لفظه الموقف ذليلا، يجر خيبته مع بقايا دراجة لم تسلم من لعنة الزمن، وهو الذي ظل يعرض عضلاته على من يستأجرها ليوم أو بعض يوم، مقابل دريهمات معدودة، يلتهمها بقال الحي مقابل سكر وزيت وطحين.
يحمل رفشه على الكتف اليمنى ويسوق باليسرى دراجته، وقد حملها أسلاكا وخيوطا وأنابيب وبعض الزليجات. يصلح لأي عمل من تسريح أنابيب الواد الحار المختنقة إلى تثبيت الزليج مرورا بتيليط الجدران، وتشذيب الحدائق، وإفراغ الرمل من الشاحنات.
دفع باب البراكة بيد محتشمة كأنه يواري سوأته، رأته زوجه وهويميل الدراجة على جدار البراكة، ويضع الرفش، ضربت كفيها على خذيها، وصدرت عنها تنهيدة مبحوحة، ثم صاحت دون أن توجه له الكلام:
- << هذا الميمون لم يستيقظ بعد، والتابعة مازالت تلازمنا رغم تغيير العتبة، الصحة موجودة والعكس كاين>>.
وحملت بوديزاتها إلى السقاية وهي تغمغم بكلام غير مفهوم؛ وجذبت باب البراكة خلفها حتى كاد ينخلع.
اتجه إلى قعر البراكة وتمدد على ظهره على الحصير الذي لم تجمعه زوجه بعد، حتى تملأ الخابية قبل الزحام على السقاية. وضع يديه خلف رأسه، ينظر إلى السقف القصديري الذي بدا كأنه يكاد يطبق عليه، يطقطق من نقر العصافير. يسمع صوت الماء ينساب من البوديزة في الخابية.
قرفصت بجانب الحصير، دون أن تصل عجيزتها إلى الأرض، تكلمه بنوع من الاستعطاف عن الولي الذي يزيل التابعة ويعين مكان الميمون الراقد ويوقظه. لم يعر الأمر اهتمامه في البداية، لكن إلحاح زوجه وخيبته يتمسك بخيط من الأمل كما يتشبث الغريق بالقشة. ينتعل حذاءه، يزيل الأسلاك والخيوط والأخشاب من على الدراجة، ويتوجه إلى ظاهر المدينة، حيث قبة الولي مزيل التابعة.
وضع الدراجة على جدع سدرة غطتها الأحجبة وبقايا أمشاط وشعر. نفذ ما قال له القيم على المقام. طاف بالضريح سبعة أشواط، قبل الزواياالأربعة. جلس قبالة القبر. أكوام من الأثواب البيضاء والخضراء صفت على الصندوق الخشبي الذي يغطي القبر في خوارزمية بديعة لا يعلم قانونها إلا القيمون على الضريح، ثوب أبيض فوقه آخر أخضر فوقه أبيضان فوقهما أثواب خضر، توالت الخوارزمية من عقود، حتى تحللت الأثواب السفلى بفعل عوادي الزمن؛ الرطوبة والأرضة والتونية. رائحة العفونة والرطوبة تملأ المكان، حصير تآكلت جوانبه يحيط بالصندوق الخشبي.
تمدد بجانب القبر، نام أو تظاهر بالنوم لعل الولي يقف عليه ليخبره أين يرقد ميمونه، كما أمره القيم. رأسه على الخشب، قطع الثوب العفن المتآكل تنزل على الجبهة.
وبينما هو بين اليقظة والمنام، أحس بيد بضة دافئة تخرج من تحت الأثواب تربت على رأسه ووجهه، وصوت هامس قادم من بعيد يقول:
- << أنت مرضي ستنزل عليك بركاتي، وستحس بالراحة>>.
وتسللت اليد من الوجه إلى الصدر تتحسسه من اليمين إلى اليسار بين القميص والمعطف. وجاء الصوت الدافىء الهامس القادم من أعماق الصندوق الخشبي المغطى بقناطر مقنطرة من الأثواب يهمس له:
- << بفضل بركاتي، سيزول من قلبك الوسخ، وسيبقى الحب، حب زوجتك التي تغار منها الجارات على هذه العضلات>>.
تذكر غمزات الجارات وهن يرين زوجته مغتسلة كل صباح حتى في الأيام البارد والمطيرة، يقارن بينه وبين أزواجهن الذين تورمت مؤخراتهم من كثرة الجلوس حول مربعات الضامة، أو الكارطة، سعالهم الليلي يتجاوز البراريك.
عاد الصوت يأمره بالقيام والتوجه إلى المنزل وسيعرف أين يرقد ميمونه، وتزول التابعة. قام وفرك عينيه من غبش الظلمة، وأزال الغبار الذي علق بملابسه، اتجه صوب الدراجة المربوطة حول السدرة، والصوت الهامس مازال يدغدغ مسمعه، تحسس قلبه ليلمس أثر اليد المباركة على صدره، توقفت يده فجأة، وأحس كأن صفعة قوية نزلت على خده، وبدأت التساؤلات:
- << أيكون الولي هو الذي فعلها؟ ومن يصدقني؟>>.
ركب دراجته ومئات الأسئلة تتناسل في ذهنه، يعيد الأقوال القادمة من قلب الصندوق الخشبي. سيزول من قلبك الوسخ، هل يقصد وسخ الدنيا كما يقال؟ حافظة النقود كانت في الجيب الداخلي للمعطف.
دفع البراكة بعنف أفزع زوجه، التي سألته:
- << هل قال لك الولي أين يرقد ميمونك؟>>.
توجه إلى المطبخ، أخرج مدية طويلة وغادر البراكة مسرعا وهو يجيبها:
- << نعم، لقد عرفت أين يرقد الميمون، هناك في الضريح>>.
* الميمون: الحظ أو السعد
* الموقف: مكان وقوف العمال المياومين، والأجراء
صيف 2002
يحمل رفشه على الكتف اليمنى ويسوق باليسرى دراجته، وقد حملها أسلاكا وخيوطا وأنابيب وبعض الزليجات. يصلح لأي عمل من تسريح أنابيب الواد الحار المختنقة إلى تثبيت الزليج مرورا بتيليط الجدران، وتشذيب الحدائق، وإفراغ الرمل من الشاحنات.
دفع باب البراكة بيد محتشمة كأنه يواري سوأته، رأته زوجه وهويميل الدراجة على جدار البراكة، ويضع الرفش، ضربت كفيها على خذيها، وصدرت عنها تنهيدة مبحوحة، ثم صاحت دون أن توجه له الكلام:
- << هذا الميمون لم يستيقظ بعد، والتابعة مازالت تلازمنا رغم تغيير العتبة، الصحة موجودة والعكس كاين>>.
وحملت بوديزاتها إلى السقاية وهي تغمغم بكلام غير مفهوم؛ وجذبت باب البراكة خلفها حتى كاد ينخلع.
اتجه إلى قعر البراكة وتمدد على ظهره على الحصير الذي لم تجمعه زوجه بعد، حتى تملأ الخابية قبل الزحام على السقاية. وضع يديه خلف رأسه، ينظر إلى السقف القصديري الذي بدا كأنه يكاد يطبق عليه، يطقطق من نقر العصافير. يسمع صوت الماء ينساب من البوديزة في الخابية.
قرفصت بجانب الحصير، دون أن تصل عجيزتها إلى الأرض، تكلمه بنوع من الاستعطاف عن الولي الذي يزيل التابعة ويعين مكان الميمون الراقد ويوقظه. لم يعر الأمر اهتمامه في البداية، لكن إلحاح زوجه وخيبته يتمسك بخيط من الأمل كما يتشبث الغريق بالقشة. ينتعل حذاءه، يزيل الأسلاك والخيوط والأخشاب من على الدراجة، ويتوجه إلى ظاهر المدينة، حيث قبة الولي مزيل التابعة.
وضع الدراجة على جدع سدرة غطتها الأحجبة وبقايا أمشاط وشعر. نفذ ما قال له القيم على المقام. طاف بالضريح سبعة أشواط، قبل الزواياالأربعة. جلس قبالة القبر. أكوام من الأثواب البيضاء والخضراء صفت على الصندوق الخشبي الذي يغطي القبر في خوارزمية بديعة لا يعلم قانونها إلا القيمون على الضريح، ثوب أبيض فوقه آخر أخضر فوقه أبيضان فوقهما أثواب خضر، توالت الخوارزمية من عقود، حتى تحللت الأثواب السفلى بفعل عوادي الزمن؛ الرطوبة والأرضة والتونية. رائحة العفونة والرطوبة تملأ المكان، حصير تآكلت جوانبه يحيط بالصندوق الخشبي.
تمدد بجانب القبر، نام أو تظاهر بالنوم لعل الولي يقف عليه ليخبره أين يرقد ميمونه، كما أمره القيم. رأسه على الخشب، قطع الثوب العفن المتآكل تنزل على الجبهة.
وبينما هو بين اليقظة والمنام، أحس بيد بضة دافئة تخرج من تحت الأثواب تربت على رأسه ووجهه، وصوت هامس قادم من بعيد يقول:
- << أنت مرضي ستنزل عليك بركاتي، وستحس بالراحة>>.
وتسللت اليد من الوجه إلى الصدر تتحسسه من اليمين إلى اليسار بين القميص والمعطف. وجاء الصوت الدافىء الهامس القادم من أعماق الصندوق الخشبي المغطى بقناطر مقنطرة من الأثواب يهمس له:
- << بفضل بركاتي، سيزول من قلبك الوسخ، وسيبقى الحب، حب زوجتك التي تغار منها الجارات على هذه العضلات>>.
تذكر غمزات الجارات وهن يرين زوجته مغتسلة كل صباح حتى في الأيام البارد والمطيرة، يقارن بينه وبين أزواجهن الذين تورمت مؤخراتهم من كثرة الجلوس حول مربعات الضامة، أو الكارطة، سعالهم الليلي يتجاوز البراريك.
عاد الصوت يأمره بالقيام والتوجه إلى المنزل وسيعرف أين يرقد ميمونه، وتزول التابعة. قام وفرك عينيه من غبش الظلمة، وأزال الغبار الذي علق بملابسه، اتجه صوب الدراجة المربوطة حول السدرة، والصوت الهامس مازال يدغدغ مسمعه، تحسس قلبه ليلمس أثر اليد المباركة على صدره، توقفت يده فجأة، وأحس كأن صفعة قوية نزلت على خده، وبدأت التساؤلات:
- << أيكون الولي هو الذي فعلها؟ ومن يصدقني؟>>.
ركب دراجته ومئات الأسئلة تتناسل في ذهنه، يعيد الأقوال القادمة من قلب الصندوق الخشبي. سيزول من قلبك الوسخ، هل يقصد وسخ الدنيا كما يقال؟ حافظة النقود كانت في الجيب الداخلي للمعطف.
دفع البراكة بعنف أفزع زوجه، التي سألته:
- << هل قال لك الولي أين يرقد ميمونك؟>>.
توجه إلى المطبخ، أخرج مدية طويلة وغادر البراكة مسرعا وهو يجيبها:
- << نعم، لقد عرفت أين يرقد الميمون، هناك في الضريح>>.
* الميمون: الحظ أو السعد
* الموقف: مكان وقوف العمال المياومين، والأجراء
صيف 2002





تعليق