ثقافة الجهاد
بقلم حمزة بن قبلان المزيني جريدة الوطن الخميس 10 ربيع الأول 1425هـ الموافق 29 أبريل 2004م العدد (1308) السنة الرابعة000
تتعرض الأمتان العربية والإسلامية الآن، والمملكة بخاصة، لموجة عاتية من العنف الذي يتلبس باسم "الجهاد". ومع أن الحل الأمني يمكن أن يسهم في الحد من هذه الهجمة النكراء إلا أن القضاء عليها يتطلب معالجة أسبابها.
ومن أهم جذور هذا العنف الثقافةُ التي تأسست إثر الغزو السوفييتي لأفغانستان. فقد عملت الولايات المتحدة آنذاك على إذكاء روح الجهاد وشجعت الدعوةَ إليه واستخدمته في تجنيد شباب المسلمين في صفوف المقاومة الأفغانية لإنهاك الاتحاد السوفييتي. وقد ابتلع المسلمون هذا الطعم فانخرطوا بأعداد كبيرة في هذا المشروع الأمريكي. ونتج عن ذلك ثقافة كان "الجهاد" مركزها. ومن مظاهر تجذر هذه الثقافة الخطب والكتب التي صدرت في تلك الفترة عن الجهاد والفتاوى التي كانت تصدرها هيئات دينية تحث على بذل المال والأنفس في هذا السبيل، لا تكاد تترك بديلا للشباب عن الالتحاق بـ"الجهاد" الأفغاني. بل لقد صوِّر الأفغان كأنهم بقية للأجيال الأولى من المسلمين في نقاوتهم وصاروا يمثلون المسلم النموذجي في أعين كثير من الناس.
وقد نجح هذا الشحن العاطفي في نشر ثقافة تقوم على التضحية بالنفس وألفة الموت. وأسهم ما يسمى بـ"الخطاب الصحوي" في هذه الثقافة؛ وهو خطاب نشأ بالمزج بين التيار الديني المتشدد وبرامج "الحركات الإسلامية" السياسية في بعض البلدان العربية وتعزَّز في ظل "الجهاد" في أفغانستان. وقد اتصف بشحنة قوية من التجييش والدعوة للجهاد مما جعل أعدادا كبيرة من الشباب تعتنق هذه الثقافة وتمثلها في أفغانستان وغيرها.
ولما انتهى المشروع الأمريكي في أفغانستان بانسحاب الجيش السوفييتي وجدت هذه الأعداد الكبيرة من المسلمين المتمرسين بالقتال أنفسَها من غير عمل، فبدأت تبحث عن أماكن أخرى تحقق فيها بعض الانتصارات التي ترى أنها حققتها في أفغانستان. ثم استغلت الولايات المتحدة هؤلاء مرة أخرى لتحقيق أهدافها في البلقان، فجندت أعدادا كبيرة منهم وأمدتهم بالسلاح والمال.
ومن الأوهام التي وقعت الحركات الجهادية ضحيتها أنها آمنت بأن خروج الجيش السوفييتي كان نتيجة لـ"جهادها". وأدى هذا إلى ضخ شحنة عالية من الثقة بالنفس والشعور بالقوة في شرايين هذه الثقافة. لذلك بدأت تحلم بالقضاء على القوة الأمريكية كما قضت على القوة السوفييتية. ولهذا دعمت هذه الحركات تأسيس دولة طالبان في أفغانستان لتكون قاعدة لنشاطها. لكن "الجهاديين" كانوا يعرفون أن هذه المهمة ليست بالسهلة؛ فاختاروا مناوشة القوة الأمريكية خارج أمريكا في بداية الأمر. وجاءهم الفرج بعد احتلال العراق للكويت ومجيء قوات التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة إلى المنطقة. وأمدهم ذلك بمشروعية لم يكونوا يحلمون بها. فبدأوا بالتذرع بحديث إخراج المشركين من جزيرة العرب لتجنيد أفواج كبيرة من الشباب المتشبعين بالثقافة الجهادية. ولمعرفتهم باستحالة المساس بالقوات الأمريكية بدأوا بالاعتداء على المنشآت المدنية التي يوجد فيها بعض الأمريكيين، وهي أهداف سهلة. وبلغت بهم الجرأة أخيرا إلى مناوشة أمريكا في عقر دارها.
وكانت "ثقافة الجهاد" هذه سببا في أن يرمي الشباب المتحمس بأنفسهم إلى التهلكة فنخرطوا في النزاعات المحلية في أنحاء العالم. ولما كان هذا التجييش لا يعرف حدودا، ونظرا لانسداد أفق "الجهاد" في البلدان الأخرى بدأ هؤلاء الشباب في البحث عن أهداف أكثر سهولة. ووجدوا ذلك في الدول التي ينتمون إليها فصوبوا أسلحتهم إلى هذه الأهداف التي لا تتطلب اختراق الحدود الدولية. ومما جعل هذا الأمر سهلا أن ثقافة الجهاد لا تعرف حدودا: فيمكن أن يؤدي اليأس من تحقيق غاياته في مكانه الملائم إلى تنفيذه في أي مكان. ذلك أن الغرض من الجهاد هو نيل الشهادة وبإمكان المتحمس نيلها في أي مكان.
ولعلاج هذه الظاهرة تلزم معالجة تلك الأسباب. وأولى خطوات العلاج جلاء الأوهام التي تلبست بـ"الجهاد" الأفغاني. فيجب على المؤرخين إيضاح ملابسات الأزمة الأفغانية، وأنها كانت صراعا بين القوتين الكبريين آنذاك، وأن المسلمين استخدموا فيها وقودا لذلك الصراع بدلا من القول بأنهم كانوا يؤدون واجبا دينيا. وكذلك بيان الأسباب الفعلية التي أدت إلى خروج الجيش السوفييتي من أفغانستان؛ فهو لم يخرج بفعل "المجاهدين" وحدهم؛ بل خرج نتيجة للإصلاحات البنيوية التي أدخلها جورباتشوف على الاتحاد السوفييتي آنذاك. ثم إن "الجهاد" في أفغانستان لم يكن ممكنا لولا التدريب الأمريكي وأنواع الأسلحة الأمريكية المتطورة التي كانت الولايات المتحدة تمد المقاومة الأفغانية بها، وهي أسلحة لم تكن تسمح بها لأقرب حلفائها.
كما يجب فتح باب الاجتهاد في أمر الجهاد. وينبغي أن نلاحظ بداية أن الطريقة المألوفة التي يتحقق بها الجهاد ربما لا تكون ملائمة للعصر الحاضر: ذلك أن الدول الحديثة ـ ومنها الدول العربية والإسلامية ـ تعتمد على جيوش نظامية تدافع عن حدودها، فهي ليست بحاجة إلى إعلان النفير. ولم يعد استنفار الأفراد مرغوبا أو ممكنا أو مجديا؛ إذ لا يمكن للفرد، مهما كانت دوافعه، أن يواجه الحرب الآلية الحديثة. ولا يعني هذا إلغاء مفهوم الجهاد، بل يعني وجوب البحث عن وسائل أخرى لتحقيق غاياته بما يلائم الأوضاع الدولية المعاصرة.
ثم ما الغرض من الجهاد الآن؟
ولا شك أنه الدفاع عن بلاد المسلمين ضد هذه الهجمة الغربية الشرسة في العصر الحاضر. لكن سياق النظام الدولي المعاصر لا يسمح باختراق الحدود الدولية وستكون الدولة التي ينتمي إليها الذين يخرجون للجهاد مسؤولة عن أفعالهم وهو ما يعرضها لكثير من المشكلات في علاقاتها مع الدول التي يمارس فيها هؤلاء المجاهدون جهادهم. لذلك لا يمكن لأية دولة أن تسمح لمواطنيها بالخروج للقتال في الدول الأخرى. ثم إن هؤلاء كما نرى جليا قلما يُحققون شيئا كبيرا، فقد قضى كثير منهم دون أن يردوا عدوا أو يردعوه، وتبقى الملامة على الدول التي جاءوا منها.
وفي ضوء هذه الظروف هناك بديلان لتحقيق الغرض المقصود من الجهاد:
الأول: أن الولايات المتحدة، والقوى ال*******ية التي سبقتها، لم تجرؤ على انتهاك بلاد العرب والمسلمين إلا لأنهم ضعفاء سياسيا واقتصاديا واجتماعيا وعسكريا. فيتطلب منع الاعتداءات الأمريكية والإسرائيلية تخطيطا بعيد المدى لبناء قوتنا الذاتية والتخلص من أوجه الضعف البنيوي تلك. ويشهد التاريخ أن القوة الذاتية للمجتمعات هي ما يمنع المعتدين ويحد من أطماعهم ويكبح غلواءهم. وليس هذا غريبا؛ ذلك أن القرآن الكريم يؤكد على الإعداد للقوة التي يمثل امتلاكها عاملا لإرهاب العدو وردعه عن الاعتداء، حتى إن لم تستعمل.
ومن هنا يمكن أن يجنَّد هؤلاء الشباب للانخراط فيما يؤدي إلى بناء هذه القوة الذاتية بدلا من استغلال حماسهم في نشر العنف والفوضى.
ويتمثل الثاني: في استخدام وسائل الكفاح السلمي. ويعني الاستفادة من الوسائل التي أثبتت فاعليتها في العصر الحاضر، ومن أهمها نقل المعركة إلى الغرب نفسه، وذلك بإقامة جسور التواصل مع القوى الشعبية في المجتمعات الغربية التي يمكن أن تتفاعل معنا وتقف في وجه الأطماع ال*******ية باستخدام النضال السلمي الذي أثبت جدواه المرة بعد الأخرى. وفي الختام لا يمكن لأي مخلص لهذا الوطن العزيز إلا أن يستنكر الاعتداءات الإجرامية التي تعكر صفو أمننا، ولا يمكن قبول أي عذر أو ذريعة لتسويغها، ولا بد أن يبرّأ مفهوم الجهاد بأوضح ما يكون من البيان من هذه الأعمال المنكرة. والاستنكار لا يكفي؛ بل يجب على علماء الشريعة أن يجتهدوا لجلاء مفهوم الجهاد في سياق الوضع العالمي المعاصر وتخليصه من التلبس بالعنف والإرهاب. كما يجب نقد خطاب "الصحوة الإسلامية" وبيان تجاوزاته في الماضي ومن ثم ترشيده ليكون عونا في توجيه الشباب نحو بناء أوطانهم بدلا من أن يكونوا ضحايا للعنف والقتل المجاني