موقف الإسلام من العنف الأسري في المجال التربوي

Collapse
X
 
  • الوقت
  • عرض
Clear All
new posts
  • طالب حق
    عضو فعال
    • Jun 2004
    • 51

    #1

    موقف الإسلام من العنف الأسري في المجال التربوي

    موقف الإسلام منالعنف الأسري في المجال التربوي
    للدكتور / علي بن باقر العدوفي

    في واقعناالأسري القائم في مجتمعاتنا وأعرافنا التقليدية تتحكم بعض الأساليب التي أصبحتواقعاً حياتياً معيشاً يحكم أسلوب التعامل بين الرجل والمرأة، أو بين الأبوينوالأبناء، ويطبع العلاقة بينهما بطابعه.. فنلاحظ مثلاً تحكّم أسلوب العنف الذيتطبّع به المجتمع العائلي فغداً يمثل عرفاً حتى غداً طبيعياً نحاول إعطاءه تبريراًمنطقياً حين نمارسه بدعوى كونه نهجاً تربوياً يعمل على تطبيع المرأة وأسلوبها بمايتناسب مع تطلعاتنا للبيت الزوجي، أو تطبيع الأبناء بطابع حياتي معين لتحقيق حالةالاستقرار داخل الإطار الأسرة من خلال الالتزام بمنهج تعاملي مطلوب، والتناهي عنممارسة أساليب حياتية اجتماعية أو فردية مخصوصة.
    فنلجأ ـ مثلاً ـ من أجل فرضواقع انضباط المرأة ـ تجاه زوجها ـ لتنضبط عملياً بشكل حاسم في تحقيق رغباته ومختلفحاجاته ومطالبه، إلى التعامل معها بأسلوب العنف المتمثل بالسب والشتم والإعراضوالطرد والضرب وما إلى ذلك من وسائل الضغط التي يملكها الرجل. كما نلجأ لمثل هذاالأسلوب في التعامل مع الأبناء في مثل هذه الحالات؛ بل أصبحنا نلحظ تحكّم هذاالأسلوب في واقع هذا العلاقة لدى بعض من يدّعي الالتزام بالإسلام كمنهج وخط، وهذايعطي الموضوع بعداً سلبياً آخر.
    وهنا نتساءل ما هو نصيب هذا الأسلوب من الواقعيةوالمنهجية؟
    أو ما هو الأسلوب الذي يفرضه الواقع التربوي المطلوب اعتماده لتحقيقسلامة الحياة المنزلية، وضبط النهج الحياتي العائلي؟ بل ما هي طريقة الإسلامالتربوية لتحقيق الهدف الحياتي الذي تفرضه المصلحة العائلية؟
    لو حاولنا استكشافالمنهج الإسلامي هذا الواقع لرأينا أن الإسلام حين قوَّم الواقع العائلي وشرّع له،نظر إليه من جانَبين: 1- إنسانية كل واحد من أفراد الأسرة دون استثناء. 2- أخلاقيةالتعامل بين هؤلاء الأفراد، سواءً في إطار نظرة ربّ البيت لمن يعول، أو في إطارنظرة هؤلاء نحوه، وطريقة تعاملهم معه، فحاول أن يرسم خطوطاً للتعامل تراعي إنسانيةالإنسان فيهم وأخلاقية العلاقة التي تقوم بينهم عاطفياً وسلوكياً، من جهةأخرى.
    ولابد لتحقيق هذا التعايش بالمعروف من التزام منهج العمل باحترام إنسانيةكل واحد من هؤلاء واعتماد أسلوب التراحم ورعاية المشاعر والأحاسيس، وبناء روحالمحبة والتعاطف، وحمل ما تفرضه المسؤولية الخلقية والشرعية من التزامات ماديةومعنوية وروحية؛ مضافاً إلى الشعور بالمسؤولية التربوية تجاههم بتصحيح مسيرتهم فيالحياة بمختلف جوانبها من خلال أسلوب الحكمة والموعظة الحسنة. فمهمة القوامة أوالولاية ترتب على القيّم والولي مسؤولية التنظيم والتوجيه للحياة الأسرية للحفاظعلى سلامة الأسرة، مما يلزمه في المقابل انضباط هؤلاء مع توجهاته، حين لا تتنافى معواقع العدالة وسلامة الفكرة والقرار وحين لا يتم التجاوب مع الولي والقيّم، فله فرضحالة الانتظام بالأسلوب المنتج الفاعل.
    منطق الحكمة أولاً
    لعلنا لو لاحظناواقع الحياة العائلية لرأينا أنها بحاجة ماسة لهذا النوع من التعامل كي تنطلقبحيوية وقوة لتعطي نتاجها المتوخّى المتمثل ببناء البيت السليم، والإنسان السويمادياً وروحياً وخلقياً. لذا من المفترض في القيِّم.. أن يركز القواعد والأسس منخلال دوره التوجيهي على النهج الفكري والسلوكي السليم الثابت ولتحقيق هذا الدورلابد من التحرك بمنطق اللين والحكمة واللطف في البداية، دون منطق العنف والقوة،الذي لا مجال لاعتماده، إلاّ حين ينحصر به العلاج، ويكون آخر الدواء.
    في الإطارالزوجي
    في حالة العلاقة الزوجية التي تربط الفرد بمن تعاقد معه بعقد الزوجيةلابد من النظر إلى الواقع من وجهة نظر شرعية من جهة، وإنسانيةٍ من جهة أخرى؛ ففيالجانب الإنساني لابد من النظر للموضوع من نقطة أنه يتعاقد مع إنسانٍ مثله، يشتركمعه في كونه جسداً وروحاً وعاطفةً ومشاعر وحاجات. وكسجدٍ يحتاج لكل ما يتوقف عليهتكوينه ووجوده، ويتأثر بما يتأثر به من إيجابيات وسلبيات. كما أنه كروح ومشاعربحاجة لكل غذاء روحي وعاطفي يساعد في النمو والتركيز والامتداد.
    فلابد إذاً مناستيعاب أن المرأة قبل أن تكون زوجة تمثل وجوداً إنسانياً، يتساوى في الملامحالعامة مع أي وجود بشري آخر سواءً في إطار الفكر والذهنية، أم التطلعات والعواطفوالحاجات والمتطلبات المادية الجسدية، والمعنوية والروحية وما إلى ذلك، رغم وجودبعض الخصائص والميزات التي تطبع كل واحدٍ من هذه الوجودات بطابع خاص يختلف من خلالهعن الموجودات الأخرى.
    نظرة شرعية إسلامية
    وفي الجانب الشرعي التكليفي، لايفرض التشريع الإسلامي في الإطار العام على المرأة تجاه الرجل سوى ضرورة التجاوبمعه في مجال الخصوصيات الزوجية المحددة، وحفظ أمانة الواقع المادي الحياتي، والتزامالضوابط في مجال مغادرة المنزل الزوجي، أما في ما عدا ذلك.. من أمثال الخدمات التيجرت طريقة العرف على أدائها لها، والالتزام بكل الأوامر الصادرة عن الزوج ـ مهماكانت ـ فهو مما لا يفرضه عليها التشريع، بل يترك أمره لمشيئتها بالذات، ولإرادتهاالحرة دون أن يسمح بفرض ذلك قسراً عليها لتمثل دور الخادمة المستأجرة؛ في أن كونذلك مرتكزاً عرفياً لدى مجتمعاتنا، لا يجعله شرطاً ضمنياً عليها حين الزواج، كييفترض فيها الالتزام به "لأن المتعارف إنما هو قيام الزوجة بهذه الأمور عن طوعورغبة، من دون إلزام والتزام فلا يكون إذاً شرطاً ضمنياً مبنياً عليه العقد". وماذلك إلاّ لأن الإسلام أراد للحياة الزوجية أن تتحول إلى حياة حب وتضحية وحين يشعرالزوج بأهمية تلك التضحيات فإنه يبادلها بالشكر واللطف والمحبة.
    وانطلاقاً منهذا، فإن بعض الممارسات القائمة لدى بعض الناس في مجتمعاتنا يتنافى كثيراً معالأسلوب الإنساني والشرعي الذي يفترض بنا التزامه.. فلا مجال عندها للتعامل معالزوجة بأسلوب العنف الذي يمارس بطريقة الشتم والتحدي وصولاً إلى أسلوب الضرب، الذييتحركون به كواقع طبيعي عادي لا مجال لتوجيه اللوم عليه وإنكاره. ومن الطبيعي أنهذا الأسلوب يمثل ظلماً يرفضه الإسلام مهما كانت صورته، إلاّ في حالات خاصة نادرة؛فقد ورد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم كما في "إني أتعجب ممن يضرب امرأته وهو بالضرب أولى منها"وقوله صلى الله عليه وسلم كما في : "ألا وإن الله ورسوله بريئان ممن أضرّ بامرأته حتى تختلعمنه".
    وفي إطار الأبناء
    حمّلنا الإسلام مسؤولية هامة في هذا المجال هي رعايةواقع أطفالنا لإخراجهم للحياة عناصر سليمة صالحة، تخدم الحياة وتبنيها بناءً ثابتاًمتيناً لا يتزلزل أمام أي عاصفة وطارئ. وهذا يدعونا للتفكير بجدية في طريقة التعاملمعهم منذ بداية تحركهم في هذه الحياة فنتعهدهم بالرعاية الكافية لتحويلهم إلى عناصرتبني الحياة، وتتقدم بها نحو الأفضل بالأسلوب الذي أراده الله سبحانه. فنحن إذاًنتحمّل مسؤولية صياغة شخصيتهم مستقبلياً، ليتحولوا إلى قوة فاعلة في مجالالإعمار.
    لابد من اعتماد منهج تربوي مركز لتحقيق هذا الهدف. ولا مجال لالتزاممنهج إعطاء الأوامر والتعليمات الَملَكية لتوجيههم. فذلك وحده لا يعطي أثره الطبيعيالمطلوب، ولا سيما حين يصل الطفل إلى مرحلة من الوعي والتفتح الذهني، لأن الأب ليسهو العامل الوحيد الذي يؤثر في الطفل، ويصوغ شخصيته ونفسيته ومسلكه، بل هناك عواملأخرى متعددة، من غرائزه وشهواته ومتطلباته التي تتحكم بواقعه وإرادته وتكوينأهدافه، وكذلك الكلمات والأفكار التي يأخذها عن والديه وعن الناس، وكذلك الزملاءالذين يختلفون في تربيتهم وفكرهم ومزاجهم وما اكتسبوه من عادات وتقاليد وأعراف، ومنالمدرسة والشارع والمجتمع، إلى غير ذلك مما يعمل في طبع عقلية الطفلوعاداته...
    لذلك لابد للولي من اعتماد منهج متوازن يبدأ من إعطائه المثل الصالح،بتركيزه من خلال النهج الذي يعتمده الولي في الحياة. فلا يمارس بعض الأساليب التيينهاه عنها حين ينهاه عن الكذب، ويكذب معه، ويمنعه عن الألفاظ الفاحشة البذيئةويطلقها أمامه، وعن الخيانة ويخون، وعن الظلم ويظلم، وأمثال ذلك مما يرتد سلباًالطفل، فيتحول إلى منافق كبير. ولابد له أيضاً من التدخل لاختيار الرفقة ليكونواممن عاش تربية أخلاقية سليمة، واختيار المدرسة، بل والكلام الذي يلقيه عليه، وماإلى ذلك مما له تأثير كبير في تكوين منهجه وعقليته وتفكيره وأسلوبه. ومن هنا نهىالنبي صلى الله عليه وسلم إحدى النساء عن وعد طفلها بشيء لا تعطيه إياه، لأنها تكون كاذبة وتعلمهالكذب في الوقت ذاته.
    سلبيات العنف
    بهذا يمكن الوصول بالطفل إلى تربية هادفة،ولا يصح اعتماد أسلوب الضرب والشتم والعنف كأسلوب من أساليب منع الطفل عن عاداتمعينة، أو أسلوب يتنافى مع المنهج الذي يراد اعتماده..
    فإن للضرب والعنف سلبياتكثيرة في كثير من الحالات:
    فهو من جهة يطبعه بطابع العنف كأسلوب من أساليبالحلول للمشاكل التي قد يواجهها في حياته، وهذا يقوده لمواجهة الكثير من التحدياتحين يتجه لعلاج أي موضوع أو قضية يفرض واقعه وحاجته علاجها. وذلك ينعكس سلباً علىمختلف حالاته، وربما تكون عاملاً من عوامل الفشل في مستقبله.
    وهو من جهة أخرىيبني نفسيته على الضغينة والحقد الذي يحمله تجاه من يعايشه من أهله، ولا سيّما حينلا يستوعب دوافع القسوة تجاهه، أو حين يجد أن الآخرين لا يفهمون حالته ولا يستوعبونواقعه.
    ومن جهة ثالثة يخلق في داخله عامل الخوف والرهبة من الآخرين، فينطلق فياتخاذ قراراته الحياتية بفعل هذا العامل الذي ربما يقوده إلى الانحراف في تبنيالقرارات في مستقبله.
    كما ربما يقوده هذا الأسلوب لممارسة دور التحدي والتمردبرفض ما يطرحه الآخرون مهما كان موضوعياً وسليماً حين يفسح له المجال للاختيار،تنفيساً عن الضغط النفسي الذي خلّفه العنف في داخله حين واجهه وعاش حالته، فيتحركمن باب الشعور بضرورة استرداد الكرامة التي امتهنت.. ولو كانت من خلال علاقتهبأبويه، وأقرب الناس إليه.
    من هنا لا مجال لاعتماد أسلوب العنف مع أبنائنا مهماكانت الدوافع؛ ففي الكثير من الحالات لا يعطي النتائج المتوخاة، بل ربما ينعكسسلباً على كل واقع حياته أو حياة الآخرين ممن يعايشه. فالعنف قد يخلق عقدة حادة فيحياته تجعل كل الواقع لديه معقداً صعباً. ومن الطبيعي أن المطلوب في مجال التربيةهو تحقيق النتائج من خلال الدخول إلى نفس الطفل وترويضها خلقياً، لا بطريقة العنف.وهذا ما اعتمدته الرسالة في منهجها، فقد ورد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من كانت له ابنةفأدّبها وأحسن أدبها وعلمها فأحسن تعليمها فأوسع عليها من نعم الله التي أسبغ عليهكانت له منعة وستراً من النار".. وقوله صلى الله عليه وسلم: "أحبوا الصبيان وارحموهم" .. وقولهصلى الله عليه وسلم: "من كان له صبي فليتصاب له" وعن عمر بن الخطاب قال: رأيت الحسن والحسين علىعاتقي رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت: نعم الفرس لكما.. فقال صلى الله عليه وسلم: ولنعم الفارسان هما..."..وقوله صلى الله عليه وسلم: "أكرموا أولادكم وأحسنوا آدابهم" إلى غير الكثير من كلمات الرسول صلى الله عليه وسلمالداعية إلى الدخول
    بناء عامل الثقة
    فمن أجل بناء روحية أبنائنا وتركيزواقعهم لابد من العمل على خلق حالة الشعور بالثقة بالنفس لدى الولد، بإشعارهبالكرامة والعزة والاحترام. فلا نحاول تعنيفه وتأنيبه أما الآخرين حتى اخوته، حينيمارس أي دور خاطئ، مع أن المفروض فيه كطفل أن يقع في ممارسة بعض الأخطاء، لأنواقعه النفسي والفكري وضيق أفقه يفرض وقوعه في مثل ذلك. ولابد من إشعاره بأخطائهبهدوء، وحين لا يستجيب لمثل هذا التصحيح يمكن التشدد في معاملته حسب ما تفرضهالضرورة، شرط إشعاره بدوافع العنف الذي مورس معه، والإيحاء له بالضرر الذي يترتبعلى سلوكه الذي عوقب عليه.
    ولابد من الإشارة إلى ضرورة التعامل بصدق مع أبنائنا،فلا نمارس معهم أسلوب الغش والخداع والكذب، لأن ذلك مرفوض تشريعياً من جانَبين:أحدهما حرمته في نفسه، وثانيهما تأديته إلى تربية الطفل على هذه الوسائل المنحرفةالتي سيتلقنها ويتطبع بها، ولا سيما حين تصدر من أبيه الذي يعتبر مثله الأعلى. كمالا يصح تهديده بما لا ننفذه من وسائل العقاب، فإن ذلك سيفقد تأثيره عليه مستقبلاً،ويجب أيضاً أن نمتنع عن ممارسة دور الهزء والسخرية به كي لا نخلق فيه الشخصيةالمهتزة الضعيفة المشوّهة..
    باختصار
    المسؤولية التي تفرضها الولاية والقيمومةترتب على الولي القيّم أن يشعر بضرورة التعامل مع من يتولى رعايته ويقوم على أمورهبأسلوب الحكمة والعدالة، فلا يتجاوز الحدود التي ترسمها الإنسانية، ويخطها التشريعالرسالي الذي يطبع أطر الحياة الصغيرة والكبيرة بطابع الحق والعدل والأخلاقيةالمتميزة، لتتحول الحياة في كل هذه الأطر إلى واقع يمثل الحنو والحب والرفق واللطف،فنعيش أجواء الرحمة ضمن واقع العدالة. هذا هو النهج الذي أراد الله سبحانه لنا أننرسمه لواقعنا الداخلي وعلاقتنا مع الأزواج والأبناء... فالله سبحانه رحيم يحبالرحماء


    منقول....
    من علامات أهل البدع: الوقيعة في أهل الأثر، كما قال الرازيان: أبو حاتم وأبو زرعة


  • yasmeen
    عضو متميز
    • Oct 2001
    • 6284

    #2
    الرد: موقف الإسلام من العنف الأسري في المجال التربوي

    جميل جدا و بناء..لمجتمع اصبح في أشد الحاجة لمثل هذه المواضيع الواعية

    ألف شكر لك والله يعطيك العافية
    [Flash=http://alfrraj***********/yasmeen.swf] width = 550 height = 170 [/flash]

    تعليق

    مواضيع مرتبطة

    Collapse

    جاري العمل...