تتبّع العثرات يدحض المودّات

Collapse
X
 
  • الوقت
  • عرض
Clear All
new posts
  • معاوية
    المشرف العام
    • Feb 2000
    • 389

    #1

    تتبّع العثرات يدحض المودّات

    ليس كل زلة تستحق العدّ، ولا كل عثرة تحتاج إلى تسجيل. فالعلاقات السامية لا تُبنى على دفتر حساب، ولا تُدار كأنها دفاتر مالية يُراجع فيها الرصيد بعد كل كلمة أو تصرّف.

    "تتبّع العثرات يدحض المودّات"، هكذا اختصرها الحكماء في عبارة موجزة، كثيفة المعنى، تحمل في طياتها دروسًا في الصبر، والتغافل، وحسن الظن. حين يُصبح الخطأ مرصودًا...

    حين يتحوّل القرب إلى كاميرا مراقبة ترصد الهفوة، وتُعيد تشغيلها عند كل خلاف، تصبح العلاقة عبئًا ثقيلًا. لا ودّ يستمر، ولا محبة تنمو في بيئة تخلو من الرحمة وتتغذى على الانتقاد.
    إننا بشر، نصيب ونخطئ، ولسنا في حاجة إلى مُراقب يتصيّد، بل إلى رفيق يُعين، ويستر، ويعذر. التغافل فنّ لا يُتقنه إلا الكبار

    ليس المقصود بالتغافل التساهل مع الخطأ الجسيم أو السكوت عن الظلم، بل أن نُمرّر بعض الهفوات الصغيرة دون أن نجعلها محورًا للخلاف.
    أن نُدرك أن اللسان قد يزل، والقلب قد يغيب عنه التقدير أحيانًا، لكن المودة الحقيقية لا تسقط بزلة، ولا تُلغى بخطأ. حين نخسر علاقاتنا بسبب "دقة الحساب"

    كم من علاقة جميلة خسرناها لأننا لم نتغافل؟
    وكم من مودّة تآكلت لأن أحد الطرفين ظنّ أن تتبّع الزلات نوعٌ من الحزم أو اليقظة؟
    الحزم في الرحمة، واليقظة في الاحتواء، لا في سرد الأخطاء عند كل نزاع. إذا أردت أن تُحَبّ، فتغافل...

    فما أحوجنا اليوم إلى من يُحسن الظن، ويُبرر قبل أن يُدين، ويُفسّر بعين المحبة لا بعين الاتهام.
    فقطرة تغافل قد تنقذ بحرًا من المودة، ونظرة تسامح قد تُعيد لقلبٍ أمانه.


    المحبة ليست في الكلمات التي نقولها، بل في السلوك الذي نمارسه تجاه من نحب.
    وتتبّع العثرات، وإن ظنه البعض حرصًا، فإنه قاتلٌ صامتٌ لكل علاقة جميلة.

مواضيع مرتبطة

Collapse

جاري العمل...