اغتيال كاتب
لليوم الثاني على التوالي..لا يزال المطر ينهمر بشدة..وكأن الغيوم قد صبت جام غضبها على سكان البلدة...مطر كالحجارة..يكسر صمت الشوارع الساكنة..الباردة...بينما تنبض عروق السماء نورا" يخطف الأبصار...شتاء هذا العام قاس لا يعرف رحمة" و لا هدنة..
النوافذ محكمة الاغلاق..لكن نسمات الهواء القارسة تتسلل من النوافذ المتصدعة ..و من من شقوق الباب العميقة....
لم يبق لديه ما يعينه على استقبال الماء المتسلل من ثنايا السقف و حواف النوافذ..قدر’’ هنا وعاء’’ هناك..حتى أشباه الصحون التي لا يمتلك غيرها توزعت في أرجاء الغرفة...
منزله المتواضع جدا" يغرق في بحر من الظلمة وحدها شعلة نار واهنة تضيء مدفأته المتآكلة تمنح عالمه الساكن بعضا" من حرارة..
أوراقه مبعثرة في كل مكان..وكأن العاصفة انطلقت من بيته هذا... على طاولته الغالية حيث تفيض روحه ابداعا"...فوق السرير....لا شيء قد يميز المكان الا البؤس و الأوراق..
عمر من الكتابة ...أشعار .قصص..ووو...لا بد سيأتي يوم و يسطع اسمه على لائحة مشاهير الكتاب..أمل’’ لا يموت..أوراقه السجينة لم تعرف النور أبدا" ...لم يعطه أحد فرصة واحدة لتصل ابداعاته الى الناس...
بدأ البرد يتسلل الى عظامه...صوت ارتعاشه يحيي موت المكان..
تبا"...بدأت النار تخبو..سيموت من البرد ان لم يجد ما يشعلها به..
لم يبق عنده لا وقود و لا حطب...حتى أغصان شجيرته العطشى عند باب المدخل استحالت حطبا"....وقف حائرا" في وسط الغرفة...تناول بعض أوراقه المبعثرة..القى عليها نظرة سريعة ثم القى بها الى النار.
لكنها لا تكفي...أخذ يتلفت حوله حائرا"....استوقفته شهادة تخرجه المعلقة على جداره البائس...اطار خشبي مهترئ يحيط بها..انتزعها بشئء من اللامبالاة...و القى بها الى النار...جلس على كرسيه..أخذ قلمه و بدأ يكتب...لا شيء سوى الكتابة ينسيه المه و برودة عالمه..شرارة النار تتطاير في كل الأنحاء..كأنها تحتفل به..أو كأنها تعترض على شيء ما..
أنين كلماته على الورقة يكاد يسمع..رغم انعدام الترابط بين حروفه إلا انها تحمل حسا" و احدا" بالألم و الامل...
غريب..لم يعد يشعر بالبرد..حرارة غريبة سرت في جسده..و قبل ان يخط آخر كلماته..كانت النار قد تجاوزت حدود بيتها و التهمت معظم المكان...لم يحفل و لم يتحرك...ربما لم يشعر بها..لطالما كانت النار شريكة حياته..لطالما احترق بها و عاد و احترق..
في صباح اليوم التالي..لم يكن هناك ما تغير..هدوء المكان لا يزال على حاله.المطر مصرٌ على اثبات حضوره بقوة...لكن ذلك المنزل المتهاوي أضحى ركاما"....بقايا لهب..و بقايا أوراق...
انتهت القصة






تعليق