<FONT face="Arabic Transparent" size=4>دائما كان يرفض أن يلعب دور الضحية، ولم يضبطه أحد متلبسا وهو يتحدث عن حياته طريدا ومطاردا، بل كان على العكس يقول: "أنا لم أعان قط نفس مصير أي لاجئ تعيس"، والجملة ننقلها بنصها من كتابه "خارج المكان" الذي تحدث فيه إدوارد سعيد عن قاتله، عن سرطان الدم أو اللوكيميا، ووصف كيف كان اكتشاف إصابته باللوكيميا عام 1991 وخضوعه للعلاج منها هي دافعه الأساسي لمحاولة اكتشاف ذاته، ولحرصه على أن يترك سيرة ذاتية عن حياته في العالم العربي؛ حيث ولد وأمضى سنوات تكوينه في الولايات المتحدة حيث مدرسته وجامعته أو جامعاته التي درس بها وقام بالتدريس فيها.
إدوارد سعيد.. الغائب عن مكانه حيا وميتا
Collapse
X
-
الرد: إدوارد سعيد.. الغائب عن مكانه حيا وميتا
هدا الرجل مات عاش وهو عاشق لبلده ومؤمنا بحقوقه وحقوق كل فلسطيني
وكان دائما يحلم بلقاء الوطن وحضن والوطن
كما يحلم جميع الفلسطنين المغتربين
.شكراا أختي الغاليه علي الطرح الجميل
دمتِ بخير يافراشة المنتدى
تحيه عطره
-
الرد: إدوارد سعيد.. الغائب عن مكانه حيا وميتا
إنها حياة طويلة أنهاها سرطان الدم يوم الخميس 25 سبتمبر 2003، قضاها إدوارد سعيد وهو يشعر أنه مختلف عمن حوله، يعتقد دائما أنه غير الآخرين وليس بالضرورة أفضلهم.حياة الشتات منذ الطفولةكانت حياة غير مستقرة، عاشها طفلا ومراهقا وشابا، حياة قلقة في علاقتها بالمكان: السفر دائما، الانتقال من مكان إلى آخر، وذلك الرحيل القسري بعيدا عن مسقط الرأس، بعيدا عن الجذر، في كل مرة أصدقاء جدد، وجيران جدد، وبالتالي قيم جديدة، ومناخات اجتماعية وثقافية مغايرة.
إنها حياة تشبه قطع الموزاييك، لا بد من ترتيبها بدقة لتبدو مفهومة، ومن هنا كان بحثه الدائم عن المجهول هو محور حياته، والثابت الوحيد فيها، وتلك قصة الرجل الذي قضى عمره في غير مكانه، في غير محله، أو بتعبيره هو خارج المكان!
عاش طفولته في فلسطين، وخرج منها مطرودا مع أسرته إلى بيروت؛ حيث الاضطرابات الدائمة، ثم إلى مصر مع إرهاصات ثورة يوليو.
طفولته في فلسطين، كانت سلسلة من المآسي بدأت حينما وجد أسرته وعمره 12 عاما تترك منزلها هربا من المذابح، وبعد 40 عاما وفي عام 1998 قرر بعد تردد أن يزور منزله في شرق القدس، وكانت الصدمة حين وجد مكانه مستوطنة يسكنها صهاينة، استقبلوه بالمدافع، ورفضوا حتى أن يلقي ولو نظرة واحدة على المنزل من الداخل، فرجع وهو يبكي بشدة وفي ذهنه حلم واحد: حلم العودة.
تغير المنزل، وتغير ساكنوه، لكن شيئا أهم من ذلك لم يتغير، هو الأرض التي لا تزال إلى الآن تنادي أصحابها وتعرفهم.من فلسطين خرج ولم يعدفعندما وجد أبوه وديع إبراهيم رجل الأعمال العصامي بلدته "القدس" أصغر من طموحاته انتقل بشركته المتخصصة في أدوات الكتابة إلى القاهرة عام 1929؛ حيث حقق نجاحا ملحوظا، وهو الرجل الذي قضى فترة من حياته في الولايات المتحدة، والتحق بجيشها، وخاض معه الحرب العالمية الأولى، وورث عنه إدوارد وإخوته الجنسية الأمريكية.
وفي عام 1932 عاد إلى الناصرة ليتزوج "هيلدا موسى" ابنة وكيل المعمودية التي ظلت تحتفظ بجواز سفرها الفلسطيني، ولم تحصل على الجنسية الأمريكية، وأصرت على البقاء في مصر، ثم حصلت على الجنسية اللبنانية بعد ذلك.
ثلاث سنوات مرت على زواج هيلدا بوديع، بعدها ولد إدوارد في القدس التي عاشت فيها الأسرة حتى أوشك عام 1947 على الانتهاء؛ ليغادرها الطفل إدوارد ابن الثانية عشرة في ديسمبر، مع أبيه وأمه وأخواته، ولم يعد بعدها.
فى القاهرة من موقع ثراء، وحماية ظاهرية، كان الطفل إدوارد واعيا بالكاد، ببداية الشتات الفلسطيني، ومن خلال عمته "نبيهة" التي عاش في منزلها تعرّف لأول مرة على التجربة الفلسطينية بوصفها تاريخا وسببا للغضب والرعب الذي شعر به في معاناة اللاجئين.
كان فلسطينيا مسيحيا في مجتمع عربي مسلم في مصر، وطفلا عربيا في مدرسة *******ية بريطانية في القاهرة، وبعد ذلك كان طفلا أمريكيا -كما يفترض- باسم عربي واضح، وملابس مدرسة بريطانية في مدرسة أمريكية، وكذلك في القاهرة كان "أنجلوفوني" في مجتمع "فرانكوفوني" والقائمة طويلة وممتدة.التمرد على الذاتالتمرد كان دائما النقطة الفاصلة في حياته؛ فبعد أن أرسله والده إلى مصر للتعليم والتحق بالمدرسة كان متمردا على الأحوال السائدة آنذاك، لم تعجبه رغم صغر سنه الهوة بين عالم الباشوات والمصريين العاديين في الأربعينيات، وفي كلية فيكتوريا بالقاهرة ضبطوه وهو يلقي الأحجار خلال فترة الراحة لتناول وجبة الغداء، وأدى ذلك إلى ضرب مبرح بالعصا، وفقا لما أمر به الناظر ونفذه "بكفاءة محايدة" الأستاذ لاجنادو اليهودي الشرقي الأوروبي الذي سبق أن سمعه "سعيد" ينصح ولدا أرمينيا كان يغمس خبزه في مرق اللحم بألا يأكل مثل العرب.
وتحت تأثير آلام التعدي والإصابة أقسم إدوارد سعيد وهو في الرابعة عشرة أن يجعل حياتهم سوداء، دون أن يمسكوا به، ودون أن يترك نفسه تقترب من أي منهم، وأن يأخذ منهم ما يجب أن يقدموه له كاملا وبطريقته الخاصة.
حاول أبوه وأمه ومدرسوه وأشخاص كثيرون غيرهم أن يوجدوه، ولذلك لم يتواءم أبدا؛ فكان محبطا ودائما يعاني من المشاكل، ودفعه ذلك إلى القول بأنه كان شخصا آخر، شخصا مختلفا ومتميزا، وفي بعض الأوقات بدت أمه كما لو كانت تعلم هذا أيضا، وبدت هي أكثر من أي شخص آخر، قادرة على منحه حرية الاقتراب من ذاته السرية، ولكنه لم يستطع أن يعتمد عليها اعتمادا تاما؛ ليكتشف ذاته المختفية، وكانت أمه بتدليلها له وبحثها داخله هي المؤسس لحبه لأهم شيئين في حياته: اللغة والموسيقى.
لكن أباه كان يحارب لكي يشكله، لكي يخلق "إدوارد" الذي تخيله، لكنه بإجباره على الرحيل إلى "مونت هرمون" وهو في الخامسة عشرة، والتخطيط لهجرته من القاهرة، ومساعدته ماليا خلال سنوات دراسته.. جعل من الممكن بالنسبة له أن يتحرر من هذا القالب. هذه الملابسات لخصها إدوارد سعيد في كتابه "خارج المكان" بقوله: "وقع خطأ في الطريقة التي تم بها اختراعي وتركيبي في عالم والدي وشقيقاتي الأربع. فخلال القسط الأوفر من حياتي المبكرة لم أستطع أن أتبين ما إذا كان ذلك ناجمًا عن خطئي المستمر في تمثيل دوري أو عن عطب كبير في كياني ذاته. وقد تصرفت أحيانًا تجاه الأمر بمعاندة وفخر. وأحيانا أخرى وجدت نفسي كائنا يكاد أن يكون عديم الشخصية وخجولا ومترددا وفاقدا للإرادة، غير أن الغالب كان شعوري الدائم أني في غير مكاني".
كان والده يريده طبيبا، وفعلا التحق بكلية الطب لفترة، لكنه تمرد على هذه الدراسة: كسر أنابيب الاختبار في المعمل، وامتنع عن الذهاب.
لقد تمرد حتى على اسمه الذي أطلقته أمه رغبة منها في أن تكون لمولودها وسامة إدوارد أمير ويلز الذي كان أكثر رجال العالم وسامة عام 1935: عام ولادته!
لقد احتاج إدوارد سعيد -كما كتب في مذكراته- إلى أن يسلخ أكثر من 50 عامًا من عمره كي يعتاد على هذا الاسم، أو لكي يشعر بضيق أقل حيال اسم إنجليزي بعيد الاحتمال عن أن يكون مقرونًا بـ"سعيد"، وهو اسم عائلة عربي صميم.
ولذلك فكثيرًا ما كان ينطق اسم "إدوارد" بسرعة كبيرة ويشدد على اسم "سعيد"، وأحيانا أخرى كان يربط الاسمين معًا وينطقهما بشكل سريع كي لا يتضح أي منهما!!في بئر الثقافة الأمريكيةمن مصر هاجر إلى الولايات المتحدة سنة 1957، ومنذ هذا التاريخ وحياته كلها في الولايات المتحدة؛ تشرب بثقافتها، مفكرا بلغتها. فمنذ الطفولة وهو يتحدث باللغة الإنجليزية في البيت، بحيث لا يعرف أي اللغتين هي لغته الأم.. هل هي العربية أم الإنجليزية؟ لأن اللغتين -وربما الإنجليزية بدرجة كبرى- كانت هي لغة الحديث في بيت والديه.
في أمريكا درس ونال البكالوريوس من جامعة برنستن، كما نال الماجستير والدكتوراه في الأدب المقارن من جامعة هارفارد، وخلال تلك السنوات كره الرئيس ترومان عاشق الصهاينة، وأعجبه موقف روزفلت في حرب 1956، وأعجبه أيضا مارتن لوثركينج، لكن هذا الإعجاب تحول لكراهية شديدة حين أعلن حماسه لانتصار الكيان الصهيوني في حرب 1967.
غير أن ذلك كله وازى تفوقا دراسيا أهّله لأن يعمل أستاذا ومحاضرا في العديد من الجامعات، بينها جامعات هارفارد وستانفورد وهوبكنز، ومنذ عام 1963 وهو يشغل منصب أستاذ كرسي للأدب الإنجليزي والأدب المقارن في جامعة كولومبيا بنيويورك إحدى أهم خمس جامعات في العالم، وميزانيتها تعادل ميزانيات الأردن وفلسطين وسوريا ولبنان مجتمعة، وفيها حوالي 4 آلاف أستاذ جامعي، وبين هؤلاء 5 فقط يحملون لقب أستاذ الأساتذة، منهم إدوارد سعيد الذي اخترق بعلمه وثقافته حضارة الغرب الأمريكي، وحاور المستشرقين في بريطانيا وأمريكا وسواهما حول قضايا حيوية، كاشفًا خطورة المعرفة غير المقترنة بالشجاعة على الاعتراف بالآخر بعرقه وجنسه وثقافته، بحضارته ووطنه وأرضه ودولته، وطارحا نفسه بقوة كأحد نقاد الغرب الكبار الذين يعيدون النظر في كل منجزات الحضارة الغربية، من داخلها وليس من خارجها، وكتبه كلها تأتي في هذا الاتجاه منذ كتابه الشهير عن الاستشراق إلى كتابه عن الثقافة والإمبريالية. وهو ما جعلها تجد رواجا كبيرا في المجتمع الأمريكي وقراء الإنجليزية بشكل عام. إذ كان من أكثر الكتاب في الغرب ملاحقة لما تصدره دور النشر حول ما يمس المجتمعات الشرقية.
وإلى جانب كل ذلك فإن لإدوارد سعيد ثمانية كتب عن فلسطين تمت ترجمتها إلى 35 لغة، لكنه حتى مات كان يشعر أنه لم يفعل شيئا.الحزن الأمريكيرأى أن أصعب شيء في الحياة وأكثر مشقاتها أن يشعر الإنسان أنه بلا وطن أو مكان يعود إليه، هذا الإحساس كبر في أمريكا، كان يدرك في وطنه في فلسطين أن علاقة كل من حوله بالصهيونية تزداد قوة يوما بعد يوم، وفي نيويورك عانى كثيرا حتى يستطيع التعامل مع زملائه اليهود.
وحتى وفاته كان مترددًا في الانتماء لأمريكا انتماءً تامًا، بعد 50 عامًا فيها؛ فهو يقول: "ازداد حزني كلما ازدادت أمريكيتي، وصممت على مواجهة هذه الأمركة"، فهو فيها منفي بلا جذور، ولكنه اعتاد الحياة فيها، وحبه لها نابع من اعتزازه بـ50 عاما من عمره!
وحين وضع سيرته في كتاب جعل عنوانه "خارج المكان" مستغلا قدرته على المناورة في أفق البلاغة والفلسفة والسياسة والتاريخ في آن واحد؛ فهو لا يغادر المكان جغرافيًا إلا من أجل أن يعود إليه رمزيًا ليحتويه ويعلن انتماءه إليه، وعدم تخليه عنه، والإمساك به حتى الرمق الأخير.
عاش ومات معتزا بفلسطين ومؤمنا بحقوقه وحق كل الفلسطينيين في الأرض، وحالما بعودته ليعيش في وطنه ولو ليوم، وهو الحلم الذي لم يستطع تحقيقه ولن يستطيع الملايين غيره أن يحققوه طالما بقيت المنطقة تحت رحمة الاحتلال: المعلن في فلسطين والمستتر في الدول الباقية!...:::أصـــــــدق حـزن........ابتســـامه فـــــــــــى عيــن دامعــــة:::.....تعليق
-
الرد: إدوارد سعيد.. الغائب عن مكانه حيا وميتا
شجاعة فكر بلا حدودعن أدوارد سعيد
الدكتور علي القاسمي(أُقيمت في بلدة القنيطرة المغربية أيام ثقافية عنوانها " فلسطين رمز يتجدد". ودعاني المنظِّمون إلى التحدّث عن أدوارد سعيد ، ظناً منهم بأنني كنتُ أعرفه لكوني مشرقياً )
لم أكن أعرف أدوارد سعيد شخصياً. ولكنني كنتُ أسمع صوته المتميّز. كان صوته يصلني هادراً ثائراً بنبراته القوية، وإيقاعه المثابر، ونغمته الحزينة؛ فينفذ إلى قلبي وعقلي بلا تأشيرة دخول، ويخلّف في نفسي الأسى وفي روحي الأمل. كان صوتُ أدوارد سعيد صوتَ مَن لا صوت لهم. فقد أعار أدوارد سعيد صوته للبائسين والمحرومين والمظلومين والمضطهدين في كل مكان. وهبَ أدوارد سعيد صوته للمخنوقة أصواتهم من النساء والشيوخ والأطفال، والمشردين واللاجئين في الخيام.
لم أكن أعرف أدوارد سعيد. ولكنني كنتُ أقرأ بعض كلماته الرائعة التي بثها باقتدار وسخاء في عشرين كتاباً على مدى ما يقرب من أربعة عقود من الزمن، من كتاب (جوزيف كونراد وقصة السيرة الذاتية) الذي صدر عام 1966 حتى كتاب (تأملات حول المنفى) الذي نُشر عام 2000. وكلا الكتابين ـ أول كتبه وآخر كتبه ـ يتناول مشاعر الاغتراب والنفي والتمزق الداخلي. فجوزيف كونراد كان بحاراً بولونيا هاجر إلى فرنسا ثم استقر في إنجلترة وكتب رواياته باللغة الإنجليزية، لا بلغته الأم، تماما مثل أدوارد سعيد. وكلا الرجلين عانى مشاعر الغربة المزدوجة والصراع بين لغتين: واحدة عاش فيها طفولته وفتوته وأخرى عبّر فيها عن تجارب تلك الحياة. وهذا ما دعاه أدورد سعيد بـ " إعادة بناء عالمٍ بمصطلحات عالمٍ آخر".
كانت كلماته تجمع بين رصانة الباحث الأكاديمي، ورقة الشاعر المرهف الأحاسيس في آن واحد. كانت كلماته تخاطب العقل بالمنطق، وتداعب العاطفة والوجدان بالأخوة الإنسانية، لأن أدوارد سعيد كان طيب القلب جداً وصلب الإرادة جداً، كما قال عنه جمال الغيطاني. لم تكن كلماته تضيء الطريق في هذا العصر المظلم فحسب وإنما كانت تشعل النيران أيضاً. كانت كلماته تصوّر أيمانه بقيم الحق والعدل والجمال، وتمسُّكه بحقوق الإنسان أينما كان. فالكتابة، في نظر أدوارد سعيد، ليست مهنة وإنما مشروع، إذ يصب الكاتبُ نفسَه في عدد من الأعمال، وهي بدورها تعرّفنا به وتحدد هويته.
لم أكن أعرف أدوارد سعيد. ولكنني كنتُ أعجب بخصلة الوفاء في شخصيته. غادر أدوارد سعيد فلسطين وهو فتى وعاش في أمريكا بقية العمر، أي أنه عاش (خارج المكان)، ولكن فلسطين لم تغادر وجدانه أبداً وإنما بقيت داخل سويداء القلب. فقد ظل دائما يخبِّئ بين الجوانح أجراسَ كنائس القدس، ومنائرَ مساجدها، وزغاريدَ نسائها. وبقي يحمل مأساة الشعب الفلسطيني ومعاناته بين الضلوع وفي بؤبؤ العين، وامتزجت دماء الشهداء الفلسطينيين بمداد قلمه. واستطاع أدوارد سعيد بنضاله الفكري أن " يضع فلسطين في قلب العالم ويضع العالم في قلب فلسطين، "، كما قاله زميله الشاعر الفلسطيني محمود درويش.
كان من بواكير أعمال أدوارد سعيد كتاب (القضية الفلسطينية) الذي صدر عام 1979 ، وكانت آخر محاضرة له في جامعة أكسفورد عن فلسطين كذلك. في كتابه المتميز في النقد الأدبي الموسوم بـ ( البدايات ) والصادر عام 1975، يستعرض أدوارد سعيد روائع الحداثة الأدبية وآخر الأعمال النظرية، ويجادل بأن "البداية" تختلف عن "الأصل" وأفضل منه، لأن البداية يمكن أن يختارها المرء، في حين أنه لا خيار له في أصله، وكل ما يقدر عليه هو أن يعترف بأصله. وفي ضوء هذا التمييز الفذ أستطيع أن أقول إن أدوارد سعيد لم يكن وفياً لفلسطين لأن أصله منها، ولكنه كان وفياً لها لأنه أختار أن يكون فلسطينياً. لقد مارس أدوارد سعيد حريته في اختيار هويته. وما الحرية إلا اختيار وإرادة.
لم أكن أعرف أدوراد سعيد. ولكنني كنتُ أتهيب شجاعته. فقد رفع أدوارد سعيد راية مقارعة الصهيونية في عُقْر دراها، في الولايات المتحدة الأمريكية ذاتها، حتى تعاطف معه أحرار المثقفين ونوابغ المفكرين. كانت شجاعته لا حدود لها. ذات مرة، رتبت إحدى محطات التلفزة الأمريكية مناظرة بينه وبين نتنياهو سفير إسرائيل في واشنطن آنذاك، فاشترط نتنياهو أن لا يجلس في غرفة واحدة مع أدوارد سعيد، بل يجلس في بناية مختلفة. وعندما قال المذيع في تقديمه: " إن نتنياهو لا يريد أن يجتمع بأدوارد سعيد، وأدوارد سعيد لا يريد.." قاطعه أدوارد سعيد قائلا: " لا، أنا مستعد لمناظرته وجهاً لوجه." كيف يخشى أدوارد سعيد ذلك القزم الذنب، وهو الذي لم يخشَ عمالقة ال******* ورؤوسهم فهاجمهم بكتابين من كتبه: ( الثقافة والامبريالية ) و ( القومية، وال*******، والأدب)؟ كيف يهاب أدوار سعيد شخصاً مثل نتنياهو، وهو صاحب كتاب ( القلم والسيف ) الصادر عام 1994.
لم أكن أعرف أدور سعيد. ولكنني كنتُ منبهراً بروعة تسامحه ورحابة أفقه الذي يتسع للإنسانية أجمع. كان أدوارد سعيد ينتمي إلى أقلية دينية بروتستانتية داخل أقلية أرثودوكسية داخل أغلبية مسلمة من الشعب الفلسطيني. ولكن انتماءه إلى أقلية دينية في فلسطين لم يمنعه من أن ينغمس في ثقافة الأكثرية، ويتفهّمها، ويتمثّلها، ويدافع عنا ببسالة. وهكذا نجده يدافع عن الإسلام في اثنين من روائع كتبه ( الاستشراق ) عام 1978، و ( تغطية الإسلام ) عام 1981. في الكتاب الأول، الذي يعدّه بعضهم أروع مؤلفاته، أظهر زيف العالم الذي " ابتدعه" المستشرقون وجلا حقيقة الإسلام التي طمسوها. وفي عنوان الكتاب الثاني تورية ذكية، فهو يشير إلى أن المستشرقين والباحثين الغربيين الذين يفترض فيهم أن يقوموا بتغطية أخبار الإسلام والتعريف بها، يعملون في الواقع على تغطيته وإخفاء حقيقته الرائعة. وذات يوم، أجرى الروائي البريطاني سيئ الصيت سلمان رشدي المتخلي عن هويته الهندية وعقيدته الإسلامية، حواراً صحفياً مع أدوارد سعيد بعد صدور كتابه (بعد المساء الأخير) 1986 الذي حدّد فيه خصائص الهوية الفلسطينية الواحدة على الرغم من أن الفلسطينيين كانوا يعيشون تحت الاحتلال الإسرائيلي أو مشتتين في المنافي، فقال رشدي : " أرغب في أن أطرح عليك بعض الأسئلة الشخصية. أنتَ تقول بأن الإنسان حين يحدد هويته كفلسطيني، فإن ذلك يعني أنه قادم من الثقافة الإسلامية. مع ذلك، أنتَ لستَ مسلماً، فهل هذا يطرح مشكلاً؟ وهل هناك خلافات بشأن هذه المسألة؟" كان جواب أدوارد سعيد ببساطة: " لا مشكل لدي وليس لي أية تجربة في خلافات من هذا النوع." كان أدوارد سعيد صادقاً فقد كان " مسيحيأ ديناً مسلماً وطناً " على حد وصف الزعيم المصري مكرم عبيد لنفسه.
لم أكن أعرف أدوارد سعيد. ولكنني كنتُ مفتوناً بحدة ذكائه وسرعة بديهته. كان يستطيع أن ينتقل بالتجارب الفردية إلى مدار الحقائق الشمولية، ويستخلص من القضايا الوطنية معانٍ إنسانية ذات طبيعة عالمية، وينتقل بسهولة من غموض التجريد بعيد المنال إلى وضوح التشخيص المألوف. كان أدوارد سعيد يزور فلسطين المحتلة في الثمانينات بصفته الأمريكية، فمرّ بمجموعة من الجنود الإسرائيليين يطردون بعض الفلاحين الفلسطينين من أرضيهم. فسأل أدوارد سعيد الضابط الإسرائيلي لماذا. أجاب الضابط: " إن هذه أرض إسرائيل ولا يحق لهم البقاء فيها". فقال له أدوارد سعيد: " هكذا كان يقول الألمان الذين طردوا اليهود من منازلهم في ألمانيا ووضعوهم في المعتقلات." وشاهدته ذات مرة في برنامج ( كلام قاسٍ) في فضائية الـ بي بي سي البريطانية. فقال له مقدم البرنامج المعروف بشدة دهائه وسلاطة لسانه: " ألا تتفق معي أن الفلسطينيين يستخدمون موت أطفال الانتفاضة في الدعاية والعرض على التلفزيون.؟" أجابه أدوارد سعيد قائلاً: " أنا لا أفهم ما تعني. هل تقصد أن أولئك الفتيان يموتون من أجل أن يلتقط لهم مصورو التلفزيون صورة أو اثنتين؟"
لم أكن أعرف أدوارد سعيد، ولكن ما أعرفه حق المعرفة هو أن أدوارد سعيد كان مثقفاً لا مثيل له ولا بديل. كان أكاديمياً مرموقاً ، مناضلاً من أجل شرف الكلمة، وملتزماً برسالة المثقف ذي الضمير الإنساني الحي. كان يقاوم بشاعة الظلم وظلاميته بسلاح العقل الجبار، ومصباح الكلمة الفاعلة، وومضات الرأي الصائب، وحسام الشجاعة الأدبية والإقدام الفكري.
لم أكن أعرف أدوارد سعيد، ولكن ما أعرفه حق المعرفة هو أننا مهما تحدثنا عن أدوارد سعيد، فإننا لا نعطيه حقه من العزاء والوفاء، لأنه ظاهرة فريدة في تاريخ أمتنا الثقافي. وسنبقى نتساءل حائرين: كيف نكوِّن جيلاً جديداً من المثقفين لهم بعض ما لأدوارد سعيد من حصافة الرأي، وفصاحة اللسان، والتفاني في حب الأمة والوطن والإنسانية جمعاء، ولهم بعض ما لأدورد سعيد من رقة القلب وصلابة الإرادة.
لم أكن أعرف أدوارد سعيد، ولكن ما أعرفه حق المعرفة هو أن أدوارد سعيد جاء كالحلم، وكالحلم مضى؛ قاوم الموت بإباء وكرامة سنين طويلة، ثم مات منتصباً مرفوع الجبين، كما تموت النخلة واقفة محملة بالثمار، وعلّمنا كيف ينبغي أن يعيش المرء بكرامة ويموت بكرامة. لقد مات أدوارد سعيد وشعبه الفلسطيني، ووطنه العربي، وجميع المستضعفين في الأرض أشد ما يكونون حاجة إليه وهم يتعرضون لغطرسة القوة وشراسة الهجمة الإمبريالية" إنّما يُوَفَّى الّصّابِِرُونَ أَجْرَهُمْـ بِغَيْرِ حِسَابٍ "تعليق
-
الرد: إدوارد سعيد.. الغائب عن مكانه حيا وميتا
الغالية فراشة شمس
اشتقت لك ياقلب
وشاكرة على المعلومات القيمة
عن الشاعر العريق ادوارد سعيد
يسلمو كتيرتعليق
مواضيع مرتبطة
Collapse
-
بواسطة نواف محمودحوار العمالقه : من كتابي : معزوفة العمر
هذا الحوار دار بين الحجاج الثقفي وسعيد بن جبير قبل ان يتم قتل سعيد بن جبير :
الحجاج : ما...-
القناة: آفاق النثر والمقال
31-05-2026, 06:41 PM -
-
بواسطة أحمد فؤاد صوفيشعر: سعيد عقل
سعيد عقل ولد في زحلة/لبنان عام 1912 وغالبا ما أشير إليه في طليعة الشعراء العرب الرمزيين.
أما الواقع، فهو شاعر...-
القناة: ديوان الشعر
-
-
بواسطة ساندروزفي مسيرة الإنسان الحافلة بالتجارب، يقف المرء عند مفترقات طرق كثيرة، ويُدعى إلى اتخاذ...-
القناة: ساحة النقاش الحر
-
-
بواسطة زهرة الأقحواناهلا
قرات هذه القصه من احدى المنتديات فأعجبتني ..فاتيت بها لكم ...
سافر سعيد قبل كم يوم الى دولة...-
القناة: منتدى التسلية والمرح
-
-
بواسطة النهايةقد يرغب كل الأزواج في أن يعيشوا حياة زوجية سعيدة، لكن بالنسبة إلى بعضهم، ما تزال السعادة...
-
القناة: ساحة النقاش الحر
05-02-2025, 10:07 AM -
- Loading...
- No more items.



تعليق