ليس سراً كون الإسلام دينا وثقافة وحضارة قد أضحى على رأس الاستهداف الأمريكي منظورا إليه كمصدر لإنتاج الإرهاب وتهديد الاستقرار العالمي، وهذا ما يفسر اتساع دائرة الاهتمام بقضايا الإسلام والمجتمعات الإسلامية والعمل على تطويعهما لصالح المخططات والأجندة الأمريكية في المنطقة. فقد وجدت القوة الأمريكية في أحداث الحادي عشر من سبتمر، وفي ظهور جماعات العنف مسوغا كافيا للتدخل في خيارات المسلمين الثقافية والدينية وفي نمط اجتماعهم وقيمهم العامة، بل للتدخل في جزئيات حياتهم اليومية بحجة ما يمثله ذلك من مخاطر وتهديد لأمن الولايات المتحدة الأمريكية وشركائها «المتمدينين» على ما يقول الفريق اليميني الأمريكي، وضمن هذا الإطار يمكن قراءة الوثيقة الأمريكية التالية:
نشرت وحدة بحث الأمن القومي التابعة لمركز رند في الولايات المتحدة الأمريكية ورقة بحثية مطولة تحت عنوان «الإسلام المدني الديمقراطي: شركاء، وموارد واستراتيجيات»، قدمت خلالها رصدا عاما لمكونات الساحة الإسلامية وتياراتها الفاعلة، محددة على ضوء ذلك خطوط وملامح السياسة الأمريكية المطلوب توخيها في التعاطي مع هذه الساحة.
تكتسب هذه الوثيقة أهميتها من جهتين إثنتين أولا أن الجهة التي قامت على إعدادها ونشرها هي مركز رند للدراسات الاستراتيجية الذي يعتبر أحدأهم معاقل المحافظين الجدد، وأحد أذرعهم الفاعلة في توجيه السياسة الخارجية والدفاعية الأمريكية، ثانيا أن هذه الوثيقة لم تكن مجرد ورقة بحثية تتعلق بحقل دراسي معين كما هو شأن البحوث الأكاديمية والاستراتيجية بقدر ما هي عبارة عن برنامج عمل سياسي بما يجعلها تخرج من نطاق البحث الأكاديمي لتطول عالم السياسة ولعبة مصالحها ورهاناتها، ومثلما يشير إليه ذلك العنوان فإن هذه الوثيقة تقدم قراءة وجردا شاملا للساحة الإسلامية ومختلف تعبيراتها السياسية والاجتماعية لتخلص إلى ضبط سياسة عمل ترسم سلم أولويات ومواضع المصالح الأمريكية في التعاطي مع هذه الساحة الشائكة والمعقدة،
تقسم الورقة الساحة الإسلامية إلى أربعة اتجاهات وتيارات كبرى، تيار أول تسميه بالأصوليين الذين هم بحسب التعريف الوارد «الأكثر عداء للغرب عامة وللولايات المتحدة الامريكية على وجه الخصوص، وهم يهدفون بدرجات متفاوتة إلى تقويض الحداثة الديمقراطية»، وتيار ثان أطلقت عليه اسم التقليديين الذين هم بحسب الورقة الأمريكية إن كانوا أكثر اعتدالا وهدوء إلا أنهم ليسوا على وفاق مع «القيم» الحداثية والديمقراطية كما أنهم ينقسمون بدورهم إلى تفريعات مختلفة بعضها أميل إلى التوجهات «الأصولية» وبعضها الآخر أكثر انشغالا بالحفاظ على المعايير والمؤسسات التقليدية للمجتمعات الإسلامية أما التيار الثالث فهو تيار التحديثيين الذين يراهنون على إدماج العالم الإسلامي في فضاء «الحداثة العالمية» ويرغبون في «إصلاحه» وتحديثه، أما تيار العلمانيين فهو «الذي يريد من العالم الإسلامي قبول الفصل بين (الكنيسة) والدولة على منوال الديمقراطيات الصناعية، ويريد أن يضبط دور الدين في دائرة الحياة الخاصة».
وبعد هذا التشخيص المفصل أو لنقل بعد النمذجة النظرية لمكونات الساحة الإسلامية تنتهي الورقة إلى ضبط ما يشبه برنامج عمل يحدد صيغة التعامل مع هذه الاتجاهات الأربعة، وهذا البرنامج يمكن تلخيصه في الخطوط التالية:
أولا: على دعم الحداثيين من خلال نشر وتوزيع أعمالهم ومدهم بالدعم المالي، وتشجيعهم على مخاطبة الجمهور الواسع، ثم تضيف الورقة أنه من اللازم العمل على إدخال رؤيتهم الحداثية إلى برامج التعليم الإسلامي وإشاعة قراءاتهم وخياراتهم التأويلية للإسلام بين الجمهور الإسلامي الواسع.
ثانيا: دعم التقليديين في مواجهة الأصوليين وذلك بتشجيع نقد التقليديين للعنف «الاصولي» والعمل على تعميق الهوة بين المعسكرين والحيلولة دون تحالفهما، والعمل مقابل ذلك على تشجيع التعاون بين الحداثيين والتقليدين وخاصة من كان منهم أقرب إلى أجندة التيار الحداثي، هذا إلى جانب تدريب التقليديين على اكتساب المكنة السجالية في مواجهة التيار الأصولي الذي له قدرات نظرية أكبر من التقليديين على ما يقول البحث، ثم تشجيع حضور الشخصيات الحداثية وأفكارها ضمن المؤسسات والهيئات التقليدية، أما من جهة العلمانيين فإن الورقة لا تتردد في حسبانهم الحليف الطبيعي والأوثق للولايات المتحدة الأمريكية في العالم الإسلامي، ومن ثم يجب أن يتركز الجهد على جذب التيار العلماني إلى الساحة الأمريكية والحيلولة دون تحالفه مع الأجنحة المعادية للولايات المتحدة الأمريكية على أرضية قومية أويسارية على ما يقول هذا التقرير. من الواضح هنا أن الفريق المحافظ المهيمن على دواليب الحكم والإدارة في الولايات المتحدة الأمريكية لم يعد يكتفي بمطلب بناء الأمم والدول بل يراهن على المجاسرة باجتراح مهمة كبيرة يسميها بإعادة بناء الديانات والثقافات ورغم أن الورقة تسلم ابتداء بان هذه المهمة شاقة وتحتاج إلى طول نفس، وخاصة إذا ما تعلق الأمر بدين كبير بحجم الإسلام إلا أنها تشدد على ضرورة خوض غمار هذه التجربة وتحمل مشاقها باتجاه صياغة إسلام «مدني ديمقراطي» متقبل لقيم «العلمنة» وولوج بوابة الحداثة «طبعا العلمنة والحداثة على نحو ما يتصورها البنتاجون ورجالات المخابرات الأمريكية» أي أن مسألة القيم ونظام الثقافة والقيم العامة لم تعد شأنا محليا واختياريا للأمم والشعوب بقدر ما غدت خاضعة لأجندة واختيارات الخارج ولعبة مصالحه وسلم أولوياته تحت عنوان الدفاع عن القيم المدنية والديمقراطية الغربية.
المصدرجريدة الشرق القطرية
نشرت وحدة بحث الأمن القومي التابعة لمركز رند في الولايات المتحدة الأمريكية ورقة بحثية مطولة تحت عنوان «الإسلام المدني الديمقراطي: شركاء، وموارد واستراتيجيات»، قدمت خلالها رصدا عاما لمكونات الساحة الإسلامية وتياراتها الفاعلة، محددة على ضوء ذلك خطوط وملامح السياسة الأمريكية المطلوب توخيها في التعاطي مع هذه الساحة.
تكتسب هذه الوثيقة أهميتها من جهتين إثنتين أولا أن الجهة التي قامت على إعدادها ونشرها هي مركز رند للدراسات الاستراتيجية الذي يعتبر أحدأهم معاقل المحافظين الجدد، وأحد أذرعهم الفاعلة في توجيه السياسة الخارجية والدفاعية الأمريكية، ثانيا أن هذه الوثيقة لم تكن مجرد ورقة بحثية تتعلق بحقل دراسي معين كما هو شأن البحوث الأكاديمية والاستراتيجية بقدر ما هي عبارة عن برنامج عمل سياسي بما يجعلها تخرج من نطاق البحث الأكاديمي لتطول عالم السياسة ولعبة مصالحها ورهاناتها، ومثلما يشير إليه ذلك العنوان فإن هذه الوثيقة تقدم قراءة وجردا شاملا للساحة الإسلامية ومختلف تعبيراتها السياسية والاجتماعية لتخلص إلى ضبط سياسة عمل ترسم سلم أولويات ومواضع المصالح الأمريكية في التعاطي مع هذه الساحة الشائكة والمعقدة،
تقسم الورقة الساحة الإسلامية إلى أربعة اتجاهات وتيارات كبرى، تيار أول تسميه بالأصوليين الذين هم بحسب التعريف الوارد «الأكثر عداء للغرب عامة وللولايات المتحدة الامريكية على وجه الخصوص، وهم يهدفون بدرجات متفاوتة إلى تقويض الحداثة الديمقراطية»، وتيار ثان أطلقت عليه اسم التقليديين الذين هم بحسب الورقة الأمريكية إن كانوا أكثر اعتدالا وهدوء إلا أنهم ليسوا على وفاق مع «القيم» الحداثية والديمقراطية كما أنهم ينقسمون بدورهم إلى تفريعات مختلفة بعضها أميل إلى التوجهات «الأصولية» وبعضها الآخر أكثر انشغالا بالحفاظ على المعايير والمؤسسات التقليدية للمجتمعات الإسلامية أما التيار الثالث فهو تيار التحديثيين الذين يراهنون على إدماج العالم الإسلامي في فضاء «الحداثة العالمية» ويرغبون في «إصلاحه» وتحديثه، أما تيار العلمانيين فهو «الذي يريد من العالم الإسلامي قبول الفصل بين (الكنيسة) والدولة على منوال الديمقراطيات الصناعية، ويريد أن يضبط دور الدين في دائرة الحياة الخاصة».
وبعد هذا التشخيص المفصل أو لنقل بعد النمذجة النظرية لمكونات الساحة الإسلامية تنتهي الورقة إلى ضبط ما يشبه برنامج عمل يحدد صيغة التعامل مع هذه الاتجاهات الأربعة، وهذا البرنامج يمكن تلخيصه في الخطوط التالية:
أولا: على دعم الحداثيين من خلال نشر وتوزيع أعمالهم ومدهم بالدعم المالي، وتشجيعهم على مخاطبة الجمهور الواسع، ثم تضيف الورقة أنه من اللازم العمل على إدخال رؤيتهم الحداثية إلى برامج التعليم الإسلامي وإشاعة قراءاتهم وخياراتهم التأويلية للإسلام بين الجمهور الإسلامي الواسع.
ثانيا: دعم التقليديين في مواجهة الأصوليين وذلك بتشجيع نقد التقليديين للعنف «الاصولي» والعمل على تعميق الهوة بين المعسكرين والحيلولة دون تحالفهما، والعمل مقابل ذلك على تشجيع التعاون بين الحداثيين والتقليدين وخاصة من كان منهم أقرب إلى أجندة التيار الحداثي، هذا إلى جانب تدريب التقليديين على اكتساب المكنة السجالية في مواجهة التيار الأصولي الذي له قدرات نظرية أكبر من التقليديين على ما يقول البحث، ثم تشجيع حضور الشخصيات الحداثية وأفكارها ضمن المؤسسات والهيئات التقليدية، أما من جهة العلمانيين فإن الورقة لا تتردد في حسبانهم الحليف الطبيعي والأوثق للولايات المتحدة الأمريكية في العالم الإسلامي، ومن ثم يجب أن يتركز الجهد على جذب التيار العلماني إلى الساحة الأمريكية والحيلولة دون تحالفه مع الأجنحة المعادية للولايات المتحدة الأمريكية على أرضية قومية أويسارية على ما يقول هذا التقرير. من الواضح هنا أن الفريق المحافظ المهيمن على دواليب الحكم والإدارة في الولايات المتحدة الأمريكية لم يعد يكتفي بمطلب بناء الأمم والدول بل يراهن على المجاسرة باجتراح مهمة كبيرة يسميها بإعادة بناء الديانات والثقافات ورغم أن الورقة تسلم ابتداء بان هذه المهمة شاقة وتحتاج إلى طول نفس، وخاصة إذا ما تعلق الأمر بدين كبير بحجم الإسلام إلا أنها تشدد على ضرورة خوض غمار هذه التجربة وتحمل مشاقها باتجاه صياغة إسلام «مدني ديمقراطي» متقبل لقيم «العلمنة» وولوج بوابة الحداثة «طبعا العلمنة والحداثة على نحو ما يتصورها البنتاجون ورجالات المخابرات الأمريكية» أي أن مسألة القيم ونظام الثقافة والقيم العامة لم تعد شأنا محليا واختياريا للأمم والشعوب بقدر ما غدت خاضعة لأجندة واختيارات الخارج ولعبة مصالحه وسلم أولوياته تحت عنوان الدفاع عن القيم المدنية والديمقراطية الغربية.
المصدرجريدة الشرق القطرية




تعليق