نظـام الأسـرة
في
الإسـلام
إعداد الشيخ العلاّمة:
محمد أمان بن علي الجامي
(رحمة الله عليه)
عميد كلية الحديث بالجامعة الإسلامية سابقاً
الحمد لله وصلاة الله وسلامه وبركاته على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه.
وبعد:
تلقت الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة دعوة كريمة من المجلس الأعلى لمسلمي كينيا بنيروبي للمشاركة في هذه الندوة الدينية المباركة - إن شاء الله -.
فبادرت الجامعة فلبت الدعوة، ثم طلبت إليّ الاشتراك في الندوة ممثلاً لها ببحث أقدمه فيها.فلبيت الطلب طبعاً لأنه طلب لا يرد مثله، لأن في تلبية مثل هذا الطلب مساهمة في ميدان من ميادين الدعوة إلى الله، والدعوة إلى الله من أهم أهداف الجامعة الإسلامية، ومن أجلها أنشئت.فها أنا ذا أتقدم بهذا البحث المتواضع([1]) تحت عنوان:
نظام الأسرة في الإسلام
والله أسأل أن يجعل أعمالنا خالصة لوجهه الكريم إنه خير مسؤول وأكرم معط، فأقول مستعيناً بالله وحده ..
إن للدعوة الإسلامية مجالات متعددة وأساليب مختلفة، ومن أساليبها إقامة الندوات والمؤتمرات التي يلتقي فيها رجال الفكر الإسلامي وفقهاء المسلمين ليعالجوا فيها مشكلات الوقت، ويردوا الشبهات التي تثار حول الإسلام وعقيدة المسلمين.
ويبينوا للناس أحكام الدين الإسلامي في جميع مجالات الحياة لمن يحتاجون إلى البيان - وما أكثر من يحتاجون - ليكون الناس على بينة من أمور دينهم ودنياهم ويكون ذلك على ضوء الكتاب والسنة ليخرج الناس من الظلمات إلى النور، ولا سبيل للخروج من ظلمات الجهل والجاهلية إلا بفقه الكتاب والسنة، وتلك وظيفة رسل الله عليهم الصلاة والسلام من أولهم نوح عليه السلام إلى خاتمهم وإمامهم محمد عليه من ربه أفضل الصلاة والسلام.فيقول الله تعالى مخاطباً لنبيه الكريم محمد عليه الصلاة والسلام ومبيناً لوظيفته ووظيفة أتباعه:﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً، وَدَاعِياً إِلَى اللهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجاً مُنِيراً، وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُمْ مِنَ اللهِ فَضْلاً كَبِيراً﴾[الأحزاب:47].
في هذه الآي الثلاث من سورة الأحزاب بيان لوظيفة الرسول الكريم محمد عليه الصلاة والسلام، ووظيفة أتباعه.وهي الدعوة إلى الله بإذنه وأمره وعلى بصيرة وعلم:﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾[يوسف:108].وتكليف الله نبيه بهذه الدعوة العامة التي لا تخص قومه دون غيرهم - كما هو شأن دعوة الرسل من قبله - بل هي للناس كافة ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاّ كَافَّةً لِلنَّاس﴾ [سبأ:28].
وهذا التكليف له ولأتباعه يثبت له ثم لأتباعه أن يكونوا شهداء على الناس جميعاً.وهذا يعني أن الرسالة المحمدية هي المهيمنة على جميع الأديان السابقة، فدينه هو النظام الأخير الذي لا يسع أحدا من البشر إلا اتباعه ولا تجوز مخالفته.وهو نظام رباني كامل؛ لأن الله الذي خلق هذا الكائن الممتاز (الإنسان) لا يليق بحكمته أن يتركه هملا دون أمر أو نهي أو توجيه، بل يسلمه للفوضى ليتخبط خبط عشواء، يحلل ويحرم كما يهوى أو يشاء أو يعبد ما يريد كلا، بل نظم له حياته وعلاقاته المتنوعة وأرسل رسله لهذا الغرض ذاته، وأنزل عليهم كتبه، وخاتم رسله محمدٌ عليه الصلاة والسلام إذ لا نبي بعده، وآخر كتبه القرآن الكريم إذ لا كتاب بعده وبيان ذلك الكتاب وتفسيره في السنة المطهرة ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل:44]، وبهذا كله نظم الإسلام علاقة العبد بربه وخالقه بحيث يصبح عبدا له وحده يعبده دون غيره .. يعبده بعبادة منظمة مضبوطة بضوابط الشرع، تولى القرآن تنظيمها جملة أو تفصيلا، وشرحتها السنة المطهرة وزادتها بياناً وتوضيحا، على اختلاف درجاتها وشعبها الكثيرة إذ يقول الرسول عليه الصلاة والسلام: «الإيمان بضع وستون شعبة، أعلاها قول لا إله إلا الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق والحياء شعبة من الإيمان».وهذه الشعب كلها عبادات وطاعات، على تفاوتها.
وجميع العبادات يجب أن تكون مقيدة بشريعة الله التي تؤخذ رأساً من كتاب الله وسنة رسوله عليه الصلاة والسلام، وخاضعة لأحكامه، وسلوك العبد هذا المسلك في جميع عباداته ومعاملاته وجميع تصرفاته هو الذي نعنيه بالعلاقة بين العبد وربه وهي العبودية الخالصة، وحقيقتها ألا يفقد الرب عبده حيث أمره ولا يجده حيث نهاه، وإن هفى أحياناً وخالف أمر ربه بادر بالتوبة والرجوع إلى الصواب، ليمحو أثر مخالفته وعصيانه بالتوبة والإنابة؛ لأن التوبة تجب ما قبلها، ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللهِ جَمِيعاً أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾[النور:31].
هكذا نظم الإسلام - بالإختصار - علاقة العبد بربه وخالقه، فكما نظم هذه العلاقة على الوجه الذي ذكرنا، كذلك اهتم الإسلام بتنظيم الأسرة.
وقد حث الإسلام على إنشاء مؤسسة الأسرة بتشريعه الزواج وحثه عليه مبيناً أن الزواج سكونٌ للنفس للطرفين وهدوء لهما وراحة للجسد، وطمأنينة للروح وامتداد للحياة إلى آخر مطافها.
فلنستمع الآن إلى بعض الآيات القرآنية في هذه المعاني: إذ يقول الله تعالى وهو يحث عباده على الزواج: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ﴾ [النساء:3]. ويقول: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾ [الروم:21] وحيث يقول: ﴿هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ﴾ [البقرة:187]، ويقول: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ وَقَدِّمُوا لأَنْفُسِكُمْ وَاتَّقُوا اللهَ﴾[البقرة:223].
هكذا يتحدث القرآن عن مؤسسة الأسرة في عديد من الآيات، وبأساليب مختلفة كما رأينا وكما نسمع مرة أخرى آية سورة النساء التي تبين أن طرفي هذه المؤسسة خلقا من نفس واحدة وكأنهما شطران لنفس واحدة فلا فضل لأحد الشطرين على الآخر في أصل الخلقة ومن حيث العنصر وإنما يحصل التفاضل بينهما بأمور خارجية ومقومات أخرى غير ذاتية وصفات مكتسبة إذ يقول الله تعالى في هذا المعنى:﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً﴾[النساء:1]. هكذا يحث الإسلام على إنشاء الأسرة لتكون امتدادا للحياة وراحة للطرفين.
أهداف الزواج في الإسلام:
التشريع الإسلامي تشريع حكيم، وله هدف ومغزى ..
فالله تعالى من أسمائه: (الحكيم) لذا يجب أن نعتقد جازمين أنه تعالى حكيم في تشريعه كما هو حكيم في خلقه وصنعه.
فحكم تشريع الزواج تكمن في الأمور التالية:
أ –غض البصر من الطرفين، وقد اهتم الإسلام في قرآنه وسنة النبي الكريم صلى الله عليه وسلم بهذا الأمر، يقول الله تعالى: وهو يأمر الرجال والنساء معاً بغض البصر: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ، وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ﴾[النور:30-31].
والتساهل في مسألة غض البصر يؤدي إلى الانزلاق الخلقي كما هو مشاهد في أكثر مدننا وعواصمنا الإسلامية ـ وللأسف الشديد.
ب –حفظ الفرج، وقد تناولت الآيات التي تقدم ذكرها قريباً الأمر بحفظ الفرج مع الأمر بغض البصر، ولعل الأول ينتج الثاني بمعنى أن غض البصر ينتج حفظ الفرج في الغالب الكثير، لأن من تمكنت منه مراقبة الله تعالى فلازم غض بصره خوفاً من الله وحياء منه سوف يحفظ فرجه عما حرمه الله عليه ولا يقع في الفاحشة.وقد صح عنه عليه الصلاة والسلام قوله: «العينان تزنيان وزناهما النظر، والأذنان تزنيان وزناهما السماع» إلى أن قال: «والفرج يصدق ذلك أو يكذبه».
ج –الحصول على النسل الذي هو لبنة في بناء المجتمع وسبب إكثار أتباع خاتم الأنبياء والمرسلين.
ويزيد الأمر وضوحاً الحديث الذي رواه البخاري في صحيحه عن عبد الله بن مسعود والذي يخاطب فيه الرسول الكريم عليه الصلاة والسلام شباب المسلمين بذلك الأسلوب الرقيق ليرشدهم إلى ما فيه صلاحهم ونجاتهم إذ يقول عليه الصلاة والسلام:«يا معشر الشباب من استطاع الباءة منكم فليتزوج، فإنه أغض للبصر وأحفظ للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء». وعند البيهقي من حديث أبي أمامة «تزوجوا فإني مكاثرٌ بكم الأمم».
وقد تقدمت بعض المعاني التي يمكن أن تعد من أهداف الزواج كالهدوء وراحة النفس مثلاً.
وقد يخطئ الذين يظنون أن الغرض من الزواج هو الحصول على اللذة والمتعة كيفما تيسرت، وليس وراء ذلك غرض آخر، وهذا التصور الخاطئ قد أوقع كثيراً من الشباب في مهالك خطيرة وسقوط في الخلق والانحطاط، مما جعل حياة عديد منهم في كثير من البلدان شبيهة بحياة الحيوانات التي ليس عليها قلم التكليف بل هم أضل سبيلاً وأسوأ حالا.
من يتولى إدارة مؤسسة الأسرة؟
إن الإسلام لم يهمل هذه المؤسسة وبيان من يرأسها، أو من أولى الناس لتحمل مسؤليتها.والذي يتضح من دراسة الإسلام أن الاختصاصات أو الصلاحيات موزعة بين الطرفين، والواجبات محددة، ولكل جانب خاص هو مسئول عنه:للرجل اختصاصات لا تشاركه فيها المرأة ولا تقوى على الإضطلاع بمهمتها وسياستها، وللمرأة اختصاصات لا يصلح لها الرجل ولا يحس القيام بها..
فمحاولة أحد الطرفين التدخل في اختصاص الطرف الآخر يعرض المؤسسة للارتباك والاضطراب ويسلمها للفوضى.فلنستمع إلى بعض الآيات القرآنية وهي تنظم حياة الأسرة وتحدد المسئوليات فتعطي الرجل القوامة والإدارة حيث يقول الله عز وجل:﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللهُ﴾[النساء:34].
فالآية صريحة في إعطاء الرجل إدارة المؤسسة، والقوامة عليها كما ترى ولم تهمل الآية بيان السبب، بل بينت إذ يقول الله عز وجل: ﴿بِمَا فَضَّلَ اللهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾، ثم إنه مما لا نزاع فيه أن أي مؤسسة أو شركة إنما ينتخب لإرادتها من لديه دراية وخبرة وقوة على الإدارة، وعلى الصبر على العمل، وحنكة في سياسة طبيعة العمل، ومؤسسة الأسرة من أعم المؤسسات وأخطرها على الإطلاق؛ إذ بصلاحها يصلح المجتمع، وبفسادها يفسد المجتمع؛ لأنها هي التي تقدم للمجتمع أفراداً هم لبنات المجتمع، والبناء إنما يكتسب صفاته من مواد البناء قوة وضعفاً.
لهذا كله حمّل الإسلام الرجل هذه المهمة، وهي أمانة ثقيلة لأنه أليق بها وأقوى على أدائها، والمرأة المنصفة تعترف بذلك.يقول الأستاذ محمد الغزالي في كتابه: (حقوق الإنسان في الإسلام).
"ولما كان الرجل بعيداً عن مشاغل الحيض والنفاس والحمل والرضاع كان أجلد على ملاقات الصعاب ومعانات الحرف المختلفة، وكان الضرب في الأرض ابتغاء الرزق ألصق به هو، ومن ثم فقد كلفه الإسلام الإنفاق على زوجته وعلى قرابته الإناث الفقيرات" اهـ.
ما ذكره الأستاذ الغزالي جانب مهم ومعقول لترشيح الرجل لهذه المهمة مهمة القوامة. وهناك جوانب أخرى تبدو عند التأمل في بعض النواحي وهي كثيرة، نكتفي بهذه الإشارة اقتصاداً في الوقت:

تعليق