مقدمة
تقارير ممارسات حقوق الإنسان في مختلف البلدان لعام 2004
في السابع عشر من أيلول/سبتمبر 2002، عرض الرئيس بوش استراتيجية جديدة لأمن الولايات المتحدة القومي تقوم على مبدأ أن تشجيع الحرية الاقتصادية والسياسية واحترام الكرامة الإنسانية سوف بنيان عالماً أفضل وأكثر أمناً. تُوجز هذه الاستراتيجية، التي تهدف إلى توجيه وتركيز الجهد القومي الذي نشأ جرّاء الحرب على الإرهاب، سلسلة من المهمات الأساسية التي تتطلب من حكومتنا، من جملة ما تتطلبه، الدفاع عن طموحات حقوق الإنسان وبناء الديمقراطية. خلال خطابه بمناسبة توليه ولايته الثانية في كانون الثاني/يناير 2005، توسّع الرئيس بوش في شرح هذا المبدأ: "إن بقاء الحرية في بلادنا يتوقف على نجاح الحرية في البلدان الأخرى.
ان أفضل أمل للسلام في عالمنا هو توسّع الحرية في كل العالم."
عملت الولايات المتحدة وشركاؤها الدوليون مع العديد من البلدان خلال 2004 لبسط الحرية عن طريق المساعدة في حماية الحقوق السياسية لمواطني تلك الدول ولدعم قيام حكم القانون في مجتمعاتها. وفي حالات قليلة، حيث كانت الهواجس تتركز على حق الشعوب في اختيار حكوماتها، أدّت التطورات الدراماتيكية إلى تركيز الاهتمام العالمي على كفاح تلك الشعوب وعلى المعالم البارزة التي أنجزتها.
خلال السنوات الثلاث الماضية منذ القضاء على الطالبان، سعى شعب أفغانستان لتقليص الإرهاب وتحسين الأمن؛ ولسدّ الفجوة بين الفوارق التقليدية الإثنية والدينية والقبلية؛ ولصياغة دستور جديد يلائم تقاليده وطريقة حياته؛ وعمل لتوسيع الحقوق الأساسية بحيث تشمل النساء والأقليات؛ ولفتح مجتمعه للمنافسة السياسية غير المسبوقة، ولحرية التعبير. واستجاب المجتمع الدولي لهذه المهمة فقدم المساعدة في عمليات تسجيل الناخبين لدى السكان المبعثرين جغرافياً الأميين بمعظمهم؛ وقام بتثقيف كادرات الأفغان العاملين في الانتخابات والمشاركين السياسيين في تولي أمر الانتخابات والحملات الانتخابية، وشارك القوات الأفغانية في تأمين الأمن خلال التحضيرات التي سبقت الانتخابات وخلال التصويت. وخلال الانتخابات الرئاسية التي جرت في تشرين الأول/أكتوبر، تنافس 18 مرشحاً للحصول على أصوات عشرة ملايين ناخب أفغاني مسجلين، وكان أكثر من 40 بالمئة منهم من النساء. وعلى الرغم من التهديدات والهجمات التي سبقت التصويت، والتحديات التقنية الجدّية، أدلى أكثر من ثمانية ملايين أفغاني، من بينهم أكثر من 3.2 مليون إمرأة، بأصواتهم لاختيار قائدهم في أول انتخابات ديمقراطية فعلاً، فاختاروا الرئيس حميد كرزاي بالأكثرية.
شابت الحملة الانتخابية الرئاسية في أوكرانيا الضغوط التي مارستها الحكومة على مرشحي المعارضة والمخالفات والتزوير على نطاق واسع خلال التصويت. فقد لجأت حكومة كوتشما إلى التزوير والتلاعب في الانتخابات الرئاسية خلال دورتي الاقتراع الأولى والثانية في 31 تشرين الأول/أكتوبر و21 تشرين الثاني/ نوفمبر. وقامت الحكومة بممارسة الرقابة على مراكز ووسائل الإعلام والصحفيين للتأثير في تغطية الأخبار الأمر الذي أطلق شرارة ما سُمي "بتمرّد الصحفيين" لدى أوساط المراسلين الذي رفضوا إتباع التعليمات الحكومية. وفي نهاية الأمر، تحوّلت المظاهرات الشعبية ضد النتائج الرسمية لانتخابات الحادي والعشرين من تشرين الثاني/نوفمبر تدريجياً إلى ما أسمي "الثورة البرتقالية"، لون الحملة التي ارتبطت بزعيم المعارضة فكتور يوشنكو، وقد ساد الاعتقاد على نطاق واسع أنه فاز في الانتخابات.
عرف احترام حقوق الإنسان في أوكرانيا انعطافاً حازماً نحو الأفضل عندما ألغت المحكمة العليا في البلاد، في الثالث من كانون الأول/ديسمبر، الانتخابات واعتبرتها مزورة، مبررة صحة ملاحظات العديد من المراقبين المحليين والدوليين حول العديد من الانتهاكات في الإجراءات الانتخابية، والمضايقات التي تعرض لها مرشحو المعارضة، والتغطية المتحيزة في الوسائل الإعلامية التي تشرف عليها الحكومة، والتزوير في التصويت وعدّ الأصوات. وفي الانتخابات المُكرّرة التي فرضتها المحكمة في 26 كانون الأول/ديسمبر، انتخب الشعب الأوكراني رئسيه الجديد، ولاحظ المراقبون الدوليون خلال هذا التصويت، الذي فاز به يوشتشنكو، تحسّناً في تغطية الوسائل الإعلامية، ومزيداً من الشفافية في عملية التصويت، وتراجعاً في ضغوط الحكومة الداعمة لمرشح مُعيّن، وعدداً أقل من أعمال تعطيل التصويت. وأعرب الرئيس الجديد عن التزامه الثابت بالديمقراطية، وحكم القانون، واحترام حقوق الإنسان.
في العراق، واجه الشعب سلسلة من المهمات الصعبة بينما كان يستعد لانتخاب رئيسه عبر انتخابات ديمقراطية في الوقت التي كانت شدة وانتشار الهجمات الإرهابية تزيد من مدى التحديات. من ناحية أولى، تمكن مجلس الحكم العراقي من التوصل إلى إجماع حول إطار عمل إعادة السيادة إلى السلطات العراقية برعاية حكم القانون، وحدّد بوضوح الإجراءات التي ستمكن المواطنين العراقيين من اختيار سلطاتهم الخاصة وبناء نظامهم الدستوري الخاص. وفي آذار/مارس، حققت الموافقة على القانون الإداري الانتقالي هذه الأهداف فمهّدت الطريق أمام الخطوة الثانية، أي انتقال السيادة من سلطة التحالف المؤقتة إلى الحكومة العراقية الانتقالية في 28 حزيران/يونيو.
قامت الحكومة العراقية المؤقتة، بمساعدة الأمم المتحدة والمستشارين الدوليين الآخرين، بتشكيل اللجنة الانتخابية المستقلة للعراق، وهي هيئة انتخابية مستقلة وضعت الإجراءات اللازمة لتسجيل ولتصويت العراقيين المقيمين والمغتربين في 14 بلداً. وفي 15-18 آب/أغسطس، اجتمع المؤتمر القومي وانتخب مجلساً قومياً مؤقتاً من مئة عضو، وتقرر إجراء انتخابات الجمعية الوطنية المؤقتة والخطوة الأولى في تشكيل حكومة عراقية انتقالية، في 30 كانون الثاني/يناير 2005. ووفقاً للقانون الإداري المؤقت، سوف تضع الحكومة الانتقالية دستوراً دائماً تتم الموافقة عليه في آب/أغسطس 2005، ومن ثم تجري انتخابات جديدة في كانون الأول/ديسمبر 2005 لتشكيل حكومة دائمة بموجب هذا الدستور.
نعتقد أن أحداثاً مثل تلك الانتخابات ستزيد من حظوظ السلام، وستؤمن أرضية قوية للحكم الذاتي في تلك البلدان، وستساعد في خلق الزخم لتحسين ممارسات حقوق الإنسان لجميع الشعوب المشاركة فيها. غير أن التقدم في هذا المسار لن يكون سهلاً أو سريعاً، على الأقل في البداية، كما تدل على ذلك بوضوح التقارير المفصلة المبينة في هذا التقرير والبالغ عددها 196 (تقريراً). سوف تظهر هذه التقارير، في عدد من الحالات، أن ممارسات حقوق الإنسان ربما تراجعت على الرغم من إجراء انتخابات مقبولة دولياً، كما حدث بالنسبة للسلطات القضائية والوسائل الإعلامية، في فنزويلا، السنة الماضية.
وكان الاعتراف بتعقيدات وصعوبة مُهمّة تعزيز حقوق الإنسان هو الذي قاد الكونغرس، جزئيا، إلى إضفاء الصفة المؤسسية على جمع التقارير السنوية هذه المتعلقة بممارسات حقوق الإنسان في مختلف البلدان، والتي تقوم بها وزارة الخارجية. ونأمل، من خلال توفيرنا لهذه التقارير الموجزة والجامعة من الشهادات حول التجربة العالمية لحقوق الإنسان، ان يساعد سجل هذا العمل الجاري في إلقاء الضوء على المهمات المستقبلية، وكذلك على الإمكانات الكامنة للزيادة الكبيرة في التعاون لدفع تحقيق طموحات الإعلان العالمي لحقوق الإنسان قُدُماً.
مراجعة عامة المنصرمة: الديمقراطية، وحقوق الإنسان والعمل
من خلال تفاصيل التقارير المئة وستة وتسعين الواردة في الصفحات التالية، تبرز التطورات والتجارب في بلدان مُعيّنة ليس بسبب كثافة مشاكل حقوق الإنسان فحسب، بل وأيضاً بسبب علاقتنا بالضحايا وبحكوماتهم خلال عام 2004.
سِجِل الحكومة السودانية حول حقوق الإنسان يبقى تعساً جداً، إذ تواصل تلك الحكومة التضييق على حرية التعبير، والصحافة، والاجتماع، والتجمع، والدين، والتحرّك. وقد ألقت القبض وضايقت الذين مارسوا تلك الحقوق.
في نهاية السنة الفائتة، كان هناك أكثر من مليون ونصف إنسان مُهجّر في إقليم دارفور السوداني. كما أن 200,00 مدني آخرون هربوا إلى تشاد حيث قام المُفوّض السامي للاجئين التابع للأمم المتحدة بتنسيق الجهود الهائلة لمساعدة اللاجئين. وذكرت التقارير أن 70,00 شخص لقوا حتفهم نتيجة العنف والتهجير القسري.
على الرغم من تعهدات الحكومة المتكررة بعدم اللجوء إلى العنف في دارفور، استمرت الممارسات الوحشية هناك. وشنت الحكومة والميليشيات التي تساندها الحكومة المعروفة بالجنجاويد هجمات روتينية على قرى المدنيين. وكثيرا ما يقوم الجنجاويد في العادة، وبالتفاهم مع قوات الحكومية النظامية، بشن هجمات تحت مظلة حماية جوية عسكرية. في أيلول/سبتمبر الماضي، وبعد أن استعرض دراسة مُفصّلة قام بها خبراء مستقلون حول تجارب أكثر من 1,100 لاجئ، توصل وزير الخارجية كولن باول إلى خلاصة مفادها أن الإبادة الجماعية مورست ضد شعب دارفور، إذ قال: "أن الإبادة الجماعية مُورست في دارفور وحكومة السودان والجنجاويد يتحملون المسؤولية، والإبادة الجماعية ربما لا زالت قائمة".
قتلت القوات الحكومية في تلك المنطقة وجرحت وهجّرت المدنيين بصورة روتينية، ودَمرت العيادات، والمساكن عن عمد خلال العمليات الهجومية. ووردت تقارير مؤكدة أن الميليشيات التي تدعمها الحكومة هاجمت أيضاً المدنيين عن عمد، ونهبت ممتلكاتهم، ودمّرت قراهم.
في الوقت نفسه، وفّرت التطورات في المفاوضات، التي دارت في نهاية السنة والمتعلقة بالنزاع بين الشمال والجنوب، الأمل بحلول السلام وبتحسّن ممارسات حقوق الإنسان في مناطق أخرى من السودان. وفي نهاية السنة، شهدت وزارة الخارجية الأميركية حركة ملحوظة حول الاتفاقات الأولية بين الحكومة وبين جيش حركة تحرير شعب السودان، بعد 21 سنة من النزاعات المتقطعة.
رداً على مواصلة جمهورية كوريا الديمقراطية الشعبية (كوريا الشمالية) معاملتها الوحشية والقمعية لشعبها، أصدر كونغرس الولايات المتحدة قانون حقوق الإنسان لكوريا الشمالية لسنة 2004. يسعى القانون إلى معالجة وضع حقوق الإنسان الخطير في كوريا الشمالية وإلى تعزيز التوصل إلى حلول دائمة للاجئين الكوريين الشماليين، وإلى الشفافية في تقديم المساعدات الإنسانية، وإلى التدفق الحر للمعلومات، وإلى إعادة توحيد سلمية لشبه الجزيرة الكورية.
في بيلاروس، تواصلت، من حين إلى آخر، انتهاكات الشرطة وتعذيب السجناء والموقوفين، كما ألقت قوات الأمن القبض بصورة تعسفية واحتجزت المواطنين لأسباب سياسية؛ علاوة على ذلك، حوكم بعض الأفراد وحكم عليهم بالسجن بسبب جرائم سياسية مثل "تشويه سمعة" الرسميين في الدولة، والتي كثيراً ما تعتبر على أنها تشمل انتقاد سياستهم. استمرت حكومة بيلاروس في إنكار التقارير الموثوقة حول دور الرسميين الحكوميين في الاختفاء الطويل الأجل لصحافي يُعتبر شخصية سياسية معارضة معروفة، وفشلت في إجراء تحقيق كامل وشفاف حول هذا الاختفاء. بدلاً من ذلك، عيّنت الحكومة فكتور شيمان، الذي له علاقة بهذا الاختفاء حسب أدلة موثوقة وردت في تقرير المجلس الأوروبي، كرئيس للإدارة الرئاسية، مُدوّمة جوّاً من التعسّف دون عقاب.
في بورما، حكمت الطغمة الحاكمة بواسطة المراسيم دون التقيد بأي من الأحكام الدستورية التي تؤمن الحقوق الأساسية. وتقوم قوات الأمن بأعمال قتل بلا محاكمات. إضافة إلى ذلك، تستمر حوادث اختفاء الأشخاص، وتقوم قوات الأمن باغتصاب، وتعذيب، وضرب، وإساءة معاملة الأسرى والمحتجزين. فالتوقيف التعسفي والاحتجاز الانفرادي يجريان باستمرار وتكرار. كما تنتهك قوات الأمن أيضاً خصوصية المواطنين، وتُعيد إسكانهم في أماكن أخرى بالقوة، وتجنّد الأطفال.
كانت حكومة إيران مسؤولة عن العديد من أعمال القتل خلال السنة بما في ذلك الاعدامات التي تبعت المحاكمات التي كانت تفتقر إلى الإجراءات القانونية الصحيحة. ورد العديد من التقارير التي تقول أن قوات الأمن عذّبت السجناء والمحتجزين. علاوة على ذلك، جرت توقيفات تعسفية، واحتجازات طويلة الأجل في السجون الانفرادية، إضافةً إلى حالة السجون المزرية والمزدحمة، وعدم التمكن من الحصول على محامين، وجلد بالسّياط، واعتداءات على الخصوصيات الشخصية.
كان تعاون الصين وتقدمها في مجال حقوق الإنسان مُخيّباً خلال سنة 2004.
فقد فشلت الصين في تنفيذ التعهدات التي أعطتها سنة 2002 خلال الحوار الأميركي - الصيني حول حقوق الإنسان. غير أنه بنهاية العام تمّ استئناف هذه المحادثات التي كانت قد انقطعت على المستوى العملي عندما أيّدت الولايات المتحدة قراراً حول الممارسات الصينية بشأن حقوق الإنسان في لجنة حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة. خلال سنة 2004، واصلت الحكومة توقيف واحتجاز النشطاء، مثل الأفراد الذين يتناقشون بحرية على الإنترنت، ومحامي الدفاع الذين يرافعون بالنيابة عن المعارضين، والمنفيين (المجردين من حقوقهم) والنشطاء الذين يبحثون في قضايا فيروس نقص المناعة المكتسبة/ الأيدز، والصحفيين الذين يكتبون عن مرض السارز، والمثقفين الذين يُعبّرون عن وجهات نظر سياسية، والأشخاص الذين يتردّدون على الكنائس في المنازل، والعمال الذين يحتجون دفاعاً عن حقوقهم. وتواصلت المعاملة السيئة في السجون الصينية، وواصلت الحكومة قمعها لحركة فالون غونغ الروحية، كما أن عشرات الألوف من أصحاب المعتقدات لا زالوا في السجون، وفي معسكرات العمل، ومرافق الأمراض العقلية بحجة إعادة تأهيلهم. قامت الجمعية الشعبية القومية بتعديل الدستور ليشمل حماية حقوق الإنسان، لكن لا زال من غير الواضح إلى أي حد تنوي الحكومة تطبيق هذا التعديل.
في المملكة العربية السعودية، حصلت تطورات إيجابية في عدد قليل من الميادين بما في ذلك مؤتمر رعته الحكومة حول حقوق وواجبات المرأة، وحول تشكيل أول منظمة رسمية لحقوق الإنسان يُسمح بها في المملكة. في تشرين الأول/أكتوبر، أصدرت الحكومة قانوناً داخلياً تنفيذياً يُؤهل بعض المقيمين منذ مدة طويلة طلب الجنسية، وفي نهاية العام، كان تسجيل الناخبين والمرشحين، وإن يكن للرجال فقط، قد تقدّم كثيراً استعداداً للانتخابات البلدية المقررة في شباط/فبراير 2005.
غير أن سجل سوء المعاملة وانتهاكات حقوق الإنسان في المملكة العربية السعودية لا زال يفوق بكثير التقدم الحاصل. وردت تقارير جديرة بالثقة عن تعذيب وسوء معاملة السجناء على يد قوات الأمن، وعن توقيفات تعسفية واحتجازات في السجون الانفرادية. وواصلت الشرطة الدينية تخويف، وإساءة معاملة واحتجاز المواطنين والأجانب. جرت معظم المحاكمات خلف أبواب مُغلقة، كما يمثل المتهمون عادةً أمام القضاة دون مستشار قانوني. وقامت قوات الأمن باعتقال واحتجاز المنادين بالإصلاح. وواصلت الحكومة تقييد حرية التعبير، والصحافة، والاجتماع، والجمعيات، والتحرك، كما وردت تقارير تقول أن الحكومة تعدّت على الحقوق الخصوصية للأفراد. واستمرت أعمال العنف والتمييز ضد النساء، وأعمال العنف ضد الأطفال، والتفرقة ضد الأقليات الإثنية والدينية، والقيود الصارمة على حقوق العمال.
وعلى عكس التطورات التي حصلت في عدد من البلدان التي ازدادت فيها رقابة المواطنين المباشرة على السلطات الحكومية، فإن التغييرات التي أُجريت على القانون الانتخابي في روسيا، والتحوّل إلى تعيين الحكام الإقليميين بدلاً من انتخابهم، قد عززت من سلطة السلطة التنفيذية. فالقيود الكبرى على وسائل الإعلام، والدوما (البرلمان) المذعن لهذه السلطة، والشوائب في الانتخابات القومية الأخيرة، والفساد في تطبيق القانون، والضغوط السياسية على القضاء أثارت أيضاً هواجس حول تآكل إمكانية محاسبة الحكومة. ازدادت أعمال العنف والتمييز لدوافع عرقية على الرغم من قوانين الحظر التشريعية الكثيرة. وفشلت السلطات في التحقيق في الأعمال ضد الاقليات في الوقت الذي تم إخضاع هذه الأخيرة للتدقيق المتزايد في الوثائق، وجرى استهداف أفرادها لإبعادهم من المراكز المدنية، وإلزامهم دفع غرامات تفوق ما هو مسموح به، واحتجازهم بأشكال أكثر تكراراً. أما المؤسسات الحكومية التي كان المفترض فيها حماية حقوق الإنسان، فقد كانت ضعيفة نسبياً.
قامت حكومة زيمبابوي بحملة عنف وقمع وإرهاب منظمة، تميّزت بالاستخفاف بحقوق الإنسان وبحكم القانون، وبرفاهية مواطني زيمبابوي. فالتعذيب بمختلف الأساليب يُستخدم ضد المعارضين السياسيين وضد المدافعين عن حقوق الإنسان. ويتصرف المحاربون القدامى، وأفواج الشباب المنظمة، وضباط الشرطة بوحشية ضد الخصوم السياسيين. استهدف نظام موغابي أيضاً المؤسسات الحكومية الأخرى، بما فيها القضاء والشرطة، وتجري مضايقة القضاة لإجبارهم على الخضوع أو الاستقالة، ليحل محلهم أصدقاء موغابي. الوسائل الإعلامية الجديدة تمّ تقييدها أو إلغاؤها مع توقيف الصحفيين المزعجين وضربهم. وتستمر مصادرة الأراضي كأداة للقمع السياسي والاجتماعي، كما يتعرّض معارضو تلك السياسات الهدامة إلى الانتقام العنيف.
ظل احترام حقوق الإنسان في فنزويلا مزرياً سنة 2004 على الرغم من فوز الحكومة في الاستفتاء الذي جرى في شهر آب/أغسطس لإقالة الرئيس شافيز. قال المعارضون إن العملية كانت باطلة لكن منظمة الدول الأميركية (oas) ومراقبو مركز كارتر وجدوا أن النتائج الرسمية "عكست إرادة الناخبين". خلال السنة، زادت الحكومة رقابتها على النظام القضائي وتدخلاتها في إدارة العدالة، وتعرّضت المنظمات غير الحكومية للتهديد والترهيب على يد مؤيدي الحكومة. وفي كانون الأول/ديسمبر، أقرّت الهيئة التشريعية قوانين تقيّد حرية الوسائل الإعلامية، وحرية التعبير، وهي قوانين تجعل عملياً من انتقاد الحكومة جريمة. وقد عاقبت الحكومة الأميركية الحكومة الفنزويلية لأنها لم تفعل ما يكفي لمحاربة الاتجار بالبشر.
أضاف فيديل كاسترو سنة أخرى إلى سجلّه بصفته الدكتاتور الذي خدم أطول مدة في العالم. فالحكومة الكوبية لا تزال على موقفها الرافض لجميع العمليات الديمقراطية، وتواصل مُضايقاتها وترهيبها للنشطاء المدافعين عن الديمقراطية، وللمعارضين، والصحفيين، والمهنيين الآخرين، والعمال الساعين إلى القيام بنشاطات اقتصادية لا تسيطر عليها الحكومة. أكثرية المعارضين الخمسة والسبعين الذين صدرت بحقهم أحكام بالسجن لفترات طويلة سنة 2003 لا زالوا في السجن على الرغم من الاحتجاجات الدولية، كما أن السلطات أوقفت 22 ناشطاً إضافياً لحقوق الإنسان، وحكمت عليهم بسبب أعمال مثل "احتقار السلطة". أن مواجهة إساءة استخدام السلطة في كوبا تظل أولوية بالنسبة للولايات المتحدة بصفتها عضو في لجنة حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة.
خلال دورتها لسنة 2004، تبنت لجنة حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة قراراً ترعاه الولايات المتحدة حول كوبا، وكذلك قراراً حول تركمنستان، وكوريا الشمالية، وبيلاروس للسنة الثانية على التوالي، كما تمت الموافقة على قرار حول بورما بالإجماع. أما بالنسبة لبلدان مثل زيمبابوي، وكوبا، والسودان، والصين التي فشلت في حماية حقوق مواطنيها، فكانت لجنة حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة مُقصرّة من عدة وجوه، إذ فشلت في تبنّي قرارات حول وضع حقوق الإنسان في الصين، وزيمبابوي، والشيشان. وواصلت الولايات المتحدة التشديد على ضرورة تحسين طريقة عمل اللجنة، خاصة عن طريق ضمّ مزيد من البلدان الحائزة على سجلات إيجابية في حقوق الإنسان.
تعتقد الولايات المتحدة أن الحكومات المنتخبة ديمقراطياً تكون أكثر ميلاً إلى احترام حقوق مواطنيها. لهذا السبب، تعاونت الولايات المتحدة مع البلدان الأخرى المشاركة في "مجموعة الديمقراطيات"، وهي شبكة من البلدان الديمقراطية التي تعمل معاً لتشجيع وتثبيت وتقدّم الديمقراطية في أنحاء العالم. سنة 2004، انضمت الولايات المتحدة مع بلدان أخرى في مجموعة الدول الديمقراطية للمساعدة في إطلاق عملية تشكيل "لجنة تنظيمية"، للديمقراطية لتكون عبارة عن مجموعة من البلدان التي تتشارك التفكير نفسه والتي تنسق في ما بينها عن كثب لدى لجنة حقوق الإنسان والمؤسسات الأخرى التابعة للأمم المتحدة لأجل تقدم الأهداف التي تتماشى مع القيم الديمقراطية. ففي لجنة حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة، طلبت الولايات المتحدة، بمشاركة البيرو ورومانيا وتيمور الشرقية، اعتماد تبني قرار يعزز دور الأمم المتحدة في تشجيع الديمقراطية ونجحت في ذلك. من جملة توصيات القرار، دعوة لإقامة آلية، أي "نقطة تركيز"، ضمن مكتب المفوض السامي لحقوق الإنسان، تكون مُكرّسة لمساعدة الديمقراطيات الجديدة والناشئة في الحصول على موارد الأمم المتحدة المتوفرة من أجل دعم تلك الديمقراطيات.
علاوة على مساندتها في إنشاء "لجنة تنظيمية" للديمقراطية تابعة للأمم المتحدة، سعت مجموعة الدول الديمقراطية إلى دعم تطوير المؤسسات والقيم الديمقراطية عبر مشاريع تربط البلدان الديمقراطية ببعضها البعض. فقد أرسلت مجموعة الدول الديمقراطية وفداً متعدد القوميات إلى ممارسي الديمقراطية في تيمور الشرقية لمشاطرة أفضل الممارسات الديمقراطية مع الرسميين التيموريين. كذلك، سافر فريق من العراقيين، من الرسميين المنخرطين بتنظيم الانتخابات، من العراق إلى ليتوانيا لمراقبة العمليات الانتخابية هناك والتعلم منها. إن توحيد الأصوات الديمقراطية ضد انتهاكات حقوق الإنسان الأساسية، تلك الحقوق التي تم تنظيمها شرعياً في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان والتي أعيد تأكيدها في إعلان وارسو للمجتمع الديمقراطي وفي خطة عمل سيول، تُعتبر طريقة أساسية لمواصلة الضغط على الحكومات التي تنكر حقوق مواطنيها وتنتهكها.
التغيّرات المؤسساتية
في قطر استمرت عملية التغيير الدستورية وقد صادق الأمير على مسودّة دستور جديد وافق عليه الناخبون بأكثرية ساحقة سنة 2003. صحيح أن أسرة الأمير ستحتفظ بالحكم الوراثي إلا أن الدستور الجديد المتوقّع أن يدخل حيز التطبيق في حزيران/يونيو 2005، يحتوي على عدد من الأحكام المتعلقة بحقوق الإنسان.
في باكستان، استمر الرئيس مُشرّف في منصبه كقائد لهيئة أركان الجيش رغم وعده بأن يتخلى عنه في نهاية السنة. وفي أفريقيا، أقرت جمهورية أفريقيا الوسطى دستوراً جديداً واتخذت عدداً من الخطوات الأخرى لتعزيز الانتقال المُعلن إلى الديمقراطية تحت رئاسة الرئيس بوزيزى الذي استولى على الحكم إثر انقلاب في آذار/مارس 2003. في غينيا بيساو، وبعد انقلاب عسكري في أيلول/سبتمبر 2003، أقام العسكريون حكومة مدنية. وفي كلتا الحالتين، رافق استقرار الوضع الذي تلا الانقلابين تراجعاً في انتهاكات حقوق الإنسان.
في تركيا دفعت رغبة الحكومة في تلبية معايير الاتحاد الأوروبي، المعروفة بمعايير كوبنهاغن لأجل بدء عملية الانضمام إلى الاتحاد إلى تمرير سلّة هامة من الإصلاحات، بما فيها قانون جزائي جديد أكثر ليبرالية نسبياً، وعدداً من التعديلات الدستورية لمحاربة جرائم الشرف والتعذيب؛ ولتوسيع حرية الدين، والتعبير والتجمّع؛ ولخفض دور العسكريين في الحكومة. غير أن تطبيق هذه الإصلاحات تباطأ، واستمرت قوات الأمن في ارتكاب العديد من أعمال سوء المعاملة بما فيها التعذيب، والضرب، والتوقيف التعسفي، والاحتجاز، رغم أن المراقبين لاحظوا تراجعاً في مثل تلك الممارسات، كما ورد في تقرير للجنة الأوروبية لمنع التعذيب أن السلطات المحلية تبذل جهدها للتقيد بسياسة الحكومة المسماة "عدم التسامح المطلق" تجاه التعذيب. إلاّ أن جرائم الشرف استمرت. وألغت الحكومة بعض القيود على استخدام اللغة الكردية ولغات أخرى، لكن القيود على حرية التعبير والصحافة ظلت قائمة.
شهدت السنة الفائتة جهوداً متزايدة من جانب بعض الحكومات لمحاربة الفساد. كانت كوستا ريكا الدولة الأكثر طموحاً في التحقيق الفعلي مع الرسميين من الرتب الرفيعة، عندما أطلقت تحقيقات منفصلة تتعلق بسوء استخدام الأموال العامة، والرشاوى، والعقود غير القانونية تعود لثلاثة رؤساء جمهورية سابقين.
وفي أفريقيا، تركزت الحملات ضد الفساد على سوء تصرف الرسميين بالأموال العامة وكذلك بالنسبة لحقوق الإنسان. وتركزت حملة الرئيس الغامبي على كبح فساد الرسميين لاستعادة المصداقية الدولية، كما أن عمل لجنة التحقيق هناك أدى إلى استقالة عدد من كبار الرسميين وإلى بعض المحاكمات بسبب الجرائم الاقتصادية. أنشأت كينيا منصب مسؤول أول ضد الفساد وفتحت الحكومة عدداً من التحقيقات بشأن ادعاءات حول حوادث قتل دون محاكمة. وفي زامبيا، واصلت هيئة الشكاوى ضد رجال الشرطة، والتي تأسست سنة 2003 لمحاربة سوء تصرف رجال الشرطة، تحقيقاتها في الشكاوى.
الحقوق السياسية
من المؤسف أن تظل التطورات السياسية في أوراسيا، باستثناء جورجيا وأوكرانيا، مصدر قلق جدّياً. فمقياس التقدم لا زال يُقاس إلى حد كبير من خلال المجتمع المدني. أصبح هناك عدد متزايد من المنظمات غير الحكومية، والأحزاب المعارضة، والمواطنين على استعداد لتنظيم مبدأ محاسبة الحكومة والمطالبة به. ففي تركمنستان وأوزبكستان، لا يسمح لأحزاب المعارضة بان تتسجل. في نفس الوقت، تستقي الحكومات في المنطقة دروساً خاطئة من أوكرانيا وجيورجيا وتحاول خنق المجتمع المدني عن طريق مضايقة المنظمات الديمقراطية غير الحكومية من خلال العوائق البيروقراطية والوسائل القانونية المخادعة. في جورجيا، كان التقدم الذي لاحظه المراقبون الدوليون خلال الانتخابات الرئاسية في كانون الثاني/يناير 2004، أعد العدة اللازمة لإقامة "أكثر الانتخابات ديمقراطية في تاريخ جورجيا"، وذلك في الانتخابات النيابية التي جرت في آذار/مارس 2004. حققت حكومات أخرى في المنطقة بعض التقدم المحدود في تحسين العمليات الانتخابية عن طريق وضع قوانين انتخابية جديدة. فالقوانين الانتخابية الجديدة التي تم وضعها في كزاخستان وكرغيستان وطاجيكستان تمثل تحسناً في بعض الميادين، لكن تلك القوانين لا تزال في كل البلدان الثلاثة بعيدة عن المعايير الدولية. كذلك، شكلت انتخابات سنة 2004 في كزاخستان وكرغيستان تحسنات محدودة بالنسبة لسابقاتها غير أن المراقبين المحليين والدوليين أثاروا تساؤلات حول المخالفات، وسوء التصرف، ومضايقة مرشحي المعارضة، أو القيود الموضوعة أمام الوصول المتساوي إلى وسائل الإعلام.
في بيلاروس، تواصل الحكومة الإنكار على مواطنيها حق تغيير حكومتهم عبر عملية ديمقراطية سياسية. ففي استفتاء معيب للغاية جرى في 17 تشرين الأول/أكتوبر، تمّت إزالة الشروط الدستورية لتحديد الفترة الرئاسية. فقبل الاستفتاء والانتخابات البرلمانية المزورة التي جرت في نفس الوقت، أوقفت الحكومة الصحف المستقلة عن الصدور، وجرّدت العديد من المرشحين من أهليتهم للترشّح، واستخدمت الحكومة القوة بإفراط، وفي بعض الحالات، ضربت وأوقفت القادة السياسيين الذين احتجوا بطريقة سلمية على التزوير في الانتخابات، وعلى الصحفيين الذين يُغطّون الاحتجاجات. خلال السنة، أقفلت الحكومة عدداً من المنظمات غير الحكومية المسجلة التي ركزّت على الحقوق السياسية كما أن سلطات أمن الدولة ضايقت بصورة متزايدة المنظمات غير الحكومية المتبقّية.
في تشرين الأول/أكتوبر، أجرت البوسنه والهرسك أول انتخابات بلدية بإدارة ذاتية منذ التوقيع على اتفاقات السلام في دايتون. وتمّ اعتبار هذه الانتخابات على أنها تلبي المعايير الدولية.
جرت في إندونيسيا سلسلة من ثلاثة انتخابات بمشاركة نسبة عالية لافتة من الناخبين فمهّدت الطريق لانتقال السلطة السياسية هناك من الحكومة المهزومة إلى قائد المعارضة المُنتخب. وشكلت العملية أيضاً هزيمة لمرشحي القوات المسلحة والشرطة الذين سعوا للحصول على مقاعد في البرلمان.
في الانتخابات الملفتة للنظر في أفريقيا، أعيد انتخاب الأحزاب الحاكمة في غانا وموزمبيق في عمليات كانت بصورة عامة حرة ونزيهة. وأجرت سيراليون أولى انتخابات بلدية منذ 32 سنة، وإن تخللتها مخالفات في بعض المناطق. في بوروندي، تركزّت الهواجس على تأجيل الانتخابات والتقدّم في انتقال البلاد إلى الديمقراطية. فقد فشلت الحكومة الانتقالية في إجراء الانتخابات البلدية والنيابية التي نصّت عليها اتفاقية آروشا للسلام والمصالحة، وفي نهاية السنة، أدّت أيضاً إلى تأجيل الاستفتاء على مسودة الدستور إلى أجل غير مسمى. في نيبال أدى العصيان المسلح الشيوعي الماوي، وعدم حسم الخلافات بين الأحزاب السياسية النيبالية إلى الحيال أيضاً دون إجراء انتخابات هناك خلال السنة، وساهم في تعميق الأزمة السياسية في البلاد.
في رواندا، ازدادت القيود على الحقوق السياسية، والمحدودة كثيراً أصلاً، عندما عَمِدت الحكومة إلى إقفال منظمات حقوق الإنسان الكبرى أو إلى تفكيكها، وبُررت العملية كجزء من حملة ضد "الانقسامية"، حسب تقرير حكومي يتّهم مجموعات حقوق الإنسان والصحفيين والمعلمين والكنائس بتشجيع "أيديولوجيا الإبادة الجماعية."
تَواصل تراجع احترام الحكومة الإيرانية للحرية وللمشاركة السياسية لمواطنيها. ففي الانتخابات، والتي اعتُبرت بشكل واسع على أنها غير حرة وغير نزيهة، لاختيار 290 عضواً في المجلس (البرلمان) في شباط/فبراير، قام مجلس الوصاية المحافظ الذي يسيطر عليه رجال الدين، عملياً باستبعاد جميع المرشحين الإصلاحيين، بمن فيهم 85 عضواً سابقاً في البرلمان. وشملت الأسباب التي ذكرت لهذا الإجراء عدم إبداء هؤلاء "الطاعة الواضحة" لنظام الحكم الحالي. وكنتيجة للانتخابات المزوّرة، تحوّل الإصلاحيون إلى أقلية صغيرة في البرلمان. في هذه الأثناء، تواصلت حركة المحافظين المضادة للاتجاهات الإصلاحية وأحزابها.
تقارير ممارسات حقوق الإنسان في مختلف البلدان لعام 2004
في السابع عشر من أيلول/سبتمبر 2002، عرض الرئيس بوش استراتيجية جديدة لأمن الولايات المتحدة القومي تقوم على مبدأ أن تشجيع الحرية الاقتصادية والسياسية واحترام الكرامة الإنسانية سوف بنيان عالماً أفضل وأكثر أمناً. تُوجز هذه الاستراتيجية، التي تهدف إلى توجيه وتركيز الجهد القومي الذي نشأ جرّاء الحرب على الإرهاب، سلسلة من المهمات الأساسية التي تتطلب من حكومتنا، من جملة ما تتطلبه، الدفاع عن طموحات حقوق الإنسان وبناء الديمقراطية. خلال خطابه بمناسبة توليه ولايته الثانية في كانون الثاني/يناير 2005، توسّع الرئيس بوش في شرح هذا المبدأ: "إن بقاء الحرية في بلادنا يتوقف على نجاح الحرية في البلدان الأخرى.
ان أفضل أمل للسلام في عالمنا هو توسّع الحرية في كل العالم."
عملت الولايات المتحدة وشركاؤها الدوليون مع العديد من البلدان خلال 2004 لبسط الحرية عن طريق المساعدة في حماية الحقوق السياسية لمواطني تلك الدول ولدعم قيام حكم القانون في مجتمعاتها. وفي حالات قليلة، حيث كانت الهواجس تتركز على حق الشعوب في اختيار حكوماتها، أدّت التطورات الدراماتيكية إلى تركيز الاهتمام العالمي على كفاح تلك الشعوب وعلى المعالم البارزة التي أنجزتها.
خلال السنوات الثلاث الماضية منذ القضاء على الطالبان، سعى شعب أفغانستان لتقليص الإرهاب وتحسين الأمن؛ ولسدّ الفجوة بين الفوارق التقليدية الإثنية والدينية والقبلية؛ ولصياغة دستور جديد يلائم تقاليده وطريقة حياته؛ وعمل لتوسيع الحقوق الأساسية بحيث تشمل النساء والأقليات؛ ولفتح مجتمعه للمنافسة السياسية غير المسبوقة، ولحرية التعبير. واستجاب المجتمع الدولي لهذه المهمة فقدم المساعدة في عمليات تسجيل الناخبين لدى السكان المبعثرين جغرافياً الأميين بمعظمهم؛ وقام بتثقيف كادرات الأفغان العاملين في الانتخابات والمشاركين السياسيين في تولي أمر الانتخابات والحملات الانتخابية، وشارك القوات الأفغانية في تأمين الأمن خلال التحضيرات التي سبقت الانتخابات وخلال التصويت. وخلال الانتخابات الرئاسية التي جرت في تشرين الأول/أكتوبر، تنافس 18 مرشحاً للحصول على أصوات عشرة ملايين ناخب أفغاني مسجلين، وكان أكثر من 40 بالمئة منهم من النساء. وعلى الرغم من التهديدات والهجمات التي سبقت التصويت، والتحديات التقنية الجدّية، أدلى أكثر من ثمانية ملايين أفغاني، من بينهم أكثر من 3.2 مليون إمرأة، بأصواتهم لاختيار قائدهم في أول انتخابات ديمقراطية فعلاً، فاختاروا الرئيس حميد كرزاي بالأكثرية.
شابت الحملة الانتخابية الرئاسية في أوكرانيا الضغوط التي مارستها الحكومة على مرشحي المعارضة والمخالفات والتزوير على نطاق واسع خلال التصويت. فقد لجأت حكومة كوتشما إلى التزوير والتلاعب في الانتخابات الرئاسية خلال دورتي الاقتراع الأولى والثانية في 31 تشرين الأول/أكتوبر و21 تشرين الثاني/ نوفمبر. وقامت الحكومة بممارسة الرقابة على مراكز ووسائل الإعلام والصحفيين للتأثير في تغطية الأخبار الأمر الذي أطلق شرارة ما سُمي "بتمرّد الصحفيين" لدى أوساط المراسلين الذي رفضوا إتباع التعليمات الحكومية. وفي نهاية الأمر، تحوّلت المظاهرات الشعبية ضد النتائج الرسمية لانتخابات الحادي والعشرين من تشرين الثاني/نوفمبر تدريجياً إلى ما أسمي "الثورة البرتقالية"، لون الحملة التي ارتبطت بزعيم المعارضة فكتور يوشنكو، وقد ساد الاعتقاد على نطاق واسع أنه فاز في الانتخابات.
عرف احترام حقوق الإنسان في أوكرانيا انعطافاً حازماً نحو الأفضل عندما ألغت المحكمة العليا في البلاد، في الثالث من كانون الأول/ديسمبر، الانتخابات واعتبرتها مزورة، مبررة صحة ملاحظات العديد من المراقبين المحليين والدوليين حول العديد من الانتهاكات في الإجراءات الانتخابية، والمضايقات التي تعرض لها مرشحو المعارضة، والتغطية المتحيزة في الوسائل الإعلامية التي تشرف عليها الحكومة، والتزوير في التصويت وعدّ الأصوات. وفي الانتخابات المُكرّرة التي فرضتها المحكمة في 26 كانون الأول/ديسمبر، انتخب الشعب الأوكراني رئسيه الجديد، ولاحظ المراقبون الدوليون خلال هذا التصويت، الذي فاز به يوشتشنكو، تحسّناً في تغطية الوسائل الإعلامية، ومزيداً من الشفافية في عملية التصويت، وتراجعاً في ضغوط الحكومة الداعمة لمرشح مُعيّن، وعدداً أقل من أعمال تعطيل التصويت. وأعرب الرئيس الجديد عن التزامه الثابت بالديمقراطية، وحكم القانون، واحترام حقوق الإنسان.
في العراق، واجه الشعب سلسلة من المهمات الصعبة بينما كان يستعد لانتخاب رئيسه عبر انتخابات ديمقراطية في الوقت التي كانت شدة وانتشار الهجمات الإرهابية تزيد من مدى التحديات. من ناحية أولى، تمكن مجلس الحكم العراقي من التوصل إلى إجماع حول إطار عمل إعادة السيادة إلى السلطات العراقية برعاية حكم القانون، وحدّد بوضوح الإجراءات التي ستمكن المواطنين العراقيين من اختيار سلطاتهم الخاصة وبناء نظامهم الدستوري الخاص. وفي آذار/مارس، حققت الموافقة على القانون الإداري الانتقالي هذه الأهداف فمهّدت الطريق أمام الخطوة الثانية، أي انتقال السيادة من سلطة التحالف المؤقتة إلى الحكومة العراقية الانتقالية في 28 حزيران/يونيو.
قامت الحكومة العراقية المؤقتة، بمساعدة الأمم المتحدة والمستشارين الدوليين الآخرين، بتشكيل اللجنة الانتخابية المستقلة للعراق، وهي هيئة انتخابية مستقلة وضعت الإجراءات اللازمة لتسجيل ولتصويت العراقيين المقيمين والمغتربين في 14 بلداً. وفي 15-18 آب/أغسطس، اجتمع المؤتمر القومي وانتخب مجلساً قومياً مؤقتاً من مئة عضو، وتقرر إجراء انتخابات الجمعية الوطنية المؤقتة والخطوة الأولى في تشكيل حكومة عراقية انتقالية، في 30 كانون الثاني/يناير 2005. ووفقاً للقانون الإداري المؤقت، سوف تضع الحكومة الانتقالية دستوراً دائماً تتم الموافقة عليه في آب/أغسطس 2005، ومن ثم تجري انتخابات جديدة في كانون الأول/ديسمبر 2005 لتشكيل حكومة دائمة بموجب هذا الدستور.
نعتقد أن أحداثاً مثل تلك الانتخابات ستزيد من حظوظ السلام، وستؤمن أرضية قوية للحكم الذاتي في تلك البلدان، وستساعد في خلق الزخم لتحسين ممارسات حقوق الإنسان لجميع الشعوب المشاركة فيها. غير أن التقدم في هذا المسار لن يكون سهلاً أو سريعاً، على الأقل في البداية، كما تدل على ذلك بوضوح التقارير المفصلة المبينة في هذا التقرير والبالغ عددها 196 (تقريراً). سوف تظهر هذه التقارير، في عدد من الحالات، أن ممارسات حقوق الإنسان ربما تراجعت على الرغم من إجراء انتخابات مقبولة دولياً، كما حدث بالنسبة للسلطات القضائية والوسائل الإعلامية، في فنزويلا، السنة الماضية.
وكان الاعتراف بتعقيدات وصعوبة مُهمّة تعزيز حقوق الإنسان هو الذي قاد الكونغرس، جزئيا، إلى إضفاء الصفة المؤسسية على جمع التقارير السنوية هذه المتعلقة بممارسات حقوق الإنسان في مختلف البلدان، والتي تقوم بها وزارة الخارجية. ونأمل، من خلال توفيرنا لهذه التقارير الموجزة والجامعة من الشهادات حول التجربة العالمية لحقوق الإنسان، ان يساعد سجل هذا العمل الجاري في إلقاء الضوء على المهمات المستقبلية، وكذلك على الإمكانات الكامنة للزيادة الكبيرة في التعاون لدفع تحقيق طموحات الإعلان العالمي لحقوق الإنسان قُدُماً.
مراجعة عامة المنصرمة: الديمقراطية، وحقوق الإنسان والعمل
من خلال تفاصيل التقارير المئة وستة وتسعين الواردة في الصفحات التالية، تبرز التطورات والتجارب في بلدان مُعيّنة ليس بسبب كثافة مشاكل حقوق الإنسان فحسب، بل وأيضاً بسبب علاقتنا بالضحايا وبحكوماتهم خلال عام 2004.
سِجِل الحكومة السودانية حول حقوق الإنسان يبقى تعساً جداً، إذ تواصل تلك الحكومة التضييق على حرية التعبير، والصحافة، والاجتماع، والتجمع، والدين، والتحرّك. وقد ألقت القبض وضايقت الذين مارسوا تلك الحقوق.
في نهاية السنة الفائتة، كان هناك أكثر من مليون ونصف إنسان مُهجّر في إقليم دارفور السوداني. كما أن 200,00 مدني آخرون هربوا إلى تشاد حيث قام المُفوّض السامي للاجئين التابع للأمم المتحدة بتنسيق الجهود الهائلة لمساعدة اللاجئين. وذكرت التقارير أن 70,00 شخص لقوا حتفهم نتيجة العنف والتهجير القسري.
على الرغم من تعهدات الحكومة المتكررة بعدم اللجوء إلى العنف في دارفور، استمرت الممارسات الوحشية هناك. وشنت الحكومة والميليشيات التي تساندها الحكومة المعروفة بالجنجاويد هجمات روتينية على قرى المدنيين. وكثيرا ما يقوم الجنجاويد في العادة، وبالتفاهم مع قوات الحكومية النظامية، بشن هجمات تحت مظلة حماية جوية عسكرية. في أيلول/سبتمبر الماضي، وبعد أن استعرض دراسة مُفصّلة قام بها خبراء مستقلون حول تجارب أكثر من 1,100 لاجئ، توصل وزير الخارجية كولن باول إلى خلاصة مفادها أن الإبادة الجماعية مورست ضد شعب دارفور، إذ قال: "أن الإبادة الجماعية مُورست في دارفور وحكومة السودان والجنجاويد يتحملون المسؤولية، والإبادة الجماعية ربما لا زالت قائمة".
قتلت القوات الحكومية في تلك المنطقة وجرحت وهجّرت المدنيين بصورة روتينية، ودَمرت العيادات، والمساكن عن عمد خلال العمليات الهجومية. ووردت تقارير مؤكدة أن الميليشيات التي تدعمها الحكومة هاجمت أيضاً المدنيين عن عمد، ونهبت ممتلكاتهم، ودمّرت قراهم.
في الوقت نفسه، وفّرت التطورات في المفاوضات، التي دارت في نهاية السنة والمتعلقة بالنزاع بين الشمال والجنوب، الأمل بحلول السلام وبتحسّن ممارسات حقوق الإنسان في مناطق أخرى من السودان. وفي نهاية السنة، شهدت وزارة الخارجية الأميركية حركة ملحوظة حول الاتفاقات الأولية بين الحكومة وبين جيش حركة تحرير شعب السودان، بعد 21 سنة من النزاعات المتقطعة.
رداً على مواصلة جمهورية كوريا الديمقراطية الشعبية (كوريا الشمالية) معاملتها الوحشية والقمعية لشعبها، أصدر كونغرس الولايات المتحدة قانون حقوق الإنسان لكوريا الشمالية لسنة 2004. يسعى القانون إلى معالجة وضع حقوق الإنسان الخطير في كوريا الشمالية وإلى تعزيز التوصل إلى حلول دائمة للاجئين الكوريين الشماليين، وإلى الشفافية في تقديم المساعدات الإنسانية، وإلى التدفق الحر للمعلومات، وإلى إعادة توحيد سلمية لشبه الجزيرة الكورية.
في بيلاروس، تواصلت، من حين إلى آخر، انتهاكات الشرطة وتعذيب السجناء والموقوفين، كما ألقت قوات الأمن القبض بصورة تعسفية واحتجزت المواطنين لأسباب سياسية؛ علاوة على ذلك، حوكم بعض الأفراد وحكم عليهم بالسجن بسبب جرائم سياسية مثل "تشويه سمعة" الرسميين في الدولة، والتي كثيراً ما تعتبر على أنها تشمل انتقاد سياستهم. استمرت حكومة بيلاروس في إنكار التقارير الموثوقة حول دور الرسميين الحكوميين في الاختفاء الطويل الأجل لصحافي يُعتبر شخصية سياسية معارضة معروفة، وفشلت في إجراء تحقيق كامل وشفاف حول هذا الاختفاء. بدلاً من ذلك، عيّنت الحكومة فكتور شيمان، الذي له علاقة بهذا الاختفاء حسب أدلة موثوقة وردت في تقرير المجلس الأوروبي، كرئيس للإدارة الرئاسية، مُدوّمة جوّاً من التعسّف دون عقاب.
في بورما، حكمت الطغمة الحاكمة بواسطة المراسيم دون التقيد بأي من الأحكام الدستورية التي تؤمن الحقوق الأساسية. وتقوم قوات الأمن بأعمال قتل بلا محاكمات. إضافة إلى ذلك، تستمر حوادث اختفاء الأشخاص، وتقوم قوات الأمن باغتصاب، وتعذيب، وضرب، وإساءة معاملة الأسرى والمحتجزين. فالتوقيف التعسفي والاحتجاز الانفرادي يجريان باستمرار وتكرار. كما تنتهك قوات الأمن أيضاً خصوصية المواطنين، وتُعيد إسكانهم في أماكن أخرى بالقوة، وتجنّد الأطفال.
كانت حكومة إيران مسؤولة عن العديد من أعمال القتل خلال السنة بما في ذلك الاعدامات التي تبعت المحاكمات التي كانت تفتقر إلى الإجراءات القانونية الصحيحة. ورد العديد من التقارير التي تقول أن قوات الأمن عذّبت السجناء والمحتجزين. علاوة على ذلك، جرت توقيفات تعسفية، واحتجازات طويلة الأجل في السجون الانفرادية، إضافةً إلى حالة السجون المزرية والمزدحمة، وعدم التمكن من الحصول على محامين، وجلد بالسّياط، واعتداءات على الخصوصيات الشخصية.
كان تعاون الصين وتقدمها في مجال حقوق الإنسان مُخيّباً خلال سنة 2004.
فقد فشلت الصين في تنفيذ التعهدات التي أعطتها سنة 2002 خلال الحوار الأميركي - الصيني حول حقوق الإنسان. غير أنه بنهاية العام تمّ استئناف هذه المحادثات التي كانت قد انقطعت على المستوى العملي عندما أيّدت الولايات المتحدة قراراً حول الممارسات الصينية بشأن حقوق الإنسان في لجنة حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة. خلال سنة 2004، واصلت الحكومة توقيف واحتجاز النشطاء، مثل الأفراد الذين يتناقشون بحرية على الإنترنت، ومحامي الدفاع الذين يرافعون بالنيابة عن المعارضين، والمنفيين (المجردين من حقوقهم) والنشطاء الذين يبحثون في قضايا فيروس نقص المناعة المكتسبة/ الأيدز، والصحفيين الذين يكتبون عن مرض السارز، والمثقفين الذين يُعبّرون عن وجهات نظر سياسية، والأشخاص الذين يتردّدون على الكنائس في المنازل، والعمال الذين يحتجون دفاعاً عن حقوقهم. وتواصلت المعاملة السيئة في السجون الصينية، وواصلت الحكومة قمعها لحركة فالون غونغ الروحية، كما أن عشرات الألوف من أصحاب المعتقدات لا زالوا في السجون، وفي معسكرات العمل، ومرافق الأمراض العقلية بحجة إعادة تأهيلهم. قامت الجمعية الشعبية القومية بتعديل الدستور ليشمل حماية حقوق الإنسان، لكن لا زال من غير الواضح إلى أي حد تنوي الحكومة تطبيق هذا التعديل.
في المملكة العربية السعودية، حصلت تطورات إيجابية في عدد قليل من الميادين بما في ذلك مؤتمر رعته الحكومة حول حقوق وواجبات المرأة، وحول تشكيل أول منظمة رسمية لحقوق الإنسان يُسمح بها في المملكة. في تشرين الأول/أكتوبر، أصدرت الحكومة قانوناً داخلياً تنفيذياً يُؤهل بعض المقيمين منذ مدة طويلة طلب الجنسية، وفي نهاية العام، كان تسجيل الناخبين والمرشحين، وإن يكن للرجال فقط، قد تقدّم كثيراً استعداداً للانتخابات البلدية المقررة في شباط/فبراير 2005.
غير أن سجل سوء المعاملة وانتهاكات حقوق الإنسان في المملكة العربية السعودية لا زال يفوق بكثير التقدم الحاصل. وردت تقارير جديرة بالثقة عن تعذيب وسوء معاملة السجناء على يد قوات الأمن، وعن توقيفات تعسفية واحتجازات في السجون الانفرادية. وواصلت الشرطة الدينية تخويف، وإساءة معاملة واحتجاز المواطنين والأجانب. جرت معظم المحاكمات خلف أبواب مُغلقة، كما يمثل المتهمون عادةً أمام القضاة دون مستشار قانوني. وقامت قوات الأمن باعتقال واحتجاز المنادين بالإصلاح. وواصلت الحكومة تقييد حرية التعبير، والصحافة، والاجتماع، والجمعيات، والتحرك، كما وردت تقارير تقول أن الحكومة تعدّت على الحقوق الخصوصية للأفراد. واستمرت أعمال العنف والتمييز ضد النساء، وأعمال العنف ضد الأطفال، والتفرقة ضد الأقليات الإثنية والدينية، والقيود الصارمة على حقوق العمال.
وعلى عكس التطورات التي حصلت في عدد من البلدان التي ازدادت فيها رقابة المواطنين المباشرة على السلطات الحكومية، فإن التغييرات التي أُجريت على القانون الانتخابي في روسيا، والتحوّل إلى تعيين الحكام الإقليميين بدلاً من انتخابهم، قد عززت من سلطة السلطة التنفيذية. فالقيود الكبرى على وسائل الإعلام، والدوما (البرلمان) المذعن لهذه السلطة، والشوائب في الانتخابات القومية الأخيرة، والفساد في تطبيق القانون، والضغوط السياسية على القضاء أثارت أيضاً هواجس حول تآكل إمكانية محاسبة الحكومة. ازدادت أعمال العنف والتمييز لدوافع عرقية على الرغم من قوانين الحظر التشريعية الكثيرة. وفشلت السلطات في التحقيق في الأعمال ضد الاقليات في الوقت الذي تم إخضاع هذه الأخيرة للتدقيق المتزايد في الوثائق، وجرى استهداف أفرادها لإبعادهم من المراكز المدنية، وإلزامهم دفع غرامات تفوق ما هو مسموح به، واحتجازهم بأشكال أكثر تكراراً. أما المؤسسات الحكومية التي كان المفترض فيها حماية حقوق الإنسان، فقد كانت ضعيفة نسبياً.
قامت حكومة زيمبابوي بحملة عنف وقمع وإرهاب منظمة، تميّزت بالاستخفاف بحقوق الإنسان وبحكم القانون، وبرفاهية مواطني زيمبابوي. فالتعذيب بمختلف الأساليب يُستخدم ضد المعارضين السياسيين وضد المدافعين عن حقوق الإنسان. ويتصرف المحاربون القدامى، وأفواج الشباب المنظمة، وضباط الشرطة بوحشية ضد الخصوم السياسيين. استهدف نظام موغابي أيضاً المؤسسات الحكومية الأخرى، بما فيها القضاء والشرطة، وتجري مضايقة القضاة لإجبارهم على الخضوع أو الاستقالة، ليحل محلهم أصدقاء موغابي. الوسائل الإعلامية الجديدة تمّ تقييدها أو إلغاؤها مع توقيف الصحفيين المزعجين وضربهم. وتستمر مصادرة الأراضي كأداة للقمع السياسي والاجتماعي، كما يتعرّض معارضو تلك السياسات الهدامة إلى الانتقام العنيف.
ظل احترام حقوق الإنسان في فنزويلا مزرياً سنة 2004 على الرغم من فوز الحكومة في الاستفتاء الذي جرى في شهر آب/أغسطس لإقالة الرئيس شافيز. قال المعارضون إن العملية كانت باطلة لكن منظمة الدول الأميركية (oas) ومراقبو مركز كارتر وجدوا أن النتائج الرسمية "عكست إرادة الناخبين". خلال السنة، زادت الحكومة رقابتها على النظام القضائي وتدخلاتها في إدارة العدالة، وتعرّضت المنظمات غير الحكومية للتهديد والترهيب على يد مؤيدي الحكومة. وفي كانون الأول/ديسمبر، أقرّت الهيئة التشريعية قوانين تقيّد حرية الوسائل الإعلامية، وحرية التعبير، وهي قوانين تجعل عملياً من انتقاد الحكومة جريمة. وقد عاقبت الحكومة الأميركية الحكومة الفنزويلية لأنها لم تفعل ما يكفي لمحاربة الاتجار بالبشر.
أضاف فيديل كاسترو سنة أخرى إلى سجلّه بصفته الدكتاتور الذي خدم أطول مدة في العالم. فالحكومة الكوبية لا تزال على موقفها الرافض لجميع العمليات الديمقراطية، وتواصل مُضايقاتها وترهيبها للنشطاء المدافعين عن الديمقراطية، وللمعارضين، والصحفيين، والمهنيين الآخرين، والعمال الساعين إلى القيام بنشاطات اقتصادية لا تسيطر عليها الحكومة. أكثرية المعارضين الخمسة والسبعين الذين صدرت بحقهم أحكام بالسجن لفترات طويلة سنة 2003 لا زالوا في السجن على الرغم من الاحتجاجات الدولية، كما أن السلطات أوقفت 22 ناشطاً إضافياً لحقوق الإنسان، وحكمت عليهم بسبب أعمال مثل "احتقار السلطة". أن مواجهة إساءة استخدام السلطة في كوبا تظل أولوية بالنسبة للولايات المتحدة بصفتها عضو في لجنة حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة.
خلال دورتها لسنة 2004، تبنت لجنة حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة قراراً ترعاه الولايات المتحدة حول كوبا، وكذلك قراراً حول تركمنستان، وكوريا الشمالية، وبيلاروس للسنة الثانية على التوالي، كما تمت الموافقة على قرار حول بورما بالإجماع. أما بالنسبة لبلدان مثل زيمبابوي، وكوبا، والسودان، والصين التي فشلت في حماية حقوق مواطنيها، فكانت لجنة حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة مُقصرّة من عدة وجوه، إذ فشلت في تبنّي قرارات حول وضع حقوق الإنسان في الصين، وزيمبابوي، والشيشان. وواصلت الولايات المتحدة التشديد على ضرورة تحسين طريقة عمل اللجنة، خاصة عن طريق ضمّ مزيد من البلدان الحائزة على سجلات إيجابية في حقوق الإنسان.
تعتقد الولايات المتحدة أن الحكومات المنتخبة ديمقراطياً تكون أكثر ميلاً إلى احترام حقوق مواطنيها. لهذا السبب، تعاونت الولايات المتحدة مع البلدان الأخرى المشاركة في "مجموعة الديمقراطيات"، وهي شبكة من البلدان الديمقراطية التي تعمل معاً لتشجيع وتثبيت وتقدّم الديمقراطية في أنحاء العالم. سنة 2004، انضمت الولايات المتحدة مع بلدان أخرى في مجموعة الدول الديمقراطية للمساعدة في إطلاق عملية تشكيل "لجنة تنظيمية"، للديمقراطية لتكون عبارة عن مجموعة من البلدان التي تتشارك التفكير نفسه والتي تنسق في ما بينها عن كثب لدى لجنة حقوق الإنسان والمؤسسات الأخرى التابعة للأمم المتحدة لأجل تقدم الأهداف التي تتماشى مع القيم الديمقراطية. ففي لجنة حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة، طلبت الولايات المتحدة، بمشاركة البيرو ورومانيا وتيمور الشرقية، اعتماد تبني قرار يعزز دور الأمم المتحدة في تشجيع الديمقراطية ونجحت في ذلك. من جملة توصيات القرار، دعوة لإقامة آلية، أي "نقطة تركيز"، ضمن مكتب المفوض السامي لحقوق الإنسان، تكون مُكرّسة لمساعدة الديمقراطيات الجديدة والناشئة في الحصول على موارد الأمم المتحدة المتوفرة من أجل دعم تلك الديمقراطيات.
علاوة على مساندتها في إنشاء "لجنة تنظيمية" للديمقراطية تابعة للأمم المتحدة، سعت مجموعة الدول الديمقراطية إلى دعم تطوير المؤسسات والقيم الديمقراطية عبر مشاريع تربط البلدان الديمقراطية ببعضها البعض. فقد أرسلت مجموعة الدول الديمقراطية وفداً متعدد القوميات إلى ممارسي الديمقراطية في تيمور الشرقية لمشاطرة أفضل الممارسات الديمقراطية مع الرسميين التيموريين. كذلك، سافر فريق من العراقيين، من الرسميين المنخرطين بتنظيم الانتخابات، من العراق إلى ليتوانيا لمراقبة العمليات الانتخابية هناك والتعلم منها. إن توحيد الأصوات الديمقراطية ضد انتهاكات حقوق الإنسان الأساسية، تلك الحقوق التي تم تنظيمها شرعياً في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان والتي أعيد تأكيدها في إعلان وارسو للمجتمع الديمقراطي وفي خطة عمل سيول، تُعتبر طريقة أساسية لمواصلة الضغط على الحكومات التي تنكر حقوق مواطنيها وتنتهكها.
التغيّرات المؤسساتية
في قطر استمرت عملية التغيير الدستورية وقد صادق الأمير على مسودّة دستور جديد وافق عليه الناخبون بأكثرية ساحقة سنة 2003. صحيح أن أسرة الأمير ستحتفظ بالحكم الوراثي إلا أن الدستور الجديد المتوقّع أن يدخل حيز التطبيق في حزيران/يونيو 2005، يحتوي على عدد من الأحكام المتعلقة بحقوق الإنسان.
في باكستان، استمر الرئيس مُشرّف في منصبه كقائد لهيئة أركان الجيش رغم وعده بأن يتخلى عنه في نهاية السنة. وفي أفريقيا، أقرت جمهورية أفريقيا الوسطى دستوراً جديداً واتخذت عدداً من الخطوات الأخرى لتعزيز الانتقال المُعلن إلى الديمقراطية تحت رئاسة الرئيس بوزيزى الذي استولى على الحكم إثر انقلاب في آذار/مارس 2003. في غينيا بيساو، وبعد انقلاب عسكري في أيلول/سبتمبر 2003، أقام العسكريون حكومة مدنية. وفي كلتا الحالتين، رافق استقرار الوضع الذي تلا الانقلابين تراجعاً في انتهاكات حقوق الإنسان.
في تركيا دفعت رغبة الحكومة في تلبية معايير الاتحاد الأوروبي، المعروفة بمعايير كوبنهاغن لأجل بدء عملية الانضمام إلى الاتحاد إلى تمرير سلّة هامة من الإصلاحات، بما فيها قانون جزائي جديد أكثر ليبرالية نسبياً، وعدداً من التعديلات الدستورية لمحاربة جرائم الشرف والتعذيب؛ ولتوسيع حرية الدين، والتعبير والتجمّع؛ ولخفض دور العسكريين في الحكومة. غير أن تطبيق هذه الإصلاحات تباطأ، واستمرت قوات الأمن في ارتكاب العديد من أعمال سوء المعاملة بما فيها التعذيب، والضرب، والتوقيف التعسفي، والاحتجاز، رغم أن المراقبين لاحظوا تراجعاً في مثل تلك الممارسات، كما ورد في تقرير للجنة الأوروبية لمنع التعذيب أن السلطات المحلية تبذل جهدها للتقيد بسياسة الحكومة المسماة "عدم التسامح المطلق" تجاه التعذيب. إلاّ أن جرائم الشرف استمرت. وألغت الحكومة بعض القيود على استخدام اللغة الكردية ولغات أخرى، لكن القيود على حرية التعبير والصحافة ظلت قائمة.
شهدت السنة الفائتة جهوداً متزايدة من جانب بعض الحكومات لمحاربة الفساد. كانت كوستا ريكا الدولة الأكثر طموحاً في التحقيق الفعلي مع الرسميين من الرتب الرفيعة، عندما أطلقت تحقيقات منفصلة تتعلق بسوء استخدام الأموال العامة، والرشاوى، والعقود غير القانونية تعود لثلاثة رؤساء جمهورية سابقين.
وفي أفريقيا، تركزت الحملات ضد الفساد على سوء تصرف الرسميين بالأموال العامة وكذلك بالنسبة لحقوق الإنسان. وتركزت حملة الرئيس الغامبي على كبح فساد الرسميين لاستعادة المصداقية الدولية، كما أن عمل لجنة التحقيق هناك أدى إلى استقالة عدد من كبار الرسميين وإلى بعض المحاكمات بسبب الجرائم الاقتصادية. أنشأت كينيا منصب مسؤول أول ضد الفساد وفتحت الحكومة عدداً من التحقيقات بشأن ادعاءات حول حوادث قتل دون محاكمة. وفي زامبيا، واصلت هيئة الشكاوى ضد رجال الشرطة، والتي تأسست سنة 2003 لمحاربة سوء تصرف رجال الشرطة، تحقيقاتها في الشكاوى.
الحقوق السياسية
من المؤسف أن تظل التطورات السياسية في أوراسيا، باستثناء جورجيا وأوكرانيا، مصدر قلق جدّياً. فمقياس التقدم لا زال يُقاس إلى حد كبير من خلال المجتمع المدني. أصبح هناك عدد متزايد من المنظمات غير الحكومية، والأحزاب المعارضة، والمواطنين على استعداد لتنظيم مبدأ محاسبة الحكومة والمطالبة به. ففي تركمنستان وأوزبكستان، لا يسمح لأحزاب المعارضة بان تتسجل. في نفس الوقت، تستقي الحكومات في المنطقة دروساً خاطئة من أوكرانيا وجيورجيا وتحاول خنق المجتمع المدني عن طريق مضايقة المنظمات الديمقراطية غير الحكومية من خلال العوائق البيروقراطية والوسائل القانونية المخادعة. في جورجيا، كان التقدم الذي لاحظه المراقبون الدوليون خلال الانتخابات الرئاسية في كانون الثاني/يناير 2004، أعد العدة اللازمة لإقامة "أكثر الانتخابات ديمقراطية في تاريخ جورجيا"، وذلك في الانتخابات النيابية التي جرت في آذار/مارس 2004. حققت حكومات أخرى في المنطقة بعض التقدم المحدود في تحسين العمليات الانتخابية عن طريق وضع قوانين انتخابية جديدة. فالقوانين الانتخابية الجديدة التي تم وضعها في كزاخستان وكرغيستان وطاجيكستان تمثل تحسناً في بعض الميادين، لكن تلك القوانين لا تزال في كل البلدان الثلاثة بعيدة عن المعايير الدولية. كذلك، شكلت انتخابات سنة 2004 في كزاخستان وكرغيستان تحسنات محدودة بالنسبة لسابقاتها غير أن المراقبين المحليين والدوليين أثاروا تساؤلات حول المخالفات، وسوء التصرف، ومضايقة مرشحي المعارضة، أو القيود الموضوعة أمام الوصول المتساوي إلى وسائل الإعلام.
في بيلاروس، تواصل الحكومة الإنكار على مواطنيها حق تغيير حكومتهم عبر عملية ديمقراطية سياسية. ففي استفتاء معيب للغاية جرى في 17 تشرين الأول/أكتوبر، تمّت إزالة الشروط الدستورية لتحديد الفترة الرئاسية. فقبل الاستفتاء والانتخابات البرلمانية المزورة التي جرت في نفس الوقت، أوقفت الحكومة الصحف المستقلة عن الصدور، وجرّدت العديد من المرشحين من أهليتهم للترشّح، واستخدمت الحكومة القوة بإفراط، وفي بعض الحالات، ضربت وأوقفت القادة السياسيين الذين احتجوا بطريقة سلمية على التزوير في الانتخابات، وعلى الصحفيين الذين يُغطّون الاحتجاجات. خلال السنة، أقفلت الحكومة عدداً من المنظمات غير الحكومية المسجلة التي ركزّت على الحقوق السياسية كما أن سلطات أمن الدولة ضايقت بصورة متزايدة المنظمات غير الحكومية المتبقّية.
في تشرين الأول/أكتوبر، أجرت البوسنه والهرسك أول انتخابات بلدية بإدارة ذاتية منذ التوقيع على اتفاقات السلام في دايتون. وتمّ اعتبار هذه الانتخابات على أنها تلبي المعايير الدولية.
جرت في إندونيسيا سلسلة من ثلاثة انتخابات بمشاركة نسبة عالية لافتة من الناخبين فمهّدت الطريق لانتقال السلطة السياسية هناك من الحكومة المهزومة إلى قائد المعارضة المُنتخب. وشكلت العملية أيضاً هزيمة لمرشحي القوات المسلحة والشرطة الذين سعوا للحصول على مقاعد في البرلمان.
في الانتخابات الملفتة للنظر في أفريقيا، أعيد انتخاب الأحزاب الحاكمة في غانا وموزمبيق في عمليات كانت بصورة عامة حرة ونزيهة. وأجرت سيراليون أولى انتخابات بلدية منذ 32 سنة، وإن تخللتها مخالفات في بعض المناطق. في بوروندي، تركزّت الهواجس على تأجيل الانتخابات والتقدّم في انتقال البلاد إلى الديمقراطية. فقد فشلت الحكومة الانتقالية في إجراء الانتخابات البلدية والنيابية التي نصّت عليها اتفاقية آروشا للسلام والمصالحة، وفي نهاية السنة، أدّت أيضاً إلى تأجيل الاستفتاء على مسودة الدستور إلى أجل غير مسمى. في نيبال أدى العصيان المسلح الشيوعي الماوي، وعدم حسم الخلافات بين الأحزاب السياسية النيبالية إلى الحيال أيضاً دون إجراء انتخابات هناك خلال السنة، وساهم في تعميق الأزمة السياسية في البلاد.
في رواندا، ازدادت القيود على الحقوق السياسية، والمحدودة كثيراً أصلاً، عندما عَمِدت الحكومة إلى إقفال منظمات حقوق الإنسان الكبرى أو إلى تفكيكها، وبُررت العملية كجزء من حملة ضد "الانقسامية"، حسب تقرير حكومي يتّهم مجموعات حقوق الإنسان والصحفيين والمعلمين والكنائس بتشجيع "أيديولوجيا الإبادة الجماعية."
تَواصل تراجع احترام الحكومة الإيرانية للحرية وللمشاركة السياسية لمواطنيها. ففي الانتخابات، والتي اعتُبرت بشكل واسع على أنها غير حرة وغير نزيهة، لاختيار 290 عضواً في المجلس (البرلمان) في شباط/فبراير، قام مجلس الوصاية المحافظ الذي يسيطر عليه رجال الدين، عملياً باستبعاد جميع المرشحين الإصلاحيين، بمن فيهم 85 عضواً سابقاً في البرلمان. وشملت الأسباب التي ذكرت لهذا الإجراء عدم إبداء هؤلاء "الطاعة الواضحة" لنظام الحكم الحالي. وكنتيجة للانتخابات المزوّرة، تحوّل الإصلاحيون إلى أقلية صغيرة في البرلمان. في هذه الأثناء، تواصلت حركة المحافظين المضادة للاتجاهات الإصلاحية وأحزابها.

تعليق