الوافدة :
قصص هادفة من واقع الحياة لمحمود درويش " باختصار ". حدثني من ليس عندي بمتهم : كثر القيل والقال عنها عندما نزلت بلدتنا واستنعمت مرقدها عندنا ، ونفقت بضاعتها بين ظهرانينا . فهي تداوي المرضى بالحجب والتمائم وتقارب بين القلوب النافرة بالقراءة والبخور ، وتسعى لجمع الحبيب بالحبيب بالعطور والنذور ، إنها امرأة من البادية في الثلاثينات من عمرها قصيرة القامة نحيفة الجسم سمراء اللون ، كالحة الوجه ، غائرة العينين ، تقرأ في وجهها أمارات الخبث ، ممزوجة بالمكر والدهاء ، لها تجربة في الحياة وخبرة في طبائع الناس . اتخذت من عقول الناس مزرعة ، ومن دينهم وسيلة ، ومن سذاجتهم سبباً للرزق ، ورغم كل ذلك فاسمها الشيخة ، لقد آمن الناس بكلامها إيمانهم بالقرآن ، وصدقوها تصديقهم للرسول r ، وتهيبوها كما تهيبون الله ، تقول فيصدقون ، وتأمر فيتبعون ، وتنهى فلا يعصون ...! . قابلت غباء الناس بفطنتها ، وجهلهم بخبرتها ، وبساطتهم بمكرها ، لقد أقبلت عليها النساء من جميع أطراف البلدة ، وكل واحدة ولها مطلب وعندها مشكلة ، هذه تخلف عنها حظها ، وتلك نبا بها زوجها ، وثالثة جفاها خطيبها وأخرى قاطعها حبيبها ، وتلك تشكو ضرتها أو تحسد جارتها ، وغيرها غار لبنها ، أو تشكو عدم الحمل ، أو تضيق بكثرة الولد ، ومنهن من تسأل عن ولدها المسافر ، أو تطلب لزوجها الرزق ، أو تستشفي لابنها المريض ، وبعضهن يقتبس البركات ويطمحن إلى أن يصبحن شيخات ، وأما اللواتي طالبات المال ، الطامعات في الثراء فما أكثرهن ، وقد علمن أن هذه الوافدة تحول المعادن إلى ذهب ، وتكشف الكنوز وتعلم ما في الخزائن … ومن عجيب الطباع أن هؤلاء النسوة يتطوعن لنشر شأن الوافدة دون مقابل أو تكليف ، فلا تلبث الواحدة منهن بعد أن تغادر مقر الوافدة حتى تتحول إلى داعية لها ، ساعية لتعريفها للنساء ، وما أكثر ما تتزيد النساء في الحديث ، وما أكثر ما يختلقن الأخبار ، فما أسرع ما انتشر خبر الوافدة في القرية وفي القرى المجاورة ، وما أشد ما ذاع صيتها ، وبعد صوتها في سائر الوادي … والناس أصناف في ذلك ويختلفون باختلاف الرغائب والحاجات ، فقد أقبل الناس ينشدون المحبة لديها ، وآخرون يبتغون الثروة ، وغيرهم ينشدون الغيبيات وقضاء الحاجات ، ولذلك راحت الوافدة تغالي بالقيمة وتضن بالمقابلة ، وتقبل بعض القضايا ، وترفض بعضها ، إما مغالاة بالثمن وتشويقاً لصاحب الحاجة ، وإما تعللاً بكثرة المشاغل … يالغباوة ابن آدم ، كيف يتعلق بالأوهام ويهيم وراء المستحيلات ويصدق ما لا يصدق ، ويتعلق بما ليس بكائن … * أراك يا " أبا كمال " مأخوذاً بهذه الوافدة حتى أنزلتها منك منزلة الأولياء ؟. * وما هو وجه الغرابة يا " أبا حسن " ؟؟. * وجه الغرابة أن تتمكن امرأة من العبث بعقول الرجال يا " أبا كمال ". * تسمي كراماتها عبثاً ؟ اتق الله يا " أبا حسين "… * إذن ما تسمي تصرفاتها وشعوذاتها يا " أبا كمال ". * وزعم أبو كمال أنه قدم للوافدة قطعاً من النحاس ، وأنها قرأت وعزمت ، وقدمت بين يديها فتحول النحاس الصدئ إلى ذهب خالص ، وشاعت رواية أبو كمال في القرية وانتقلت منها إلى القرى المجاورة ، فأقبل الناس أفراداً وأزواجاً كل يقدم للوافدة ما لديه من ثمين المعادن لتحويلها إلى ذهب ، وعندما رأت الوافدة الإقبال على هذا المطلب راحت تشترط على زبائنها وتقسو في الشروط … فهي لا تقبل من المعادن سوى الفضة لتحويلها إلى ذهب أو الذهب لتنميته وتكثيره . ولابد لصاحب الحاجة أن يقدم بين يديه ثلاثة ديوك سود كاملة السواد أو بيض كاملة البياض ، أو جدي أو خروف خاليين من
القرون ، لا أعرج بين العرج ولا أجزع ظاهر الجزع ، ليكون ذك قرباناً لله ، ووليمة إلى أخواتها من أبناء الملك الأحمر من ملوك الجان … وأن لا يتصرف خلال مدة لا تقل عن الشهر بما يؤذي الجان ، لأن ذلك يفسد العمل ، ويجعل الجان تثأر منه ومن أسرته وهذا الشرط الأخير كان صمام الأمان بالنسبة للوافدة ، وبه تتمكن من التنصل من تعهداتها كلما لزم الأمر ورغم هذه الشروط القاسية فقد ورد عليها من الذهب والفضة ما يغنيها مدى الحياة … وعندما انقضت المدة وحان الأجل المضروب أقبل الناس يتفقدون الذهب وما كان أشد خيبتهم عندما زمجرت الوافدة في وجوههم زاعمة أنهم خالفوا الأوامر ، وارتكبوا الإثم تجاه إخوتها من الجن ، وأنها بذلت من جهدها ومن جاهها حتى صرفت إخواتها عن معاقبتهم ، إذ كانوا عازمين على " لطشهم " والانتقام منهم ، وكان الناس ينصرفون وتكاد تنخلع قلوبهم فرقاً من الجان ومن " لطشها وبطشها " بعد أن يشكروا الوافدة لما أسدت إليهم من معروف ، ودفعت عنهم من " متلوف " ويتكرر المشهد ، ويتكرر الناس ساهين سادرين يرون العبرة في غيرهم ولا يعتبرون … ومكنت الوافدة لنفسها المقام ، ومكن الناس لها الإقامة وتفننت بشتى أساليب الشعوذة والخديعة ، وقد اتخذت لائحة أشبه بلائحة الأطباء على أبواب العيادات ، فجعلت سعر المحبة غير سعر الخطبة وسعر الزواج غير سعر الطلاق ، وللاتصال بالحلال سعر والاتصال بالحرام سعر … ولقد كانت للوافدة مشاريع كثيرة ذات أهداف متعددة منها : ابتزاز المال ، وتوطيد المكانة والمقام ، ومنها أمور فيها كثير من الإثم والفسوق وكثير من اللذة والمتعة ، وكانت تعلم أن هذا الأخير أصعب مراماً وأشق منالاً من السابقين ، إذ أنها ليست على جانب من الجمال ، وليست لها حظوة بين الشباب ، لذا فقد زعمت أن لها أختاً من الجان تسمى مليكة ، وهي على جانب من الجمال وأنها من الرهط المؤمن من الجن ، فهي بنت الملك البيض من ملوك الجان ، وما زالت تضفي عليها من الصفات الحسنة والخلق الكريم ، وما زالت تجري على يديها الكثير من الخدمات لطالبات تلك الخدمات ، وتعلن أنها تعطف على بنات الإنس ، وتحت مساعدتهن ، وقضاء حوائجهن دونما طلب منفعة وابتغاء غاية من غايات بنات الإنس ، حتى عرفت جميع النسوة خبر هذه الأخت ورحن يتحدثن عن أخلاقها الكريمة ، وخلالها الحسنة وأصبح ذكر هذه الأخت في كل بيت وعلى كل لسان ، وقد أحبها النساء فضلاً عن الرجال … وكان في بيت " أبو كمال " مضيف الوافدة شاب وسيم الطلعة حدث السن ، يتسم بالأناقة ويتصف بجودة الحديث ، اسمه " كمال " وكان بحكم وجوده الوافدة في بيت واحد ، لابد أن تتلاقى أنظارهما ولو لمامً ، أما كمال فربما ابتسم لها ابتسامة تطلف وأدب ومجاملة ، وأما الوافدة فربما كانت تتأمل ذلك الفتى من خصاص الباب ومن وراء الحجاب ، وربما أعجبها وربما وجدت فيه ضالتها ، وربما عمل عمله داخل قلبها دون علم منه أو دراية ، وسواء كان هذا أم ذاك ، وسواء صدق حدسنا أم لم يصدق فقد عزمت الوافدة أن تقوم بعمل حاسم للوصول إلى هذا الشاب ، وبدأت ترسم الخطة وتعمل على هذا المشروع لدفعه إلى حيز الوجود . لقد بدأت الوافدة رغبتها بتزويج أختها الجنية "مليكة " من هذا الشاب ، وأسرت بذلك لوالدته وأبيه وكانا مأخوذين في مقام الوافدة ، مسحورين في ولايتها ، فما لبثا أن رحبا بهذه الفكرة وباركا هذا المشروع وسارعا إلى ولهما " كمال " يزفان إليه رغبة الوافدة ويحملانه على الموافقة على هذا الزواج .. ودار بين كمال وأم كمال هذا الحديث : الوالدة : ما بالك يا ولدي لا تفكر بما يفكر به أترابك ، ولا تهتم بما يهتم به الشباب ؟؟. كمال : ماذا تريدين مني وأنا لا أزال في أول الشباب . الوالدة : إنني أرغب أن أراك زوجاً في حياتي يا كمال وأن أرى لك بيتاً وأولاداً مثل باقي الناس . كمال : وهل فكرت لي بعروس قبل هذا الحديث يا أماه ؟. الوالدة : نعم فكرت لك بالعروس ولا كل العرايس .. كمال : ومن هي بالله عليك يا أماه ؟؟. الوالدة : إنها أخت الوافدة إنها بنت الملك الأبيض ملك المؤمنين من الجان ، وقد أخبرتنا الوافدة أن أختها تحبك وأنك نزلت من نفسها منزلة مكينة ، ولذلك فإنها
ترغب الزواج منك . كمال : بنت ملك الجان ؟ وكيف لي بالوصول إليها ؟. الوالدة : أنت وافق ، والباقي علي وعلى الوافدة ، بارك الله فيها وقدس سرها ، وراح كمال يحلم بذلك الزواج ، وما سيكون من شأنه ، وقد سمع الكثير عن مليكة وما لها من الصفات الجميلة والأخلاق الحسنة النبيلة والأيادي البيضاء على أهل القرية . وافق كمال على هذا الزواج وطارت الوالدة تزف خبر الموافقة إلى " أبو كمال " ثم أسرعا لنقل الموافقة إلى الوافدة لتقوم هي عنهما بتتميم مراسم الخطبة وشؤون الزواج … وأعلن رسمياً وأمام جميع المريدات من نساء البلدة عن خطبة كمال إلى مليكة بنت ملك الجان أخت الوافدة ، ودعت الوافدة جميع مريداتها من نساء البلدة وأقامت خيمة من القماش الأبيض في فناء الدار ، ولما حضرن أخبرتهن الوافدة أنها عقدت عقد أختها مليكة على كمال ، وأنهن في هذه المناسبة سيقمن حضرة في هذه الليلة ، حيث يطلق البخور ، ويكثر الإنشاد ويطيب الذكر ، وكان اجتماع ولا كغيره من الاجتماعات ، فبدأت النسوة بقرع الدفوف ، والتهليل والتكبير ، وارتفعت الأصوات ، واشتد قرع الدفوف وخرجت النسوة عن الطور المألوف ، وصاحت الوافدة قدوس قدوس حضرت أختي ، حضرت أختي وغيرت صوتها وأخذت تتكلم بصوت عريض فهاجت النسوة وماجت واشتد الخشوع وجرت الدموع ، وكلهن يهدرون بصوت واحد : الله الله … وفي أثناء ذلك نادت الوافدة أم كمال فأقبلت هذه بابنها وأدخلته سرادق الوافدة فاستقبلته هذه وأخبرته أن أختها قد حلت بها وأنها ستكون الواسطة بينه وبينها ، لأن الجان لا يظهرون عي الإنس وأنها الآن ليست الوافدة وإنما هي مليكة بنت ملك الجان ، ودخل كمال على الوافدة والدفوف تعزف والنسوة تهتف واستقبلته الوافدة بالأحضان لتوصله إلى حضن أختها بنت ملك الجان وبنى كمال بزوجته الجنية ولكن عن طريق الوافدة وبواسطتها ، ومنذ تلك الليلة والأوراد تقام ، والحضرة تنعقد ، والأذكار تهدر في منزل " أبي كمال " إلى أن تحضر أخت الوافدة ، وتلتقي بزوجها كمال لقاء الزوج والزوجة ، والنسوة في أورادهن خارج الصيوان فإذا قضت الوافدة الجنية لبانتها ، وذاقت من كمال عسالته وذاق منها عسالتها أذنت للنسوة بالانصراف وبقيت مع كمال بقية ليلها … كثيرة هي الأمور التي يستطيع الإنسان أن يخفى آثارها ويطمس معالمها ويدفنها في ضميره إلى الأبد ، أما الزوج فإنه غالباً ما يعلن عن نفسه شاء الإنسان أم أبى ، فقد تظهر آثاره إن عاجلاً أم آجلاً … لقد شعرت الوافدة أن البذرة توضعت في أحشائها ، وتمكنت من رحمها ، وأنه لابد لآثار الزواج أن تظهر واضحة في تكور بطنها ، وفيما يعقب ذلك من أثقال الحمل ، وآلام الوضع وقدوم الجنين ، ولعلها رغبت في احتضان هذه البذرة وراحت تتعهدها أملاً باحتفاظها بزوجها ، وتوثيق الرابطة الزوجية بينهما … وقد أخذت العيون تتقحمها ، والظنون تحوم حولها ، والألسنة الحداد تتناولها وتنهش من لحمها ، كان أول من لحظ عليها هذا التغيير كمال وأمه وأبوه ، وقد ترددوا كثيراً قبل أن يستطلعوا أمرها ويكشفوا الغامض من سرها ، وعندما رأت هذه الأسرة أن الأعين راحت تتخطفها ، والألسن أخذت تتناولها دفعوا بولدهم كمال يستوضح أمره ويسألها عن حالها ويستفهم منها عن سبب ارتفاع بطنها . لم يكن كمال يتوقع ما ستفاجئه به هذه الماكرة عندما دار بينهما هذا الحوار : كمال : رأيت الناس يشيرون إليك بالأصابع ، فخفت أن تكوني تعرضت لسوء أو تعرض لك أحد بسوء فأحببت أن أطمئن عليك . الوافدة : أأنت الذي تسأل هذا السؤال ؟ ألست زوجي ؟؟. كمال : أنا زوجك ؟. الوافدة : نعم أنت زوجي ، وإلا فما الذي يأتي بك كل ليلة لسريري ..؟. كمال : عجيب أأكون زوجك وزوج أختك في آن واحد ؟؟. الوافدة : أختي ؟ ومن قال لك أن لي أختاً ؟؟. كمال : ألم تقولي لوالدتي ولجميع النساء اللواتي يفدن إلك أن لك أختاً من الجن هي مليكة بنت الملك الأبيض من ملوك الجان ؟. الوافدة : حقيقة أنك غبي ، كنت أظن أنك شريكي في اللعبة ، وأننا نسجنا خيوطها سوية ، وأحكمنا خطتها معاً وأننا لعبنا بعقول الآخرين فزعمنا أنك تزوجت أختي ، وفي
الحقيقة أنك تزوجتني أنا وحدي … كمال : أنا .. أنا .. أنا تزوجتك يا ماكرة ، يا قبيحة ، يا كرنيبة ، ومسك " بخوانيقها " فصاحت واستغاثت فهرع من في الدار ، وأقبل الجيران فرأوهما يتشاتمان : هو يقول لها يا خادعة يا ماكرة ، وهي تقول له : يا أهبل يا غبي ، هو يقول لها : أنا تزوجت أختك مليكة ، وهي تقول له بل تزوجتني أنا ، وأنا حامل منك … والناس يتكاثرون من حولهما والوالدان صامتان مبهوتان لا يدريان ماذا يجري ، والآخرون يتغامزون ويتهامسون ، ويناجي بعضهم بعضاً نجوى كلها إثم وتجريح وفضيحة . وبدأ الناس ينصرفون وهم يتلاومون بعضهم يزم شفته والآخر يهز برأسه مشيراً نحوهما الله أعلم .. ولا تزال الأيدي مشتبكة والألسن مسلولة والشتائم متبادلة بين كمال والوافدة . ولم يمض على ذلك يوم أو بعض يوم حتى وضعت السلطة يدها على هذا الوكر الأثيم ، واقتيد كمال والوافدة إلى السجن بتهمة الشعوذة ، وابتزاز المال وتعاطي الفاحشة في السر والعلن … ولا نزال إلى اليوم نسأل كمالاً عن تلك الفترة من تاريخ حياته فيتمعض قلبه ، ويكفهر وجهه ، وينعقد لسانه ولا ينبس عن تلك الفترة من زواجه الوافدة أو الجنية ببنت شفة … قلت لمحدثني لعلك تضع قصة وتدير الحديث على لسان أبطالها ـ فابتسم ابتسامة عريضة وقال : لا تذهب بعيداً في ظنك فإني أنا كمال …
قصص هادفة من واقع الحياة لمحمود درويش " باختصار ". حدثني من ليس عندي بمتهم : كثر القيل والقال عنها عندما نزلت بلدتنا واستنعمت مرقدها عندنا ، ونفقت بضاعتها بين ظهرانينا . فهي تداوي المرضى بالحجب والتمائم وتقارب بين القلوب النافرة بالقراءة والبخور ، وتسعى لجمع الحبيب بالحبيب بالعطور والنذور ، إنها امرأة من البادية في الثلاثينات من عمرها قصيرة القامة نحيفة الجسم سمراء اللون ، كالحة الوجه ، غائرة العينين ، تقرأ في وجهها أمارات الخبث ، ممزوجة بالمكر والدهاء ، لها تجربة في الحياة وخبرة في طبائع الناس . اتخذت من عقول الناس مزرعة ، ومن دينهم وسيلة ، ومن سذاجتهم سبباً للرزق ، ورغم كل ذلك فاسمها الشيخة ، لقد آمن الناس بكلامها إيمانهم بالقرآن ، وصدقوها تصديقهم للرسول r ، وتهيبوها كما تهيبون الله ، تقول فيصدقون ، وتأمر فيتبعون ، وتنهى فلا يعصون ...! . قابلت غباء الناس بفطنتها ، وجهلهم بخبرتها ، وبساطتهم بمكرها ، لقد أقبلت عليها النساء من جميع أطراف البلدة ، وكل واحدة ولها مطلب وعندها مشكلة ، هذه تخلف عنها حظها ، وتلك نبا بها زوجها ، وثالثة جفاها خطيبها وأخرى قاطعها حبيبها ، وتلك تشكو ضرتها أو تحسد جارتها ، وغيرها غار لبنها ، أو تشكو عدم الحمل ، أو تضيق بكثرة الولد ، ومنهن من تسأل عن ولدها المسافر ، أو تطلب لزوجها الرزق ، أو تستشفي لابنها المريض ، وبعضهن يقتبس البركات ويطمحن إلى أن يصبحن شيخات ، وأما اللواتي طالبات المال ، الطامعات في الثراء فما أكثرهن ، وقد علمن أن هذه الوافدة تحول المعادن إلى ذهب ، وتكشف الكنوز وتعلم ما في الخزائن … ومن عجيب الطباع أن هؤلاء النسوة يتطوعن لنشر شأن الوافدة دون مقابل أو تكليف ، فلا تلبث الواحدة منهن بعد أن تغادر مقر الوافدة حتى تتحول إلى داعية لها ، ساعية لتعريفها للنساء ، وما أكثر ما تتزيد النساء في الحديث ، وما أكثر ما يختلقن الأخبار ، فما أسرع ما انتشر خبر الوافدة في القرية وفي القرى المجاورة ، وما أشد ما ذاع صيتها ، وبعد صوتها في سائر الوادي … والناس أصناف في ذلك ويختلفون باختلاف الرغائب والحاجات ، فقد أقبل الناس ينشدون المحبة لديها ، وآخرون يبتغون الثروة ، وغيرهم ينشدون الغيبيات وقضاء الحاجات ، ولذلك راحت الوافدة تغالي بالقيمة وتضن بالمقابلة ، وتقبل بعض القضايا ، وترفض بعضها ، إما مغالاة بالثمن وتشويقاً لصاحب الحاجة ، وإما تعللاً بكثرة المشاغل … يالغباوة ابن آدم ، كيف يتعلق بالأوهام ويهيم وراء المستحيلات ويصدق ما لا يصدق ، ويتعلق بما ليس بكائن … * أراك يا " أبا كمال " مأخوذاً بهذه الوافدة حتى أنزلتها منك منزلة الأولياء ؟. * وما هو وجه الغرابة يا " أبا حسن " ؟؟. * وجه الغرابة أن تتمكن امرأة من العبث بعقول الرجال يا " أبا كمال ". * تسمي كراماتها عبثاً ؟ اتق الله يا " أبا حسين "… * إذن ما تسمي تصرفاتها وشعوذاتها يا " أبا كمال ". * وزعم أبو كمال أنه قدم للوافدة قطعاً من النحاس ، وأنها قرأت وعزمت ، وقدمت بين يديها فتحول النحاس الصدئ إلى ذهب خالص ، وشاعت رواية أبو كمال في القرية وانتقلت منها إلى القرى المجاورة ، فأقبل الناس أفراداً وأزواجاً كل يقدم للوافدة ما لديه من ثمين المعادن لتحويلها إلى ذهب ، وعندما رأت الوافدة الإقبال على هذا المطلب راحت تشترط على زبائنها وتقسو في الشروط … فهي لا تقبل من المعادن سوى الفضة لتحويلها إلى ذهب أو الذهب لتنميته وتكثيره . ولابد لصاحب الحاجة أن يقدم بين يديه ثلاثة ديوك سود كاملة السواد أو بيض كاملة البياض ، أو جدي أو خروف خاليين من
القرون ، لا أعرج بين العرج ولا أجزع ظاهر الجزع ، ليكون ذك قرباناً لله ، ووليمة إلى أخواتها من أبناء الملك الأحمر من ملوك الجان … وأن لا يتصرف خلال مدة لا تقل عن الشهر بما يؤذي الجان ، لأن ذلك يفسد العمل ، ويجعل الجان تثأر منه ومن أسرته وهذا الشرط الأخير كان صمام الأمان بالنسبة للوافدة ، وبه تتمكن من التنصل من تعهداتها كلما لزم الأمر ورغم هذه الشروط القاسية فقد ورد عليها من الذهب والفضة ما يغنيها مدى الحياة … وعندما انقضت المدة وحان الأجل المضروب أقبل الناس يتفقدون الذهب وما كان أشد خيبتهم عندما زمجرت الوافدة في وجوههم زاعمة أنهم خالفوا الأوامر ، وارتكبوا الإثم تجاه إخوتها من الجن ، وأنها بذلت من جهدها ومن جاهها حتى صرفت إخواتها عن معاقبتهم ، إذ كانوا عازمين على " لطشهم " والانتقام منهم ، وكان الناس ينصرفون وتكاد تنخلع قلوبهم فرقاً من الجان ومن " لطشها وبطشها " بعد أن يشكروا الوافدة لما أسدت إليهم من معروف ، ودفعت عنهم من " متلوف " ويتكرر المشهد ، ويتكرر الناس ساهين سادرين يرون العبرة في غيرهم ولا يعتبرون … ومكنت الوافدة لنفسها المقام ، ومكن الناس لها الإقامة وتفننت بشتى أساليب الشعوذة والخديعة ، وقد اتخذت لائحة أشبه بلائحة الأطباء على أبواب العيادات ، فجعلت سعر المحبة غير سعر الخطبة وسعر الزواج غير سعر الطلاق ، وللاتصال بالحلال سعر والاتصال بالحرام سعر … ولقد كانت للوافدة مشاريع كثيرة ذات أهداف متعددة منها : ابتزاز المال ، وتوطيد المكانة والمقام ، ومنها أمور فيها كثير من الإثم والفسوق وكثير من اللذة والمتعة ، وكانت تعلم أن هذا الأخير أصعب مراماً وأشق منالاً من السابقين ، إذ أنها ليست على جانب من الجمال ، وليست لها حظوة بين الشباب ، لذا فقد زعمت أن لها أختاً من الجان تسمى مليكة ، وهي على جانب من الجمال وأنها من الرهط المؤمن من الجن ، فهي بنت الملك البيض من ملوك الجان ، وما زالت تضفي عليها من الصفات الحسنة والخلق الكريم ، وما زالت تجري على يديها الكثير من الخدمات لطالبات تلك الخدمات ، وتعلن أنها تعطف على بنات الإنس ، وتحت مساعدتهن ، وقضاء حوائجهن دونما طلب منفعة وابتغاء غاية من غايات بنات الإنس ، حتى عرفت جميع النسوة خبر هذه الأخت ورحن يتحدثن عن أخلاقها الكريمة ، وخلالها الحسنة وأصبح ذكر هذه الأخت في كل بيت وعلى كل لسان ، وقد أحبها النساء فضلاً عن الرجال … وكان في بيت " أبو كمال " مضيف الوافدة شاب وسيم الطلعة حدث السن ، يتسم بالأناقة ويتصف بجودة الحديث ، اسمه " كمال " وكان بحكم وجوده الوافدة في بيت واحد ، لابد أن تتلاقى أنظارهما ولو لمامً ، أما كمال فربما ابتسم لها ابتسامة تطلف وأدب ومجاملة ، وأما الوافدة فربما كانت تتأمل ذلك الفتى من خصاص الباب ومن وراء الحجاب ، وربما أعجبها وربما وجدت فيه ضالتها ، وربما عمل عمله داخل قلبها دون علم منه أو دراية ، وسواء كان هذا أم ذاك ، وسواء صدق حدسنا أم لم يصدق فقد عزمت الوافدة أن تقوم بعمل حاسم للوصول إلى هذا الشاب ، وبدأت ترسم الخطة وتعمل على هذا المشروع لدفعه إلى حيز الوجود . لقد بدأت الوافدة رغبتها بتزويج أختها الجنية "مليكة " من هذا الشاب ، وأسرت بذلك لوالدته وأبيه وكانا مأخوذين في مقام الوافدة ، مسحورين في ولايتها ، فما لبثا أن رحبا بهذه الفكرة وباركا هذا المشروع وسارعا إلى ولهما " كمال " يزفان إليه رغبة الوافدة ويحملانه على الموافقة على هذا الزواج .. ودار بين كمال وأم كمال هذا الحديث : الوالدة : ما بالك يا ولدي لا تفكر بما يفكر به أترابك ، ولا تهتم بما يهتم به الشباب ؟؟. كمال : ماذا تريدين مني وأنا لا أزال في أول الشباب . الوالدة : إنني أرغب أن أراك زوجاً في حياتي يا كمال وأن أرى لك بيتاً وأولاداً مثل باقي الناس . كمال : وهل فكرت لي بعروس قبل هذا الحديث يا أماه ؟. الوالدة : نعم فكرت لك بالعروس ولا كل العرايس .. كمال : ومن هي بالله عليك يا أماه ؟؟. الوالدة : إنها أخت الوافدة إنها بنت الملك الأبيض ملك المؤمنين من الجان ، وقد أخبرتنا الوافدة أن أختها تحبك وأنك نزلت من نفسها منزلة مكينة ، ولذلك فإنها
ترغب الزواج منك . كمال : بنت ملك الجان ؟ وكيف لي بالوصول إليها ؟. الوالدة : أنت وافق ، والباقي علي وعلى الوافدة ، بارك الله فيها وقدس سرها ، وراح كمال يحلم بذلك الزواج ، وما سيكون من شأنه ، وقد سمع الكثير عن مليكة وما لها من الصفات الجميلة والأخلاق الحسنة النبيلة والأيادي البيضاء على أهل القرية . وافق كمال على هذا الزواج وطارت الوالدة تزف خبر الموافقة إلى " أبو كمال " ثم أسرعا لنقل الموافقة إلى الوافدة لتقوم هي عنهما بتتميم مراسم الخطبة وشؤون الزواج … وأعلن رسمياً وأمام جميع المريدات من نساء البلدة عن خطبة كمال إلى مليكة بنت ملك الجان أخت الوافدة ، ودعت الوافدة جميع مريداتها من نساء البلدة وأقامت خيمة من القماش الأبيض في فناء الدار ، ولما حضرن أخبرتهن الوافدة أنها عقدت عقد أختها مليكة على كمال ، وأنهن في هذه المناسبة سيقمن حضرة في هذه الليلة ، حيث يطلق البخور ، ويكثر الإنشاد ويطيب الذكر ، وكان اجتماع ولا كغيره من الاجتماعات ، فبدأت النسوة بقرع الدفوف ، والتهليل والتكبير ، وارتفعت الأصوات ، واشتد قرع الدفوف وخرجت النسوة عن الطور المألوف ، وصاحت الوافدة قدوس قدوس حضرت أختي ، حضرت أختي وغيرت صوتها وأخذت تتكلم بصوت عريض فهاجت النسوة وماجت واشتد الخشوع وجرت الدموع ، وكلهن يهدرون بصوت واحد : الله الله … وفي أثناء ذلك نادت الوافدة أم كمال فأقبلت هذه بابنها وأدخلته سرادق الوافدة فاستقبلته هذه وأخبرته أن أختها قد حلت بها وأنها ستكون الواسطة بينه وبينها ، لأن الجان لا يظهرون عي الإنس وأنها الآن ليست الوافدة وإنما هي مليكة بنت ملك الجان ، ودخل كمال على الوافدة والدفوف تعزف والنسوة تهتف واستقبلته الوافدة بالأحضان لتوصله إلى حضن أختها بنت ملك الجان وبنى كمال بزوجته الجنية ولكن عن طريق الوافدة وبواسطتها ، ومنذ تلك الليلة والأوراد تقام ، والحضرة تنعقد ، والأذكار تهدر في منزل " أبي كمال " إلى أن تحضر أخت الوافدة ، وتلتقي بزوجها كمال لقاء الزوج والزوجة ، والنسوة في أورادهن خارج الصيوان فإذا قضت الوافدة الجنية لبانتها ، وذاقت من كمال عسالته وذاق منها عسالتها أذنت للنسوة بالانصراف وبقيت مع كمال بقية ليلها … كثيرة هي الأمور التي يستطيع الإنسان أن يخفى آثارها ويطمس معالمها ويدفنها في ضميره إلى الأبد ، أما الزوج فإنه غالباً ما يعلن عن نفسه شاء الإنسان أم أبى ، فقد تظهر آثاره إن عاجلاً أم آجلاً … لقد شعرت الوافدة أن البذرة توضعت في أحشائها ، وتمكنت من رحمها ، وأنه لابد لآثار الزواج أن تظهر واضحة في تكور بطنها ، وفيما يعقب ذلك من أثقال الحمل ، وآلام الوضع وقدوم الجنين ، ولعلها رغبت في احتضان هذه البذرة وراحت تتعهدها أملاً باحتفاظها بزوجها ، وتوثيق الرابطة الزوجية بينهما … وقد أخذت العيون تتقحمها ، والظنون تحوم حولها ، والألسنة الحداد تتناولها وتنهش من لحمها ، كان أول من لحظ عليها هذا التغيير كمال وأمه وأبوه ، وقد ترددوا كثيراً قبل أن يستطلعوا أمرها ويكشفوا الغامض من سرها ، وعندما رأت هذه الأسرة أن الأعين راحت تتخطفها ، والألسن أخذت تتناولها دفعوا بولدهم كمال يستوضح أمره ويسألها عن حالها ويستفهم منها عن سبب ارتفاع بطنها . لم يكن كمال يتوقع ما ستفاجئه به هذه الماكرة عندما دار بينهما هذا الحوار : كمال : رأيت الناس يشيرون إليك بالأصابع ، فخفت أن تكوني تعرضت لسوء أو تعرض لك أحد بسوء فأحببت أن أطمئن عليك . الوافدة : أأنت الذي تسأل هذا السؤال ؟ ألست زوجي ؟؟. كمال : أنا زوجك ؟. الوافدة : نعم أنت زوجي ، وإلا فما الذي يأتي بك كل ليلة لسريري ..؟. كمال : عجيب أأكون زوجك وزوج أختك في آن واحد ؟؟. الوافدة : أختي ؟ ومن قال لك أن لي أختاً ؟؟. كمال : ألم تقولي لوالدتي ولجميع النساء اللواتي يفدن إلك أن لك أختاً من الجن هي مليكة بنت الملك الأبيض من ملوك الجان ؟. الوافدة : حقيقة أنك غبي ، كنت أظن أنك شريكي في اللعبة ، وأننا نسجنا خيوطها سوية ، وأحكمنا خطتها معاً وأننا لعبنا بعقول الآخرين فزعمنا أنك تزوجت أختي ، وفي
الحقيقة أنك تزوجتني أنا وحدي … كمال : أنا .. أنا .. أنا تزوجتك يا ماكرة ، يا قبيحة ، يا كرنيبة ، ومسك " بخوانيقها " فصاحت واستغاثت فهرع من في الدار ، وأقبل الجيران فرأوهما يتشاتمان : هو يقول لها يا خادعة يا ماكرة ، وهي تقول له : يا أهبل يا غبي ، هو يقول لها : أنا تزوجت أختك مليكة ، وهي تقول له بل تزوجتني أنا ، وأنا حامل منك … والناس يتكاثرون من حولهما والوالدان صامتان مبهوتان لا يدريان ماذا يجري ، والآخرون يتغامزون ويتهامسون ، ويناجي بعضهم بعضاً نجوى كلها إثم وتجريح وفضيحة . وبدأ الناس ينصرفون وهم يتلاومون بعضهم يزم شفته والآخر يهز برأسه مشيراً نحوهما الله أعلم .. ولا تزال الأيدي مشتبكة والألسن مسلولة والشتائم متبادلة بين كمال والوافدة . ولم يمض على ذلك يوم أو بعض يوم حتى وضعت السلطة يدها على هذا الوكر الأثيم ، واقتيد كمال والوافدة إلى السجن بتهمة الشعوذة ، وابتزاز المال وتعاطي الفاحشة في السر والعلن … ولا نزال إلى اليوم نسأل كمالاً عن تلك الفترة من تاريخ حياته فيتمعض قلبه ، ويكفهر وجهه ، وينعقد لسانه ولا ينبس عن تلك الفترة من زواجه الوافدة أو الجنية ببنت شفة … قلت لمحدثني لعلك تضع قصة وتدير الحديث على لسان أبطالها ـ فابتسم ابتسامة عريضة وقال : لا تذهب بعيداً في ظنك فإني أنا كمال …






تعليق