يختلف الدين الإسلامي عن المسيحية في نقطة مهمة تتعلق بالنظرة إلى المجتمع والأسرة، فالقساوسة المسيحيون يدعون إلى العزوبية، بينما علماء الإسلام يدعون إلى الزواج الطبيعي. ومنشأ الاختلاف يعود في الواقع إلى ما أحدثه رهبان المسيحية من تغييرات وتحريفات لدينهم، عندما اعتبروا أن الغريزة الجنسية جاءت نتيجة الذنب الأول على حد قولهم، وهو ما جرى بين آدم وحواء عليهما السلام، ولذلك فإنهم يعتبرون الشرف كل الشرف في الابتعاد عن تلبية حاجات الجسد، والبقاء في العزوبية. وكان (سن زرم) وهو آخر رجل في سلسلة أولياء الله المسيحيين يقول بلهجة مؤكدة: »لنقتلع شجرة الزواج بفاس العزوبية«! أما (بولس) فيقول في رسالته الأولى إلى القرنطيين: »أما بشأن ما كتبتموه لي فخير للرجل أن لا يلمس المرأة، أنا أقول للعزاب والنساء الأرامل: من الخير لهم أن يبقوا مثلي عازبا، أما إذا لم يستطيعوا الصبر فلينكحوا، لأن النكاح أفضل من الاحتراق بنار جهنم«!
فبولس يرى أن النكاح ليس إلا حالة اضطرارية لمن لم يستطع السيطرة على شهوته، وهو لا يلتفت أبدا في رسالته إلى دور النكاح في تأسيس البشرية، عبر إنجاب الأطفال وتربيتهم وتكثير النسل الإنساني، وكان بولس يريد للبشرية أن تنتهي لأن الجميع سيصبحون عزابا مثله لا يتزوجون!
وقد أفرطت الكنيسة الأولى في آراء بولس، وأصبح لمفهوم العزوبية قدسية كبيرة، حتى هام الرجال في الصحاري ليقارعوا الشيطان، في حين أن هذا الشيطان يملأ أفكارهم وأذهانهم بالأوهام الشهوية! وليس المسيحيون وحدهم في هذا الاتجاه المنافي للفطرة البشرية السليمة، فطائفة (حسيديم) اليهودية تعتبر أيضا جميع العلاقات الجنسية حتى المؤطرة منها بإطار شرعي؛ قبيحة وقذرة!
ولكن ليس غريبا أن يحطم القساوسة والرهبان والحاخامات القانون الذي فرضوه على أنفسهم بالعزوبية، حيث يتجه معظمهم في الخفاء إلى إقامة علاقات جنسية ويسقطون إلى مستويات أقل بكثير وأرذل من مستوى عوام الناس الذين يفترض أن يقتدوا بهم!
هذا القيد الذي وضعته الكنيسة على الزواج، تسبب في ردة فعل معاكسة في أوساط شعوب أوروبا، حيث خرجت مجموعة من الفلاسفة والفاعليات الاجتماعية لتدعو إلى إطلاق الحرية الجنسية، بدون أية قيود أو حدود، ودون إيقاع عقود النكاح. وانقلب الناس على الكنيسة وعلى الدين الذي رأوا فيه جحيما يمنعهم من ممارسة حقوقهم الطبيعية في تصريف طاقاتهم الجنسية وتأمين غريزة الأبوة والأمومة وتكوين الأسرة.
في تلك الظروف ظهر (فرويد) وهو أحد علماء النفس المعروفين والمشهورين، ومازالت كتبه وأبحاثه تدرس في مختلف جامعات العالم. ونادى فرويد بإطلاق ما أسماه »الحرية الجنسية« كرد على الكنيسة، واستطاع تجيير قطاعات واسعة من الشعب إلى صالحه، فتبنت أفكاره المسمومة وهو ما أدى إلى موجة الانحلال التي شهدها المجتمع الغربي حتى يومنا هذا.
يعتقد فرويد أن »اللذة والمتعة النابعة من الجنس لا تختص بالبالغين، وإنما توجد هذه الغريزة في جميع مراحل الحياة، ولهذا الدافع يمتص الطفل ثدي أمه ويلتذ بعض إبهامه أو قطعة من القماش والخشب. يتلذذ الأطفال بكل حرية من كل ما يريحهم، لأنهم في أعمارهم هذه غير مقيدين بالضوابط الأخلاقية والاجتماعية والقوانين الطبيعية، لكن لن تدوم هذه الحرية طويلا فسرعان ما تطوى صفحتها، لتحدد الطفل بحدود التربية والتعليم ونصائح الأبوين المتتالية، وتزداد هذه القيود بمرور الزمن لأن القوانين الطبيعية والمبادئ الأخلاقية والضوابط الاجتماعية والتعاليم الدينية والآداب والتقاليد العامة لا تسمح له أن يكون طليقا في نيل اللذة، وإنما يستطيع الحصول على اللذائذ المنطبقة والموازين الطبيعية والقانونية وحسب«!
ويستمر فرويد في منطقه الأعوج فيقول في كتابه (علم النفس): »إن الاضطرابات النفسية والعصبية ناجمة عن متغيرات طارئة على الغريزة الجنسية، وإن سعادة أي إنسان وهناءه مرتبط بكيفية استخدام الجنس واللذة المكتسبة عن هذا الطريق، فالغريزة الشهوية هي أولى أسس الحياة وأعمق وأشد غريزة روحية وشخصية إنسانية، فكما أن الجسد يميل غريزيا نحو الطعام، تطلب النفس لذة شهوية، وهذه اللذة الشهوية والغريزة الأساسية هي بمثابة ظمأ الروح التي لا ترتوي. إن السعادة ترتبط بمسألة واحدة وهي كيفية استهلاك الطاقة الجنسية، وهنا لا قيمة لأية توصية لأي كان، وعلى كل فرد البحث عن الطريقة التي يمكن بواسطتها أن يكون سعيدا، وللمواد المخدرة عملها في تأمين السعادة وطرد الإخفاق، وبها استطاع الأفراد وتمكنت الشعوب من تخصيص مكان هام لتصريف الطاقة الجنسية«!
وأخيرا يوجه فرويد هجوما عنيفا على الدين والحضارة فيقول: »إن الدين والحضارة أصبحا سدا أمام حرية الغريزة الجنسية والبحث عن اللذة، فقللت هذه القيود من أهمية الحياة ووجهت ضربة لسعادة الإنسانية! إن الدين يوجه صفعة لموضوع التطبيق والاختيار، لأنه يقدّم من أجل بلوغ السعادة والابتعاد عن الآلام سبلا متماثلة لجميع الناس، ففن الدين وتكتيكه قائم على التقليل من أهمية الحياة. إن سعادة المرء تكمن في اللذة وكيفية استهلاكه الحر للطاقة الجنسية، والإشباع الحر للميل الجنسي هو الشرط الأساسي للسلامة النفسية، وجميع المصابين بالأمراض النفسية تعود إصابتهم إلى كبت غريزة اللذة ونكوص الميول الجنسية بفعل القيود التي فرضها الدين«!
هكذا أضفى فرويد على نظرية الحرية الجنسية التي أطلقها صبغة علمية وطبية، ولكن نظريته تلك جاءت في الواقع متوافقة مع الطبع الحيواني ومنسجمة مع نزعة البحث عن اللذة والشهوة فقط، بل إن فرويد أسبغ كلمة »السعادة« على المخدرات أيضا وامتدحها لأنها بنظره تحقق السعادة! ورغم أن هذه النظرية مرفوضة عقلا؛ إلا أنها حصلت على تأييد واسع في أوساط الشباب، مما وجّه صفعة للعفاف الأخلاقي والتعاليم الدينية من جهة، ومن جهة أخرى ضعفت نظرة الناس إلى القيم الدينية والقانونية. وهكذا سقطت هيبة الكنيسة وانقلب سحرها عليها، وهكذا اضطرت الحكومات الغربية إلى أن تجاري موجة الرأي العام وتتيح للناس الحرية في الحصول على اللذة بأي شكل من الأشكال، وأباحت دور الزنا والمخامر والمقامر، وسمحت بالزواج المثلي (اللواط - السحاق) وأجازت الإجهاض والخيانة الزوجية، بأن تمارس الزوجة الجنس مع صديق لها غير زوجها مثلا، أو العكس. ثم ما لبثت بعض تلك الحكومات حتى سمحت للرجل بأن يضاجع ابنته بعد بلوغها سنا قانونيا معينا إذا كانت راضية، وهذه العلاقات السفاحية كلها تحدث تحت ظل حماية القوانين!
لقد اعتقدت المجتمعات الغربية وبإصرار من الشباب والمراهقين أن نظرية فرويد هي الحل، ولم يكن فرويد ليتمكن من الحصول على كل هذا التأييد لو أن موقف الكنيسة من الزواج كان إيجابيا. وعلى كل حال فقد طبق المجتمع الغربي نظرية فرويد بعدما آمن بها، ولننظر الآن إلى آثار هذا التطبيق بعد حوالي سبعين سنة من انطلاق هذه النظرية الحيوانية.
لقد أخذ الشباب الأميركي - على سبيل المثال - بهذه النظرية وعملوا وفقا لمضمونها على إزالة جميع الحواجز عن طريق ميولهم الجنسية، حتى الشاذة منها، وضربوا بعرض الحائط جميع المقررات الدينية والقانونية والأخلاقية، وهجروا كل الآداب والتقاليد الاجتماعية، وحطموا كل القيود لنيل أنواع اللذائذ وإشباع الغريزة الجنسية بشكل طليق وتجاوزا الحدود الممنوعة.. لكن خلافا لنظرية فرويد، فإنهم بعد كل هذه السنوات من تطبيقها، لم يحصلوا على السعادة المنشودة بل إنهم أمسوا رمزا للتعاسة والشقاء، وسقطوا في مستنقعات الفساد والانحراف والويلات.
تقول مجلة (Neuerevue) في عددها المؤرخ في 12 نوفمبر 1967 وذلك بعد نحو ثلاثين سنة فقط من تطبيق نظرية فرويد: »الفئات التي كتبت على العلم شعار (حرية الحب) تبدلت إلى كائنات ذات قيم ضائعة، تمارس مختلف أنواع الأفعال الجنسية كالعلاقة بين الرجل بالمرأة، والرجل بالرجل، والمرأة بالمرأة، والأعمال الجنسية الجماعية، بل والشذوذ بالحيوانات، فالعلاقات الجنسية مسموح بها في كل مكان، في وضح النهار وفي المنتزهات وتحت الأشجار أو أي مكان آخر تتواجد فيه، ولا يهم أن ينظر إلى الممارسين الآخرون أثناء ذلك.
ولكن.. تتبدل جنة الحرية للفتيات بسرعة إلى جحيم، لأنهن يضطررن إلى ممارسة الزنا لمواصلة حياتهن، وبالخصوص الحصول على الحاجة من المخدرات، وعندها لا يستطعن العثور على من يحبهن من الشباب كما كن يتوقعن من شعار (حرية الحب)، بل يجبرن على الاستسلام لما يحدث، ولتحمل هذه الحالة يشعرون باحتياج أشد لاستخدام المخدرات، ولنيلها يحتجن إلى رجال آخرين، وهكذا تنتقل النوبة من رجل لرجل، ويزداد معدل استهلاك المخدرات، حتى تصبح الفتاة مدمنة وغير قادرة على العيش الطبيعي، ثم تنهار رشاقتها وصحتها فتصبح قبيحة الشكل ولا أحد ينظر إليها، وتجد نفسها أخيرا في إحدى المصحات العلاجية إذا استطاعت النجاة من الموت ومن أمراض الإيدز والإدمان.
الأمراض الجنسية متفشية بين هذه الفئات حيث تتقدم لائحة برامجهم اليومية، وينتشر الإيدز والسفليس والسيلان بصورة مرعبة، والبعض منهم يهملها ولا يراجع للعلاج في أي مستشفى لاعتقاده بأنه حي ليومه ولا يهم ما سيحدث بالغد. ويولد في مراكز هذه الفئات يوميا أطفال مصابون بأمراض جنسية مختلفة.
وقد ازدادت الأمراض الجنسية في سان فرانسيسكو - المركز الأساسي لنشاط هذه المجموعات المنحرفة - في العامين الأخيرين إلى ستة أضعاف عما كانت عليه، وفي لوس أنجلوس فإن الأمراض الجنسية المنتشرة بين هؤلاء تعادل ستة أضعاف الأمراض المنتشرة بين سائر سكان المدينة. وكما يصرح (لوبين لوكار) المستشار في دائرة الصحة في لوس أنجلوس فإن نسبة احتمال إصابة أي شخص من هذه الفئات التي رفعت شعار (حرية الحب) بمرض الإيدز أو السفليس أو السيلان أو جميعهم معا هي 100%«!!
وتنقل المجلة الأميركية تجربة حية لإحداهن فتقول: »ربما لم تطلعوا على المأساة المؤملة للآنسة (ليندا باتريك) ذات الثمانية عشر عاما، حيث تعرضت في نوفمبر أثناء مشاركتها في حفلة للمخدرات نظمها محل يقع في نيويورك إلى أربع اعتداءات جنسية وحشية، ثم قتلت بشكل مفجع، وصرح موظف لجنة الجرائم في نيويورك أن هذه هي حالة من أكثر حالات القتل وحشية شاهدناها حتى الآن«!
أما مجلة (نيوزويك) الأميركية الشهيرة فتقول: »أثار شيوع العلاقات الجنسية بين الصغار في أميركا خوف الأسر، وهذه القضية التي تعتبر إحدى المشاكل الداخلية الأميركية في ازدياد، وأدت إلى قلق شديد من قبل الآباء ومسؤولي المدارس ومدراء الأجهزة الحكومية. كما تظهر الإحصاءات أن عددا كبيرا من الفتيات اللواتي تقل أعمارهن عن خمسة عشر عاما يصبحن حاملات شهريا، ولأن الأطباء يمتنعون عن إجهاض الأجنة لصغر أعمار الحوامل، فإنه يصبحن في ما بعد أمهات رغما عنهن، وقد انتحرت في الأسبوع الماضي فتاة تبلغ من العمر إثنا عشر عاما كانت قد حملت من فتى يبلغ أربعة عشر عاما، وقد انتحرت لأن الأطباء رفضوا إجهاض جنينها. ويعتبر الأطباء إجهاض الجنين أمرا خطيرا للصغار ويعتقدون أن ذلك يولد أضرارا جمة لمستقبلهم، حيث من المحتمل أن يؤدي إلى العقم الدائم.
ومن جهة أخرى فإن التحلل وحرية المعاشرة والاختلاط بين الفتيان والفتيات في المدارس الابتدائية والثانوية يضاعف يوما بعد يوم من عدد الحوامل الصغيرات، ففي الشهر المنصرم فقط راجعت 150 فتاة تقل أعمارهن عن 15 عاما في جميع أنحاء أميركا المستشفيات لإجهاض أجنتهن، وأثار انتشار هذه الإحصائية الرعب لدى الكبار أضعافا مضاعفة«!!
والأطفال لم يسلموا أيضا! إذ تذكر مجلة (العالَم) اللندنية في عددها رقم 261 نبأ مأساويا عن أحد الأطفال، تقول: »يعالج الآن طفل يبلغ من العمر خمس سنوات من مرض الإيدز ومرض السيلان، فقد نقلت إليه المرض بنت تبلغ من العمر تسع سنوات مارست معه الجنس بعد مشاهدتهما فيلما خلاعيا، وقد هزت هذه الحادثة المجتمع البريطاني الذي طال انتشار مرض الإيدز ومرض السيلان فيه الأطفال أيضا«!!
أما منظمة الصحة العالمية فقد صرح متحدث عنها بأن أكثر من نصف مليون إصابة جديدة بمرض الإيدز تسجل كل عامين، وحاليا هناك أكثر من خمسة ملايين شخص مصابين بفيروس نقص المناعة المكتسبة (الإيدز) على مستوى العالم!!
هل استوعبنا هذه الأخبار وهذه التقارير المؤلمة؟ إن المجتمع الغربي يعاني من انتشار الأوبئة والأمراض، والسعادة التي كان يظن المراهقون أنهم يتجهون إليها عبر حرية الجنس كانت سرابا، وانقلبت حياتهم إلى جحيم، وزادت معدلات الجرائم، وانتقلت الأمراض حتى إلى الأطفال بعد الإغراءات التي شاهدوها، أما الفتيات فقد وجدن أنفسهن في وادي الموت بالإجهاض أو المخدرات أو الركوع تحت أرجل الرجال، والشباب أصبحوا بلا هدف ولا رؤية وبات معظمهم مدمنين للمخدرات أو منخرطين في صفوف الجريمة المنظمة.
وإذا كان فرويد حيا إلى الآن لاكتشف بلا شك غباوة نظرياته التي قدمها، ولربما كان هو نفسه أو ابنته أو أسرته ضحية ما نادى به! ذلك لأن إطلاق العنان لحرية الغرائز الجنسية والبحث عن اللذة دون أي قيد أو شرط كما يراه فرويد وأتباع مدرسته، أدى إلى خلق مشاكل كبرى في العالم الغربي وأميركا، وسبب لدى الأسر فجائع ومصائب، فالحرية في إشباع الغرائز ونيل اللذات لم تتغلب على شباب الغرب ووضعته على شفا الانحراف والسقوط فحسب، وإنما لم تنج الفتيات والأطفال الذين لا يتجاوز عمرهم الخامسة من تلك الأعراض والمآسي والويلات. والإفراط في طلب اللذة والمتعة لا يوجه صفعة لأساس الإنسانية ويمنع الإنسان من السمو النفسي والتكامل المعنوي فقط، بل يصيب الحياة المادية أيضا بالخلل والإرباك ويسبب الشجار والنزاع في الأسرة والمجتمع ويؤدي إلى أزمات اجتماعية خطيرة تنذر بكوارث على صعيد بناء الطاقة البشرية والنسيج الاجتماعي.
إن موقف الكنيسة كان تفريطا بالحقوق الشرعية الجنسية، وموقف فرويد وأمثاله كان إفراطا في إباحة الغرائز الجنسية بلا قيود ولا حدود، ولكن الإسلام لديه الحلول المتكاملة لتأمين الحاجات الجنسية دون إفراط ولا تفريط. فالإسلام يشجع على الزواج، وينبذ العزوبية في تضاد مع موقف القساوسة والرهبان، وهو أيضا يحرم الجري وراء الشهوانية الحيوانية بلا ضابط ديني وأخلاقي. وهذه الوسطية هي المثلى.
ملاحظه الحقوق محفوظه
فوفي
