بسم الله الرحمن الرحيم
الفقيه هو صائغ العقل العربي ومصمم آلياته وأدواته وواضع مقاييسه ومواصفاته.هذه خاصية الفقيه ليست لأحد غيره. لذا كان من الطبيعي جداً أن يدخل الفقهاء في عالم السياسة, وما دعوة تنحيتهم عنها إلا ضرب من الخيال الذي لن يتحقق أبداً, على الأقل ليس في شرق هذا العالم. لكن اختلاف وجهات النظر بين الفقهاء فيما يتعلق بالحرب على العراق سيؤدي حتماً إلى احتقان جديد كبير إن لم نتداركه. فالشأن السياسي ليس كأمور العبادات التي يتبع فيها الإنسان من شاء من الفقهاء. الشأن السياسي كغيره من الأمور التي تندرج في الشؤون العامة التي تتعلق بجميع أفراد المجتمع بل بالدولة ككيان سياسي. يستشعر الإنسان العاقل هذا الخطر وهو يطالع بيان (العودة والحوالي والعمر) المسمى بيان الـ 26 شيخاً في أحداث العراق. ويزداد هذا الشعور عندما تستمع للكلمة المسجلة المتداولة للشيخ الدكتور ناصر العمر منذ بضعة أيام التي وصف فيها بيان الـ 26 الذين هو أحدهم بأنه بيان العلماء الحقيقيين وليس ككتابات الذين يعترفون بحكومة إياد علاوي ساخراً ومعرضاً بشيخ فقيه جليل هو الشيخ عبدالمحسن العبيكان, قال هذا وهو يكرر الآية الكريمة (ومن يضلل الله فما له من هاد). وذكر أنه تأتيه رسائل من العراق تطلب منه كف الأذى الذي يأتيهم من هكذا فتاوى. وبارك العمر باستحياء ذهاب الشباب السعودي إلى العراق بأسلوب لا ينقصه الذكاء فهو ينهى الشباب عن الذهاب لكنه يذكر في إلماحة سريعة أنه زار والد أحد الصغار الذين ذهبوا للعراق وقتلوا هناك, يريد تعزيته, فقال له الأب هنئني ولا تعزني, فالولد كان حافظاً للقرآن ناشئاً في طاعة الله. وقال الشيخ العمر إن أهل العراق يحتاجون الدعم المادي, وإن المنظمة العالمية للشباب الإسلامي تستقبل التبرعات, ثم عاد الشيخ العمر للتحذير من أمريكا وإنها إن أخذت العراق فستجتاح الخليج بعده, ثم ذكر أمر الجهاد وحث على نسخة جديدة من النتاج الفقهي هي كتاب صديقه ورفيق دربه الشيخ عبدالعزيز الجلّيل المسمى (التربية الجهادية) ونصح كل واحد من المستمعين أن يكون هذا الكتاب الجديد بين يديه. بعد هذا الاستعراض لكلمة الشيخ ناصر العمر, أحب أن أعلق بالنقاط الآتية :
1- أنا لا أزعم أنني خبير بالشؤون السياسية لكن عندما أقرأ بيان الـ26 وأسمع كلمة الشيخ الدكتور العمر أشعر بفقر مدقع في هذا الجانب عند من أصدروا هذا البيان, فالبيان في الأعراف الدولية (إعلان للحرب على أمريكا) لو اكتسب زخماً ووجد من يؤمن به ويصادق عليه, ولا أدري هل يعي هؤلاء المشايخ خطورة أن تدخل السعودية في حرب مع أمريكا في هذا الوقت بالذات أم لا؟! هل يعي هؤلاء أنهم في دولة أصلاً؟
2- البيان يشعرك أنه ليس في بلد هؤلاء المشايخ حكومة ونظام سياسي حاكم, أو أن هؤلاء الـ 26 لا يعترفون بشرعية النظام القائم. لأن إصدار هذا البيان لا يصح بالمقاييس القانونية ولا الشرعية, ففي لغة الشرع هذا التصرف يدخل فيما يسمى بالافتئات على إمام المسلمين
فهو وحده من يعلن حالة الحرب لا غيره. وفي لغة القانون هذا خروج عن القانون.
3- البيان تجاهل تماماً السنة الأكراد والشيعة العرب الذين يوصف موقفهم بأنه بين التأييد والحياد لمشروع العراق الجديد, فضلاً عن قبيلة شمر العربية التي لا شك أنها سعيدة لأن حاكم العراق الجديد (الشيخ غازي الياور) واحد من أبنائها. لذا يمكن تصنيف البيان بأنه مذهبي قومي يسعى فقط لصالح, السنة العرب دون غيرهم, وليس لصالح كل المسلمين.
4- الشيخ العبيكان فقيه كبير عرفته منذ أكثر من عشر سنوات وحضرت دروسه ونهلت من علمه, وأشهد أنه فقيه جد فقيه, وقد ألف شرحاً كبيراً لنص فقهي حنبلي هو (مغني ذوي الأفهام) طبع منه إلى الآن سبعة مجلدات ضخمة, ويبدو أنه سيتجاوز العشرين, ولا أرى للإخوة الـ 26 مجتمعين مثل هذا النشاط العلمي والجهد الكبير,و رأيه في أحداث العراق قطعاً, داخل بين الصواب ذي الأجرين أو الخطأ ذي الأجر الواحد. فعلام السخرية!!
5- مشكلة الدكتور العمر أنه حركي وليس بفقيه, الفقيه الحقيقي يدرك تماماً وجوب احترام الرأي الآخر الذي ينطلق من الشرع, أما الحركي فلا. لذا نراه يحتد في تسفيه المخالف لاعتقاده أنه يدعي امتلاك الحقيقة المطلقة التي لا يستطيع أن يتصور معها أن عند الآخرين شيء من الحق ولو ضئيلاً. لذا يرى لزاما عليه التهجم على الآخر وسحقه وتسفيهه فهو لا يطيق جيرته التي تهدد رأيه الهش.
6- لم أفهم ما قصده الدكتور ناصر العمر من قوله إن الندوة العالمية للشباب الإسلامي تستقبل التبرعات للعراق.
وليت أن المسؤولين عن الندوة يبينون لنا ما معنى هذا الكلام, هل المقصود دعم المنكوبين أم دعم المقاومة؟
7- أنا في شك كبير من كون هذا البيان المحرض في صالح أهل الفلوجة, فهو يدعوهم لمقاومة, خرج رمزها الزرقاوي إلى جهة غير معلومة وتركها للقصف الأمريكي ومن الواضح جداً أنه ليس هناك أي تكافؤ في هذه المعركة التي لا أظنها ستدوم طويلاً, برغم هذا البيان الذي يصب الوقود عليها من بعد.
8- برغم أن الـ 26 كلهم ما زالوا في سن الشباب والرجولة إلا أننا لم نر منهم من خرج يوماً للقتال منذ أن عرفناهم, وكذلك أبناؤهم فهم في سن يسمح لهم بالقتال ومع ذلك لم نسمع يوما أنهم سمحوا لأبنائهم بالذهاب لفلسطين أو لأي مكان آخر, وإنما يفضلون إرسال أبناء الناس الآخرين بدلاً من ذلك.
9- هذا المقال لا يعني أبداً تأييد قتل أهل الفلوجة ولا الفرح بصور الجثث التي تمطرنا كل يوم لكن الفقه علمنا أن ارتكاب أخف الضررين محمود ومطلوب. وحماية بلدنا مقدمة على أي شيء آخر, وتدشين رحلات الشباب السعودي المقاتل للعراق سيعود على البلد بكوارث حقيقية جديدة غير محمودة العواقب, بل إننا لا ندري أين ستصل بنا هذه المرة.
خالد الغنامي كاتب سعودي
المصدر
جريدة الوطن
http://www.alwatan.com.sa/daily/2004.../writers04.htm
الفقيه هو صائغ العقل العربي ومصمم آلياته وأدواته وواضع مقاييسه ومواصفاته.هذه خاصية الفقيه ليست لأحد غيره. لذا كان من الطبيعي جداً أن يدخل الفقهاء في عالم السياسة, وما دعوة تنحيتهم عنها إلا ضرب من الخيال الذي لن يتحقق أبداً, على الأقل ليس في شرق هذا العالم. لكن اختلاف وجهات النظر بين الفقهاء فيما يتعلق بالحرب على العراق سيؤدي حتماً إلى احتقان جديد كبير إن لم نتداركه. فالشأن السياسي ليس كأمور العبادات التي يتبع فيها الإنسان من شاء من الفقهاء. الشأن السياسي كغيره من الأمور التي تندرج في الشؤون العامة التي تتعلق بجميع أفراد المجتمع بل بالدولة ككيان سياسي. يستشعر الإنسان العاقل هذا الخطر وهو يطالع بيان (العودة والحوالي والعمر) المسمى بيان الـ 26 شيخاً في أحداث العراق. ويزداد هذا الشعور عندما تستمع للكلمة المسجلة المتداولة للشيخ الدكتور ناصر العمر منذ بضعة أيام التي وصف فيها بيان الـ 26 الذين هو أحدهم بأنه بيان العلماء الحقيقيين وليس ككتابات الذين يعترفون بحكومة إياد علاوي ساخراً ومعرضاً بشيخ فقيه جليل هو الشيخ عبدالمحسن العبيكان, قال هذا وهو يكرر الآية الكريمة (ومن يضلل الله فما له من هاد). وذكر أنه تأتيه رسائل من العراق تطلب منه كف الأذى الذي يأتيهم من هكذا فتاوى. وبارك العمر باستحياء ذهاب الشباب السعودي إلى العراق بأسلوب لا ينقصه الذكاء فهو ينهى الشباب عن الذهاب لكنه يذكر في إلماحة سريعة أنه زار والد أحد الصغار الذين ذهبوا للعراق وقتلوا هناك, يريد تعزيته, فقال له الأب هنئني ولا تعزني, فالولد كان حافظاً للقرآن ناشئاً في طاعة الله. وقال الشيخ العمر إن أهل العراق يحتاجون الدعم المادي, وإن المنظمة العالمية للشباب الإسلامي تستقبل التبرعات, ثم عاد الشيخ العمر للتحذير من أمريكا وإنها إن أخذت العراق فستجتاح الخليج بعده, ثم ذكر أمر الجهاد وحث على نسخة جديدة من النتاج الفقهي هي كتاب صديقه ورفيق دربه الشيخ عبدالعزيز الجلّيل المسمى (التربية الجهادية) ونصح كل واحد من المستمعين أن يكون هذا الكتاب الجديد بين يديه. بعد هذا الاستعراض لكلمة الشيخ ناصر العمر, أحب أن أعلق بالنقاط الآتية :
1- أنا لا أزعم أنني خبير بالشؤون السياسية لكن عندما أقرأ بيان الـ26 وأسمع كلمة الشيخ الدكتور العمر أشعر بفقر مدقع في هذا الجانب عند من أصدروا هذا البيان, فالبيان في الأعراف الدولية (إعلان للحرب على أمريكا) لو اكتسب زخماً ووجد من يؤمن به ويصادق عليه, ولا أدري هل يعي هؤلاء المشايخ خطورة أن تدخل السعودية في حرب مع أمريكا في هذا الوقت بالذات أم لا؟! هل يعي هؤلاء أنهم في دولة أصلاً؟
2- البيان يشعرك أنه ليس في بلد هؤلاء المشايخ حكومة ونظام سياسي حاكم, أو أن هؤلاء الـ 26 لا يعترفون بشرعية النظام القائم. لأن إصدار هذا البيان لا يصح بالمقاييس القانونية ولا الشرعية, ففي لغة الشرع هذا التصرف يدخل فيما يسمى بالافتئات على إمام المسلمين
فهو وحده من يعلن حالة الحرب لا غيره. وفي لغة القانون هذا خروج عن القانون.
3- البيان تجاهل تماماً السنة الأكراد والشيعة العرب الذين يوصف موقفهم بأنه بين التأييد والحياد لمشروع العراق الجديد, فضلاً عن قبيلة شمر العربية التي لا شك أنها سعيدة لأن حاكم العراق الجديد (الشيخ غازي الياور) واحد من أبنائها. لذا يمكن تصنيف البيان بأنه مذهبي قومي يسعى فقط لصالح, السنة العرب دون غيرهم, وليس لصالح كل المسلمين.
4- الشيخ العبيكان فقيه كبير عرفته منذ أكثر من عشر سنوات وحضرت دروسه ونهلت من علمه, وأشهد أنه فقيه جد فقيه, وقد ألف شرحاً كبيراً لنص فقهي حنبلي هو (مغني ذوي الأفهام) طبع منه إلى الآن سبعة مجلدات ضخمة, ويبدو أنه سيتجاوز العشرين, ولا أرى للإخوة الـ 26 مجتمعين مثل هذا النشاط العلمي والجهد الكبير,و رأيه في أحداث العراق قطعاً, داخل بين الصواب ذي الأجرين أو الخطأ ذي الأجر الواحد. فعلام السخرية!!
5- مشكلة الدكتور العمر أنه حركي وليس بفقيه, الفقيه الحقيقي يدرك تماماً وجوب احترام الرأي الآخر الذي ينطلق من الشرع, أما الحركي فلا. لذا نراه يحتد في تسفيه المخالف لاعتقاده أنه يدعي امتلاك الحقيقة المطلقة التي لا يستطيع أن يتصور معها أن عند الآخرين شيء من الحق ولو ضئيلاً. لذا يرى لزاما عليه التهجم على الآخر وسحقه وتسفيهه فهو لا يطيق جيرته التي تهدد رأيه الهش.
6- لم أفهم ما قصده الدكتور ناصر العمر من قوله إن الندوة العالمية للشباب الإسلامي تستقبل التبرعات للعراق.
وليت أن المسؤولين عن الندوة يبينون لنا ما معنى هذا الكلام, هل المقصود دعم المنكوبين أم دعم المقاومة؟
7- أنا في شك كبير من كون هذا البيان المحرض في صالح أهل الفلوجة, فهو يدعوهم لمقاومة, خرج رمزها الزرقاوي إلى جهة غير معلومة وتركها للقصف الأمريكي ومن الواضح جداً أنه ليس هناك أي تكافؤ في هذه المعركة التي لا أظنها ستدوم طويلاً, برغم هذا البيان الذي يصب الوقود عليها من بعد.
8- برغم أن الـ 26 كلهم ما زالوا في سن الشباب والرجولة إلا أننا لم نر منهم من خرج يوماً للقتال منذ أن عرفناهم, وكذلك أبناؤهم فهم في سن يسمح لهم بالقتال ومع ذلك لم نسمع يوما أنهم سمحوا لأبنائهم بالذهاب لفلسطين أو لأي مكان آخر, وإنما يفضلون إرسال أبناء الناس الآخرين بدلاً من ذلك.
9- هذا المقال لا يعني أبداً تأييد قتل أهل الفلوجة ولا الفرح بصور الجثث التي تمطرنا كل يوم لكن الفقه علمنا أن ارتكاب أخف الضررين محمود ومطلوب. وحماية بلدنا مقدمة على أي شيء آخر, وتدشين رحلات الشباب السعودي المقاتل للعراق سيعود على البلد بكوارث حقيقية جديدة غير محمودة العواقب, بل إننا لا ندري أين ستصل بنا هذه المرة.
خالد الغنامي كاتب سعودي
المصدر
جريدة الوطن
http://www.alwatan.com.sa/daily/2004.../writers04.htm

تعليق