عادت الأمم المتحدة قبل عدة أيام لتذكّر الناس وتحيي ذكرى محرقة الهولوكست، كما تذكرت معها أوروبا ذكرى المذبحة (المحرقة). وليس بعيداً عن تاريخ المذبحة ذكرى سقوط القنابل النووية على هيروشيما وناكازاكي. الفرق أن الأولى قتل فيما قتل بها كثير من اليهود، والثانية يابانيون. اليهود ومن سار في فلكهم ومن أراد التخلص منم أيضاً ركزوا عليها ووضعوا كل أضواء الدنيا عليها، وحملوا ذنبه ممن لا ذنب له به، فكانت المذابح التي وصلتنا بنارها وما زالت.
حدث ذلك قبل أكثر من ستين عاماً، محارق غاز أو كهرباء أناس يجرونهم من بيوتهم ويعذبونهم بسبب عقائدهم أو بسبب كونهم ضد النازية، مهما كانت مللهم الدينية، والمحرقة الكبرى والدمار الأكبر أن قامت أمريكا بحرق مدينتين كاملتين في اليابان وكان الدمار والتشوه وكان النصر المؤزر لأمريكا والحلفاء في الحرب العالمية الثانية.
والأمم المتحدة تذكر ذلك وتصر على أن تضعه أمام أعين الناس ليأخذ البشر منه عظة يتعظون بها، تستعيد الإنسانية توازنها وتنبذ العنف والقتل بكل أشكاله، لينشر السلام أجنحته حول العالم ويرفرف الحب والتسامح على الكرة الأرضية، فتلف دوراتها المعهودة حول نفسها بهدوء ومن ثم تلف حول الشمس وهي جذلة بما أسبغ الله عليها من نعم.
حدث قبل أكثر من ستين عاماً.
نحن نرى ما حدث قبل ستين عاماً ولا نرى ماذا يحدث اليوم، ربما خلال الستين ثانية الآن، الأمم المتحدة تحب الذكرى وتمجد الذكرى خاصة إذا كانت هذه الذكرى مهمة للرجل الكبير عمدة القرية الكبيرة الجديدة والناس بها ليسوا إلا شيوخ الخفر أو جنوداً للعمدة وحاشية وصولاً لمنظمي أحذية مجلس العمدة الكبير.
الأمم المتحدة لا ترى مذابح العمدة وشيخ خفره في العراق ولا ترى أفعال ذراعه اليمنى في إسرائيل.
الأمم المتحدة تحب أن تذكر العالم بذكرى المحرقة التي انتهت، والتي استثمرها اليهود أيما استثمار، واستولوا على ما لا يحق لهم الاستيلاء عليه، بل مارسوا على البنوك السويسرية مختلف الضغوط ليستولوا على أموال اليهود، حتى ولو كان لهؤلاء اليهود ورثة فعليين.
ولكن، ماذا بشأن الواقع، ماذا تقول الأمم المتحدة عن تدمير الإرث البشري الكبير المتمثل بالمتحف العراقي، وهي التي أقامت الدنيا ولم تقعدها بشأن تمثالي بوذا، ماذا تقول عن المدارس التي أزهقت أرواح طلبتها وكسرت سبوراتها والمساجد التي طارت مآذنها وكتب الدين التي أحرقت وديست بالأقدام، ماذا تقول الأمم المتحدة عن مائة ألف عراقي مدني أبيدوا قبل سبعة شهور وربما تلاهم الآن مائة ألف آخرين.
هل ستنصب لهم نصباً تذكارياً، أم أن النصب يغيظ العمدة العالمي الجديد، وهل ترضى بسلاح معاداة السامية سلاحاً مسلطاً ضد الرأي والحرية لتعود من جديد محارق أشبه بمحارق هتلر. وسلاح من ليس معي فهو ضدي ولذلك يحل قتله ودمار مدنه وقراه؟.
هي الذكرى ومن هذه الذكرى يباح ما لا يباح.
إنه حدث قبل ستين عاماً ولا ننظر لحدث يحدث في الثانية والدقيقة.
المشكلة أن هناك قانوناً طبيعياً يقول: لكل فعل رد فعل مساو له في القوة ومعاكس له في الاتجاه، ولكن العالم بدأ يتنصل من هذا القانون الفيزيائي المعروف منذ القدم والمعروفة استخداماته. فأصبح المراد فعلاً بلا رد فعل، وذاك هو فعل الذبح فهو الفعل الوحيد الذي لا يمكن للمفعول به أن يقوم برد الفعل.


تعليق