ما الذي حول الخلاف الفكري مع الدكتور يوسف القرضاوي إلى هذه الدرجة من الفجاجة والسطحية والابتذال والتدخل في حياته الشخصية؟!
بعض الأقلام فتحت الملفات القديمة باحثة عن عورة له، فوجدتها في زواجه الثاني الذي حدث قبل نحو 15 عاما، وفي صفحات تتحدث عن ذلك الزواج، من مذكراته "ابن القرية والكتاب.. سيرة ومسيرة" التي نشرتها بعض الصحف مؤخرا.
القرضاوي بشر.. له قلب يكره ويحب.. ينبض بالعشق ولوعة الغرام. ما العيب في ذلك؟!.. ما وجه الغرابة أن يتزوج أحد أكبر فقهاء القرن العشرين ممن تصغره بأربعين أو حتى خمسين سنة.. ثم ما علاقة ذلك كله بالخلاف مع القرضاوي في شأن فكري أو سياسي أو فقهي؟!
لا يوجد فقيه لا يخطئ إلا إذا توقف عن الاجتهاد والتفكير وتجمد في مكانه، وانغلق على نفسه ينتظر خروج السر الإلهي. فإذا افترضنا أن القرضاوي أخطأ في حديثه عن التمدد الشيعي في مجتمعات خالصة للطائفة السنية، وقد رده البعض برفق وآخرون بشدة وانتهى الأمر كله بلقاء حميم في الدوحة جمع علماء من الطائفتين، فهل هذا مدعاة للتفتيش في حياته الشخصية، ونهش سيرة بيته، والتعالم عليه بأنه أخطأ التصرف في شأن خاص بقلبه وعالمه الخاص!
لو كان قلبه "عورة" ما أفرد له القرضاوي مساحة كبيرة في مذكراته، في الجزء الثاني الذي تتناول فيه زواجه ممن وصفها بخير النساء، زوجته الأولى "أم محمد" وفي الجزء الرابع الذي خصص فيه صفحات لزواجه الثاني من الدكتورة أسماء بن قادة "الجزائرية".
تحدث بشفافية وصراحة عن الدور الذي لعبه قلبه في الزيجتين، فهو بشر، وعلو منزلته الفقهية لا يخرجه من دائرته البشرية. عندما انتوى الزواج بعد تجاوزه الثلاثين من العمر واستقراره في وظيفة بوزارة الأوقاف، ظل طويلا يبحث عن رفيقة لدربه.
والمدهش أنه لم يشترط أن تكون محجبة، يكفيه أن تكون غير متبرجة. كان ذلك طبعا في نهاية خمسينات القرن الماضي عندما لم يكن الحجاب منتشرا في مصر، وهذا في حد ذاته كافيا للدلالة على اعتداله وحيويته الفقهية التي أهلته فيما بعد لفقه الواقع وفقه النوازل وفقه الموازنات والتيسير على الناس، فالعبادة ليست تجهما ولا انعزالا عن الدنيا ومتاعها.
لم يهمل القرضاوي "الجمال" في شروطه، وكان قلبه هو قائده في البحث عن الزوجة. دخل بيوتا فلم ينبض قلبه لأي واحدة ممن رآهن، وقد أثقل عليه ذلك لأنه رأى فيه ايذاء لمشاعر بنات الناس واحدة بعد الأخرى، وهنا يقول: ماذا أصنع في هذا القلب.. إنني لا أملك أن أفتحه أو أغلقه، فإن الذي يفتحه أو يغلقه هو الله.
النهاية السعيدة جاءت بزواجه بشقيقة إخواني كان مسجونا معه. وقد نبض لها قلبه عندما رآها رؤية خاطفة، وبعد أن وافق أهلها، وتم عقد القران تبادل معها رسائل يقول عنها القرضاوي إنها كانت تحمل أصفى ألوان الحب والشوق والغرام.
أين المشكلة؟!.. هل تضاءلت منزلته الفقهية عندما كشف عن مكنون قلبه؟.. هذه الزوجة يراها من خير النساء حتى الآن "رزقت بزوجة كانت لي قرة عين، سعدت بها وسعدت بي، فهمتني وفهمتها. كانت لي نعم الزوج ولأولادها نعم الأم، ولا غرو فهي هاشمية حسينية".
لاحظوا وصفه له بأنها هاشمية حسينية، أي أنها من "الأشراف" في مصر. ويتكرر هذا الوصف مع اختلاف في النسب عندما تحدث عن عائلة زوجته الثانية الدكتورة أسماء، فهي هاشمية حسنية. الاثنتان من نسل الرسول صلى الله عليه وسلم، من آل البيت. الشيخ يعلم قيمة هذا النسل ويسعده مصاهرته ويذوب في حبه.. لماذا اتهامه بالطائفية إذاً ومحاولة البعض حرقه من هذا المدخل؟!
القرضاوي فتح للتقريب بابا لم يفتحه غيره بهذه السعة.. لقد أصر على أن يكون آية الله محمد علي تسخيري نائبه في اتحاد علماء المسلمين. والأخير يعرف قيمته وفضله، لدرجة أنني سألته رأيه عن الحملة التي تشن هذه الأيام على حياة القرضاوي الشخصية، فرد بغضب شديد: هذا إسفاف. القرضاوي رئيسي وعالم اسلامي كبير، والاساءة إليه إساءة لكل علماء الاسلام وللاسلام نفسه.
إنها "شرشحة" كما وصفها أستاذنا فهمي هويدي عندما سألته رأيه. والدليل أن مهاجمي القرضاوي ركزوا على الصفحات التي تتناول زواجه الثاني في مذكراته، متجاهلين تماما حديثه الشيق والانساني والرائع عن زوجته الأولى وعن قلبه الذي ينبض بالحب ككل قلوب البشر.
أحب القرضاوي زوجته الثانية في النور. فتاة مثقفة متوازنة متكاملة، علمية وأدبية ودينية ودنيوية، شرعية وعصرية، تتقن اللغة الفرنسية والعربية بصورة تلفت الأنظار. قارئة جيدة لتراث مالك بن نبي.. هكذا قال عنها في مذكراته.
لم يقدر مهاجموه ذلك، بل سعوا للبحث عن النقائص ليلصقوها بالشيخ. قال لها إنها في مثل عمر ابنته "أسماء".. فاستغلوا ذلك كأنهم وجدوا ضالتهم، رغم أن الشيخ لم ينف أنه يكبرها بكل تلك السنين التي أزعجتهم وحدهم، ولم تزعج الدكتورة أسماء ولا أهلها، وهي أخت ثلاث بنات يحملن الدكتوراه في الفلسفة والاجتماع والجراحة، وأبوها عالم رياضيات معروف في الجزائر ويسمونه هناك أبو الرياضيات.
هي نفسها حاصلة على البكالوريوس بامتياز في الرياضيات وعلى الدكتوراه في العلوم السياسية، متمكنة في الفقه وأصول الدين.. فهل مثل هذه تكون "طفلة" كما يكتبون ويشرشحون فيسيئون أبلغ اساءة لعلم كبير من أساطين الفقه في عصره؟!
*نقلا عن جريدة "الدستور" المصرية
بعض الأقلام فتحت الملفات القديمة باحثة عن عورة له، فوجدتها في زواجه الثاني الذي حدث قبل نحو 15 عاما، وفي صفحات تتحدث عن ذلك الزواج، من مذكراته "ابن القرية والكتاب.. سيرة ومسيرة" التي نشرتها بعض الصحف مؤخرا.
القرضاوي بشر.. له قلب يكره ويحب.. ينبض بالعشق ولوعة الغرام. ما العيب في ذلك؟!.. ما وجه الغرابة أن يتزوج أحد أكبر فقهاء القرن العشرين ممن تصغره بأربعين أو حتى خمسين سنة.. ثم ما علاقة ذلك كله بالخلاف مع القرضاوي في شأن فكري أو سياسي أو فقهي؟!
لا يوجد فقيه لا يخطئ إلا إذا توقف عن الاجتهاد والتفكير وتجمد في مكانه، وانغلق على نفسه ينتظر خروج السر الإلهي. فإذا افترضنا أن القرضاوي أخطأ في حديثه عن التمدد الشيعي في مجتمعات خالصة للطائفة السنية، وقد رده البعض برفق وآخرون بشدة وانتهى الأمر كله بلقاء حميم في الدوحة جمع علماء من الطائفتين، فهل هذا مدعاة للتفتيش في حياته الشخصية، ونهش سيرة بيته، والتعالم عليه بأنه أخطأ التصرف في شأن خاص بقلبه وعالمه الخاص!
لو كان قلبه "عورة" ما أفرد له القرضاوي مساحة كبيرة في مذكراته، في الجزء الثاني الذي تتناول فيه زواجه ممن وصفها بخير النساء، زوجته الأولى "أم محمد" وفي الجزء الرابع الذي خصص فيه صفحات لزواجه الثاني من الدكتورة أسماء بن قادة "الجزائرية".
تحدث بشفافية وصراحة عن الدور الذي لعبه قلبه في الزيجتين، فهو بشر، وعلو منزلته الفقهية لا يخرجه من دائرته البشرية. عندما انتوى الزواج بعد تجاوزه الثلاثين من العمر واستقراره في وظيفة بوزارة الأوقاف، ظل طويلا يبحث عن رفيقة لدربه.
والمدهش أنه لم يشترط أن تكون محجبة، يكفيه أن تكون غير متبرجة. كان ذلك طبعا في نهاية خمسينات القرن الماضي عندما لم يكن الحجاب منتشرا في مصر، وهذا في حد ذاته كافيا للدلالة على اعتداله وحيويته الفقهية التي أهلته فيما بعد لفقه الواقع وفقه النوازل وفقه الموازنات والتيسير على الناس، فالعبادة ليست تجهما ولا انعزالا عن الدنيا ومتاعها.
لم يهمل القرضاوي "الجمال" في شروطه، وكان قلبه هو قائده في البحث عن الزوجة. دخل بيوتا فلم ينبض قلبه لأي واحدة ممن رآهن، وقد أثقل عليه ذلك لأنه رأى فيه ايذاء لمشاعر بنات الناس واحدة بعد الأخرى، وهنا يقول: ماذا أصنع في هذا القلب.. إنني لا أملك أن أفتحه أو أغلقه، فإن الذي يفتحه أو يغلقه هو الله.
النهاية السعيدة جاءت بزواجه بشقيقة إخواني كان مسجونا معه. وقد نبض لها قلبه عندما رآها رؤية خاطفة، وبعد أن وافق أهلها، وتم عقد القران تبادل معها رسائل يقول عنها القرضاوي إنها كانت تحمل أصفى ألوان الحب والشوق والغرام.
أين المشكلة؟!.. هل تضاءلت منزلته الفقهية عندما كشف عن مكنون قلبه؟.. هذه الزوجة يراها من خير النساء حتى الآن "رزقت بزوجة كانت لي قرة عين، سعدت بها وسعدت بي، فهمتني وفهمتها. كانت لي نعم الزوج ولأولادها نعم الأم، ولا غرو فهي هاشمية حسينية".
لاحظوا وصفه له بأنها هاشمية حسينية، أي أنها من "الأشراف" في مصر. ويتكرر هذا الوصف مع اختلاف في النسب عندما تحدث عن عائلة زوجته الثانية الدكتورة أسماء، فهي هاشمية حسنية. الاثنتان من نسل الرسول صلى الله عليه وسلم، من آل البيت. الشيخ يعلم قيمة هذا النسل ويسعده مصاهرته ويذوب في حبه.. لماذا اتهامه بالطائفية إذاً ومحاولة البعض حرقه من هذا المدخل؟!
القرضاوي فتح للتقريب بابا لم يفتحه غيره بهذه السعة.. لقد أصر على أن يكون آية الله محمد علي تسخيري نائبه في اتحاد علماء المسلمين. والأخير يعرف قيمته وفضله، لدرجة أنني سألته رأيه عن الحملة التي تشن هذه الأيام على حياة القرضاوي الشخصية، فرد بغضب شديد: هذا إسفاف. القرضاوي رئيسي وعالم اسلامي كبير، والاساءة إليه إساءة لكل علماء الاسلام وللاسلام نفسه.
إنها "شرشحة" كما وصفها أستاذنا فهمي هويدي عندما سألته رأيه. والدليل أن مهاجمي القرضاوي ركزوا على الصفحات التي تتناول زواجه الثاني في مذكراته، متجاهلين تماما حديثه الشيق والانساني والرائع عن زوجته الأولى وعن قلبه الذي ينبض بالحب ككل قلوب البشر.
أحب القرضاوي زوجته الثانية في النور. فتاة مثقفة متوازنة متكاملة، علمية وأدبية ودينية ودنيوية، شرعية وعصرية، تتقن اللغة الفرنسية والعربية بصورة تلفت الأنظار. قارئة جيدة لتراث مالك بن نبي.. هكذا قال عنها في مذكراته.
لم يقدر مهاجموه ذلك، بل سعوا للبحث عن النقائص ليلصقوها بالشيخ. قال لها إنها في مثل عمر ابنته "أسماء".. فاستغلوا ذلك كأنهم وجدوا ضالتهم، رغم أن الشيخ لم ينف أنه يكبرها بكل تلك السنين التي أزعجتهم وحدهم، ولم تزعج الدكتورة أسماء ولا أهلها، وهي أخت ثلاث بنات يحملن الدكتوراه في الفلسفة والاجتماع والجراحة، وأبوها عالم رياضيات معروف في الجزائر ويسمونه هناك أبو الرياضيات.
هي نفسها حاصلة على البكالوريوس بامتياز في الرياضيات وعلى الدكتوراه في العلوم السياسية، متمكنة في الفقه وأصول الدين.. فهل مثل هذه تكون "طفلة" كما يكتبون ويشرشحون فيسيئون أبلغ اساءة لعلم كبير من أساطين الفقه في عصره؟!
*نقلا عن جريدة "الدستور" المصرية




تعليق