تعلم فن السرور
من أعظم النعم سرور القلب، واستقراره وهدوءه، فان في سروره؛ ثبات للذهن، وجودة الإنتاج، وابتهاج النفس، فمن عرف كيف يجلبه، ويحصل عليه ويحظى به، استفاد من مباهج الحياة ومسار العيش، والنعم التي بين يديه ومن خلفه...
والأصل الأصيل في طلب السرور: هو قوة الاحتمال، فلا يهتز من الزوابع، ولا يتحرك للحوادث، ولا ينزعج للتوافه... وبحسب قوة القلب وصفاته تشرق النفس..
إن خور الطبيعة وضعف المقاومة وجزع النفس، رواحل للهموم والغموم والأحزان، فمن عود نفسه التصبر والتجلد، هانت عليه المزعجات، وخفت عليه الأزمات !!!
إذا اعتاد الفتى خوض المنايا.......... فأقصر ما يمر به الوحول
ومن أعداء السرور: ضيق الأفق، وضحالة النظرة والاهتمام بالنفس فحسب، ونسيان العالم وما فيه، والله وصف أعداءه بأنهم ( أهمتهم أنفسهم )، فكأن هؤلاء القاصرين يرون الكون في داخلهم، فلا يفكرون في غيرهم، ولا يعيشون لسواهم، ولا يهتمون بالآخرين، إن علي وعليك أن نتشاغل عن أنفسنا أحيانا، ونبتعد عن ذواتنا أزمانا لننسى جراحنا وغمومنا وأحزاننا، فنكسب؛ سعادة أنفسنا وسعادة الآخرين !!
ومن الأصول في فن السرور: أن تلجم تفكيرك وتعصمه، فلا يتفلت ولا يهرب ولا يطيش، فانك إن تركت تفكيرك وشأنه جمح وطفح، وأعاد عليك ملف الأحزان، وقرأ عليك كتاب المآسي منذ ولدتك أمك، فان التفكير إذا شرد أعاد لك الماضي الجريح والمستقبل المخيف، فزلزل أركانك وهز كيانك وأحرق مشاعرك، فأخطمه بخطام التوجه الجاد المركز على العمل المثمر المفيد، ( وتوكل على الحيي الذي لا يموت )..
وأيضا من أصول فن السرور: أن تعطى الحياة قيمتها، وأن تنزلها منزلتها، فهي لهو، ولا تستحق منك إلا الإعراض والصدود لأنها أم الهجر، ومرضعة الفجائع، وجالبة الكوارث، فمن هذه صفتها كيف تهتم بها وتحزن على ما فات منها !!!! صفوها كدر، ومواعيدها سراب بقيعة، مولودها مفقود، وسيدها محسود، ومنعمها مهدد، وعاشقها مقتول بسيف غدرها !!!
ومن فن السرور:وإنما السرور باصطناعه، واجتلاب بسمته، واقتناص أسبابه، وتكلف بوادره، حتى يكون طبعا... وكما جاء الحديث الشريف:
(إنما العلم بالتعلم، والحلم بالتحلم)، فالحياة الدنيا لا تستحق منا العبوس والتذمر والتبرم !!
ليس الزمان وان حرصت مسالما.......... طبع الزمان عداوة الأحــرار
والحقيقة التي لا ريب فيها أنك لا تستطيع أن تنزع من حياتك كل أثار الحزن؛ لأن الحياة خلقت هكذا:
(لقد خلقنا الإنسان في كبد)
(إنا خلقنا الإنسان من نطفة أمشاج نبتليه)
(ليبلوكم أيكم أحسن عملا)
ولكن المقصود أن تخفف من حزنك وهمك وغمك، أما قطع الحزن بالكلية فهذا في جنات النعيم، لذلك يقول المنعمون في الجنة:
(الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن)،
وهذا دليل على أنه لم يذهب عنهم إلا هناك، كما أن كل الغل لا يذهب إلا في الجنة:
(ونزعنا ما في صدورهم من غل)،
فمن عرف حالة الدنيا وصفتها ، عذرها على صدودها وجفائها وغدرها ، وعلم أن هذا هو طبعها وخلقها ووصفها !!
حلفت لنا أن لا تخون عهودنا.......... فكأنها حلفت لنا أن لا تفي
فإذا كان الحال ما وصفنا، والأمر ما ذكرنا، فحري بالأريب النابه أن لا يعينها على نفسه، بالاستسلام للكدر والهم والحزن !!
(فما وهنوا لما أصابهم في سبيل الله وما ضعفوا وما استكانوا)






تعليق