الاتفاق الظالم الذي حال دون استقلال البوسنة بالكامل وضيع ما يقرب من ثلثي مساحتها ودمج المسلمين والكروات في منطقة واحدة غير محددة ـ ليقول: «هذا ليس أفضل ما نحصل عليه، ولكن: شيء أحسن من لا شيء».
كان «علي عزت» رحمه الله صلبا في قلب هذه المأساة، ولم يترك شعبه ليواجه هذا المصير المؤلم، وأصر على البقاء معه تحت الحصار في سراييفو، وعندما أراد الخروج للبحث عن دعم لقضيته قام بمغامرة جريئة، فنزل في نفق طويل أسفل المطار الذي يسيطر الصرب عليه.
وعندما وضعت الحرب أوزارها بعد اتفاق «دايتون» لم يغره بريق السلطة، فاستقال من رئاسة الجمهورية ثم من رئاسة حزبه السياسي، متعللا بحالته الصحية، إلا ان الواضح ان روحه وعقله كانا أكبر من قيود السلطة. وقد حصل بيغوفيتش على جائزة الملك فيصل سنة 1994، وعلى شخصية العام للعالم الاسلامي سنة 2001 تقديرا لدوره في الدفاع عن الاسلام. فرحمك الله يا علي عزت بيغوفيتش.
عن الزميل أحمد محمد الفهد
وللأسف ورغم اخلال هذا الخبر بسيرة مناضل عرفه التاريح الحديث، واختصارها بالاجابة على الاسئلة التي اوردتها اعلاه، الا انه لم يحظ بما تحظى به بقية الاخبار العادية وربما الأقل من العادية من الابراز على صدر الصفحات الاولى في الصحف او الاطارات اللافتة للنظر.. او غيرها من الامور التي يعرفها أهل الصحافة.. ولأن هذا ما حدث فسأتشرف بسرد سيرته الذاتية ومواقفه الرجولية المقتبسة من بعض مواقع الانترنت في زاويتي المتواضعة والتي أعلم انها لن تحتوي رجلا عظيما مثله.
ولد علي عزت بيغوفيتش عام 1925 في «بوساناكروبا» شمال غرب البوسنة، ونشأ في مناخ يعادي المسلمين وينظر اليهم على انهم دخلاء على أوروبا، وتعلم بيغوفيتش في سراييفو بمدرسة ثانوية ألمانية، واسس في تلك الفترة ناديا مدرسيا للمناقشات الدينية أطلق عليه «جمعية الشبان المسلمين» التي وقفت موقفا حازما من الأفكار النازية انذاك، وكان عمره وقت تأسيسها 16 عاما.
مع انتهاء الحرب العالمية الثانية ونشأة الاتحاد اليوغسلافي في 1945 من 6 جمهوريات مستقلة ـ منها البوسنة والهرسك ـ كان بيغوفيتش طالبا بكلية القانون بجامعة سراييفو، حيث تعرض أثناء دراسته للاعتقال والسجن لمناهضة الأفكار الشيوعية حتى حصل على شهادة المحاماة، ومثلت فترة وصول «جوزيف تيتو» الى السلطة سنة 1953 وحزبه الشيوعي فترة عصيبة على الأديان، وكانت معاناة بيغوفيتش مضاعفة لكراهيته للالحاد ومعاناته من الاضطهاد.
كان لبيغوفيتش تأثيره على الاف المسلمين، وذلك من خلال مقالاته التي كانت تنشر تحت اسم مستعار في مجلة «تاكفين» التي يقرأوها 50 الف مسلم.. وفي أعقاب وفاة تيتو سنة 1980 وارتخاء قبضة الشيوعية قام «بكر» نجل علي عزت بتجميع مقالات والده التي كتبها في «تاكفين» ونشرها في كتاب اسماه «البيان الإسلامي»، وأثار ظهور هذا الكتاب ضجة كبيرة، واتهم بيغوفيتش بانه يسعى لتكوين جمهورية اصولية اسلامية في قلب أوروبا، فالقي القبض عليه مرة اخرى، وحوكم محاكمة صورية فصدر عليه حكم بالسجن 14 عاما، وفي فترة سجنه كتب كتابه النفيس «الاسلام بين الشرق والغرب» عام 1984، وقد اطلق سراحه بعد ان اعيدت محاكمته عام .1988
عندما خرج علي عزت بيغوفيتش من السجن كانت الشيوعية تتصدع في أوروبا، وتم اقرار نظام تعدد الاحزاب في يوغسلافيا، فأسس بيغوفيتش، «حزب العمل الديموقراطي» ولم يمض سوى عام حتى بدأ الاتحاد اليوغسلافي في التفسخ، وأعلنت «كرواتيا» و«سلوفينيا» استقلالهما، وبدأت البلاد تنزلق الى حافة الحرب الأهلية.. وفي يونيو 1991 قامت قوات الجيش اليوغسلافي الخاضعة لقيادة الصرب بالهجوم على الجمهوريتين، وبدأت حرب دموية، تدخل فيها الأوروبيون بثقلهم لوقف نزيف الدم المسيحي، فرأى بيغوفيتش ان يستثمر الموقف للحصول على استقلال البوسنة، فبدأ يجهز لاستفتاء شعبي حول الاستقلال رغم تهديدات الصرب.
وبالفعل في مارس 1992 نزل بيغوفيتش بنفسه إلى الشارع للادلاء بصوته حتى يكسر الخوف في نفوس المسلمين، وتأثر المسلمون بشجاعته، وتدفق عشرات الآلاف على صناديق الاستفتاء ليقولوا «نعم للاستقلال» بأغلبية 62.8% إلا انه سرعان ما انقض الصرب على البوسنة في حرب عرقية دموية وحرب إبادة شاملة، تطوع خلالها آلاف من مسيحيي أوروبا للقتال في صفوف الصرب، في ظل الصمت الأوروبي في البداية، إلا انه عندما بدأ ميزان القوة المختل يعتدل قليلا لصالح المسلمين تدخل الأمريكيون بثقلهم وفرضوا اتفاق دايتون سنة 1995 الذي أعطى المسلمين والكروات 51% من مساحة البوسنة، ومنح صرب البوسنة 49% من الساحة وخرج بيغوفيتش بعد هذا الاتفاق الظالم الذي حال دون استقلال البوسنة بالكامل وضيع ما يقرب من ثلثي مساحتها ودمج المسلمين والكروات في منطقة واحدة غير محددة ـ ليقول: «هذا ليس أفضل ما نحصل عليه، ولكن: شيء أحسن من لا شيء».
كان «علي عزت» رحمه الله صلبا في قلب هذه المأساة، ولم يترك شعبه ليواجه هذا المصير المؤلم، وأصر على البقاء معه تحت الحصار في سراييفو، وعندما أراد الخروج للبحث عن دعم لقضيته قام بمغامرة جريئة، فنزل في نفق طويل أسفل المطار الذي يسيطر الصرب عليه.
وعندما وضعت الحرب أوزارها بعد اتفاق «دايتون» لم يغره بريق السلطة، فاستقال من رئاسة الجمهورية ثم من رئاسة حزبه السياسي، متعللا بحالته الصحية، إلا ان الواضح ان روحه وعقله كانا أكبر من قيود السلطة. وقد حصل بيغوفيتش على جائزة الملك فيصل سنة 1994، وعلى شخصية العام للعالم الاسلامي سنة 2001 تقديرا لدوره في الدفاع عن الاسلام. فرحمك الله يا علي عزت بيغوفيتش.
عن الزميل أحمد محمد الفهد