متاعب مع الشدة (5 السكن مع الموتى)

Collapse
X
 
  • الوقت
  • عرض
Clear All
new posts
  • حكماوي
    عضو
    • Oct 2005
    • 42

    #1

    متاعب مع الشدة (5 السكن مع الموتى)

    حجرتان من الحجر والطين بنيت إحداهما في الأربعينيات تحت التهديد وسياط المخزن، لتكون مستودعا لتوزيع البون، قبل أن تتحول إلى قسم دراسي، والثانية بعد الاستقلال مباشرة، بأكتاف رجال الدوار. تم اقتطاع جزء من المقبرة ليكون سورا من الشمال والغرب. الأمطار والسيول جرفت الطين وتركت الأحجار متراصة فيما بينها. تكاد الشقوق لا تحجب شيئا، رغم عمليات الترميم اللاحقة. بقايا طاولات جلبت في بداية الخمسينيات على ظهور الجمال، وصنعت أخرى من خشب الغابة المجاورة، لم يبق منها إلا بعض الأخشاب المهترئة، لا تزال تئن تحت وطأة الأجساد. ألواح السقف تآكلت بفعل الصدأ وعوادي الأيام. بيضتها السلطات ذات انتخابات، وسطرت على الجدران بعض المربعات؛ مالبثت أن محتها السنون واحتكاك البهائم على الحائط لطرد الذباب والحشرات.
    الأولى نظفوها يوم الانتخابات الأخيرة، والثانية تركوها للغبار والتراب وروث البهائم الشاردة. مقعدان من المقاعد المتآكلة جمعوها بحبل وشيء من الأسلاك واستعملوها فراشا لغسل الموتى وآخران لحملهم، فأصبحت إحدى القاعتين مخصصة للانتظار، يستريح فيها الموتى قبل الدفن.
    وقف أمام القاعتين يختار أيهما تصلح للدرس وأيهما تصلح للمبيت. وضع الحقيبة في الظل. أطل برأسه، رائحة الغبار والعفونة والروث تملأ المكان، السقف يكاد يختفي خلف نسيج العناكب. سحليات تتنقل بين الشقوق، وروث البهائم يغطي الأرض. في الجانب الآخر من الساحة اصطفت القبور بشواهدها الحجرية دون أسماء ولا تواريخ. هنا يطبق قانون آخر من التحق بالحرف. تنهد قائلا:
    - تجاور الموتى يا منير ! ألم يجدوا إلا المقبرة مكانا لبناء المدرسة رغم شساعة الأرض؟
    لم ينتظر الجواب من أحد وشمر على ساعديه، ثم نزع القميص ونشره على أحد القبور القريبة، رفع السروال إلى ما فوق الركبة، وشرع في إخراج ركام الطاولات، ليجد مكانا يقضي فيه ليلته الأولى بين الأموات. فكر في قضاء الليل على المحمل رغم ضيقه فهو يفي بالغرض ، بدل النوم على الغبار، الأحياء أولى به من الأموات.
    ظهرت على الجدران صور لأجساد عارية تركز على الجزء السفلي، رسمت بالفحم والحجر وبقايا الأخشاب المحترقة؛ وكلمات عن الحب والجنس بخط تصعب قراءته. تطاير الغبار ولمعت ذراته مع أشعة الشمس المتسللة عبر الشقوق. بحث عن الماء يرش به الأرض المتربة للتخفيف من الغبار المتطاير؛ فلم يجد. أقرب دار للمقبرة تبعد بمئات الأمتار.
    اتجه صوب قبة الولي الذي شيدت حوله المقبرة، أعجبه المكان وإن كان يتوسط القبور، قرر أن يتخذه سكنا حتى يستريح وينظف الحجرة. الضريح أنقى من الحجرتين؛ وبه حصير متآكل يحيط قبر الولي.
    تمدد بجانب القبر الحجري ليستريح من طول الطريق وعناء المشي. تذكر كلمات المدير وهو يسلمه بعض الوتائق، منها لائحة التلاميذ المسجلين بفرعية العزيب.
    - ستقطع هذين الجبلين الذين أمامك وتجدها قرب الثالث، كما شرح لي المقدم والمرشح، ويمكنك الاعتماد عليهما في جميع الأمور.
    تساءل في نفسه: كيف لهؤلاء الناس أن يقيسوا المسافات بالجبال؟ وحدة قياس جديدة لم يسمعها من قبل.
    - هل سبق لك أن زرتها يا أستاذ؟
    - لا، لم أزرها بعد، فقد كانت مغلقة لسنوات بسبب عدم التسجيلات، وأنا لم أتسلم الإدارة إلا في السنة الماضية، وأعدك أني سأزورك قريبا إن شاء الله.
    - وكيف أصل إلى هناك؟
    - ستبيت عند زملائك بالمركزية هذه الليلة، وفي الصباح تنتظر إن مر من هنا بعض الناس المتوجهين إلى الدواوير القريبة منها ليأخذوك معهم؛ وإلا ستضطر لقطع المسافة سيرا على الأقدام، لا بد من التضحية. نطق الجملة الأخيرة وهو يداري ابتسامة غامضة.
    أيقظه من تفكيره وقع حوافر إحدى الدواب . أطل من باب القبة، يستطلع الأمر؛ فلم يأمن المكان بعد.
    - هل أنت المعلم الجديد الذي جابوه لينا؟
    - نعم؛ ولكن جئت وحدي ولم يأت بي أحد إلى هنا.
    - مرحبا بك معنا، سنجعلك فوق رؤوسنا، أنا الذي شكوت إلى المندوبية حتى فتحوا المدرسة من جديد، وإن لم يكن لدي أولاد يدرسون، فأنا مرشحهم.( ونطق كلمة مرشح بنوع من الاعتزاز).
    وأجاب بصوت حاول أن لا يصل إلى محاوره:
    - أنت فتحت المدرسة وجنيت علي لأقطع كل هذه المسافة.
    - لا تهتم بنظافة القسم سآتي بعمال ينظفونه وسأؤدي أجرتهم من جيبي وإن لم يكن لدي أولاد يدرسون؛ وسأخبر المقدم ليطلب من السكان ليأتوا بأولادهم ليتعلموا، أما نحن فقد فات وقتنا.
    - منذ متى أغلقت المدرسة؟
    - منذ عشر سنوات تقريبا. كان الأولاد يصلون إلى البيت الثاني وينقطعون، ليعاودوا التسجيل من جديد، وفي الأخير يودعون المدرسة نهائيا، ولد واحد استطاع أن يتجاوز البيت الثاني لما أخذه خاله إلى المدينة، إنه الآن كاتب في الجماعة.
    ودعه ممثل السكان ليستريح؛ واستغرق في نوم عميق لم يقطعه عليه سوى دقات على باب القبة، ليجد شخصا يحمل سلة بها براد شاي وخبزة شعير ساخنة وشيء من الزيت.
    - مرحبا في دوارنا، سنعتني بك إن شاء الله.
    - الله يخلف لكم، أريد ماء، ألا يوجد حبل ودلو في هذه البئر؟
    - إننا لا نشرب منها، نأخذ منها الماء أثناء الدفن. وإذا أردت الماء عليك بالذهاب هناك عند الخروبة، حيث العين التي يسقي منها العزيب، ويجب أن تذهب أثناء خلوها من النساء، الاحترام واجب.
    مر يومان ولم يظهر أثر لممثل السكان. وظلت المقاعد خارج الحجرة المتربة. يبيت في قبة الولي؛ وفي الصباح ينزل إلى العين؛ يغسل وجهه، يملأ قنينة للشرب قبل مجيء النساء، ثم يتوجه صوب الحجرتين ينتظر التلاميذ الذين لا يأتون أبدا.
    صنع مكنسة من أغصان الأشجار، وطلب رفشا، وشرع في إزالة أكوام التراب والروث من الحجرة وهو يقول: " كل الممثلين يتشابهون ، يطلقون الوعود ولا يفون بها أينما وجدوا لا فرق بين المدينة والدوار". حتى المقدم لم يره منذ وصوله رغم علمه بمجيئه.
    هاهي الحجرة نظفت والمقاعد أعيد ترتيبها، والجدران مسحت من صور الأجساد العارية، والكلمات ذات الخط الرديء. جمع ما بقي من ألواح السبورة المناثرة. ترك المحمل وخشبة الغسل في الحجرة الأخرى. حاول أن يعلق بعض الوثائق، كما تعلم في مركز التكوين، أرجأ الأمر حتى يحضر التلاميذ ، تساءل : ما الفائدة من هذا في غياب التلاميذ؟
    أخرج لائحة التلاميذ يتفحصها: أربعة عشر تلميذا منهم ثلاث إناث، أكبرهم في الثالث عشرة من عمره وأصغرهم في الخامسة. خليط من الأعمار وإن كانوا لم يلتحق منهم أحد بعد.
    مضى شتنبر ولم يحضر التلاميذ، يمرون عليه متوجهين إلى العابة للرعي أو جلب حطب الشتاء. يعيش مع الأموات في غياب الأحياء، الأكل مضمون ؛ الشاي والخبز والزيت، واللحم يوم السوق. والمبيت عند الولي ، الحي يجاور الميت..................

    يتبع .......
  • عصام زايد
    مستشار ساندروز
    • Jul 2004
    • 10571

    #2
    الرد: متاعب مع الشدة (5 السكن مع الموتى)

    تحياتي اخي حكماوي
    مشاركة جميلة
    ننتظر تكملتها
    لك تحياتي
    مع تحياتي

    عصام زايد

    ( ثلاثة هي فرحة الدنيا وبهجتها )

    ( شمس الضحى وشيماء والقمر )

    للاطلاع على كل ما هو جديد
    زوروا مكتبة ساندروز الثقافية

    تعليق

    مواضيع مرتبطة

    Collapse

    جاري العمل...