[[font=Times New Roman]COLOR=indigo][SIZE=3][ALIGN=CENTER][B]
يزيد بن معاوية وحكام عصرنا
[الكاتب: هاني السباعي]
تقدمة:
كتب السيد: محمد الشنقيطي مدير المركز الإسلامي في تكساس بأمريكا تعليقاً على تعقيب شاب جزائري كتب بتاريخ [18 أكتوبر 2002] يعاتب الأستاذ الدكتور محمد عباس على تشبيهه الحكام المعاصرين بيزيد بن معاوية.
ثم في العدد التالي مباشرة لجريدة الشعب بتاريخ [25/10/2002م] كتب الأستاذ محمد الشنقيطي رداً على هذا الشاب المسكين حيث افتتح مقالته بقول الله تعالى {رب بما أنعمت علي فلن أكون ظهيراً للمجرمين}، ثم طفق يستعرض بعض أقوال علماء السنة في يزيد بن معاوية وخاصة استشهاده بكلام شيخ الإسلام ابن تيمية.
لكن الذي أثار حفيظتي طريقة السيد الشنقيطي وهو يمتطي قلمه مستعرضاً بهذه النتف التي ابتسرها من أقوال ابن تيمية وبعض المرويات المنسوبة للإمام أحمد حيث يقول: (استغربت تعليق أخينا من الجزائر الذي حاول الدفاع عن يزيد بن معاوية.. وكأنه لم يطلع على ما كتبه أعلام السنة!!).
فلما قرأت هذه العبارة حوقلت واسترجعت وقلت لنفسي: ليت الأستاذ الشنقيطي نقل كلام علماء أعلام السنة كاملاً.. لكنه للأسف نقلها على طريقة {فويل للمصلين}!!
ثم يقول أيضاً بقلم يقطر استعلاء وعنجهية علمية: ( وهذه ظاهرة للأسف بين بعض الشباب المتدين الذين تصاغ أفكارهم من وراء ستار على أيدي الحكام الظلمة، الباحثين عن شرعية لظلمهم في التاريخ الإسلامي والشرع الإسلامي )!!
أقول: هؤلاء الشباب هم أكثر الناس فهما لطريقة السلف الصالح وهم أكثر الناس ولاء لدينهم وأكثرهم براءة من الحكام الظالمين الباحثين عن شرعية لظلمهم..
هؤلاء الشباب هم الذين قاموا بالواجب الشرعي يوم أن قعد الناس..
هؤلاء الشباب تجدهم بين طريد وسجين وقتيل.. سل قوافل الشهداء وهي تخرج من فم التنين!! من الذي جاء بها إلى هذ السلخانات حيث الهول والتعذيب..
صدق القائل: رمتني بدائها وانسلت!!
بعد هذه التقدمة، أود أن ألخص ردي عبر النقاط التالية:
أولاً: النصوص التي اعتمد عليها الشنقيطي.
ثانياً: ردي على الشنقيطي من خلال نقل أقوال علماء السنة وخاصة ابن تيمية من نفس المراجع التي اعتمد عليها الشنقيطي.
ثالثا: أقوال بعض علماء السنة السنة في قضية يزيد بن معاوية.
رابعاً: صفوة القول.
أولاً: النصوص التي اعتمد عليها الشنقيطي:
ثم شرع الأستاذ الشنقيطي في حجته البالغة التي أراد بها أن يفحم أخانا الجزائري!! قائلاً: (وفيما يلي بعض الإيضاحات لفظائع يزيد ومكانته، لدى من لا يُتهمون بالتشيع أو التطاول على أهل الصدر الأول، عسى أن تكون فيها عبرة..
"قال صالح بن أحمد [بن حنبل]: قلت لأبي: إن قوما يقولون إنهم يحبون يزيد، فقال: يا بني، وهل يحب يزيد أحد يؤمن بالله واليوم الآخر؟" [1].
وقد رفض الإمام أحمد رواية الحديث عن يزيد لظلمه وجوره.
قال الحافظ ابن الجوزي: "أسند يزيد بن معاوية الحديث، فروى عن أبيه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإسنادنا إليه متصل. غير أن الإمام أحمد سئل: أيُروى عن يزيد الحديث؟ فقال: لا ولا كرامة. فلذلك امتنعنا أن نسند إليه" [2].
وزاد ابن تيمية: ( قال: لا، ولا كرامة أوليس هو الذي فعل بأهل المدينة ما فعل؟ ) [3].
وقال الحافظ الذهبي: "كان [يزيد] قويا شجاعا، ذا رأي وحزم، وفطنة وفصاحة، وله شعر جيد.وكان ناصبيا فظا غليظا جلفا، يتناول المسكر، ويفعل المنكر. افتتح دولته بمقتل الشهيد الحسين، واختتمها بواقعة الحرة. فمقته الناس ولم يبارَك في عمره، وخرج عليه غير واحد بعد الحسين، كأهل المدينة قاموا له، وكمرداس بن أدية الحنظلي البصري، ونافع بن الأزرق، وطواف بن معلى السدوسي، وابن الزبير بمكة" [4].
ورغم امتناع أغلب علماء السنة من لعن المعين، تنزيها للسان عن فحشاء القول، فقد رأى بعض أهل العلم أن لا بأس بلعن يزيد بن معاوية "وهو رواية عن أحمد بن حنبل اختارها الخلال وأبو بكر عبد العزيز والقاضي أبو يعلى وابنه القاضي أبو الحسن. وانتصر لذلك أبو الفرج بن الجوزي في مصنف مفرد وجوز لعنته" [5].
وممن نحوا هذا النحو أيضا "الكيا الهرَّاس" [6].
ومستند هؤلاء أن يزيد داخل في أحاديث كثيرة وردت بلعن من آذى أهل المدينة.
ومنها قول رسول الله صلى الله عليه وسلم:
"من أخاف أهل المدينة ظلما أخافه الله، وعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لا يقبل الله منه يوم القيامة صرفا ولا عدل"[7].
"اللهم من ظلم أهل المدينة وأخافهم فأخفْه، وعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لا يُقبل منه صرف ولا عدل" [8].
"من أخاف أهل المدينة فقد أخاف ما بين جنبيَّ" [9].
"اللهم اكفهم من دهمهم ببأس – يعني أهل المدينة – ولا يريدها أحد إلا أذابه الله كما يذوب الملح في الماء" [10].
وقد استباح يزيد مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم ( فصار عسكره في المدينة ثلاثا، يقتلون وينهبون، ويفتضون الفروج المحرمة.
ثم أرسل جيشا إلى مكة المشرفة، فحاصروا مكة، وتوفي يزيد وهم محاصرون مكة، وهذا من العدوان والظلم الذي فُعل بأمره ) [11].
أقول: كانت هذه أقوال بعض العلماء التي ذكرها الأستاذ محمد الشنقيطي..
ثم أنتقل الآن إلى الرد على هذه الفقرات...
ثانياً: ردي على الشنقيطي من خلال نقل أقوال علماء السنة وخاصة ابن تيمية من نفس المراجع التي اعتمد عليها الشنقيطي:
(أ): كلام ابن تيمية من مجموع الفتاوى: " افترق الناس في يزيد بن معاوية بن أبي سفيان ثلاث فرق: طرفان ووسط: فأحد الطرفين قالوا: إنه كان كافرًا منافقًا، وأنه سعى في قتل سبط رسول اللّه، تَشَفِّيًا من رسول اللّه صلى الله عليه وسلم، وانتقامًا منه، وأخذًا بثأر جده عتبة، وأخي جده شيبة، وخاله الوليد بن عتبة، وغيرهم ممن قتلهم أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم بيد علي بن أبي طالب وغيره يوم بدر وغيرها، وقالوا: تلك أحقاد بدرية، وآثار جاهلية، وأنشدوا عنه:
لما بدت تلك الحمول وأشرفت تلك الرؤوس على ربي
جيرون نعق الغراب، فقلت نح أولا تنح فلقد قضيت من النبي ديوني
وقالوا: إنه تمثل بشعر ابن الزَّبَعْرى الذي أنشده يوم أحد:
ليت أشياخي ببدر شهدوا جزع الخزرج من وقع الأسل
قد قتلنا الكثير من أشياخهم وعدلناه ببدر فاعتدل
وأشياء من هذا النمط. وهذا القول سهل على الرافضة الذين يكفرون أبا بكر، وعمر، وعثمان، فتكفير يزيد أسهل بكثير.
والطرف الثاني: يظنون أنه كان رجلًا صالحًا وإمام عدل، وأنه كان من الصحابة الذين ولدوا على عهد النبي صلى الله عليه وسلم، وحمله على يديه وبرَّك عليه، وربما فضله بعضهم على أبي بكر وعمر، وربما جعله بعضهم نبيًا، ويقولون عن الشيخ عدي، أو حسن المقتول كذبًا عليه : إن سبعين وليًا صرفت وجوههم عن القبلة لتوقفهم في يزيد.
وهذا قول غالية العدوية والأكراد ونحوهم من الضلال، فإن الشيخ عديًا كان من بني أمية، وكان رجلًا صالحًا عابدًا فاضلًا، ولم يحفظ عنه أنه دعاهم إلا إلى السنة التي يقولها غيره كالشيخ أبي الفرج المقدسي، فإن عقيدته موافقة لعقيدته، لكن زادوا في السنة أشياء كذب وضلال، من الأحاديث الموضوعة والتشبيه الباطل، والغلو في الشيخ عدي وفي يزيد، والغلو في ذم الرافضة، بأنه لا تقبل لهم توبة، وأشياء أخر.
وكلا القولين ظاهر البطلان عند من له أدنى عقل وعلم بالأمور وسير المتقدمين؛ ولهذا لا ينسب إلى أحد من أهل العلم المعروفين بالسنة، ولا إلى ذي عقل من العقلاء الذين لهم رأي وخبرة.
والقول الثالث: أنه كان ملكًا من ملوك المسلمين، له حسنات وسيئات، ولم يولد إلا في خلافة عثمان، ولم يكن كافرا، ولكن جرى بسببه ما جرى من مصرع الحسين، وفعل ما فعل بأهل الحرة، ولم يكن صاحبًا ولا من أولياء اللّه الصالحين، وهذا قول عامة أهل العقل والعلم والسنة والجماعة.
ثم افترقوا ثلاث فرق: فرقة لعنته، وفرقة أحبته، وفرقة لا تسبه ولا تحبه، وهذا هو المنصوص عن الإمام أحمد، وعليه المقتصدون من أصحابه وغيرهم من جميع المسلمين" [12].
أما عن رواية الإمام أحمد التي يستند إليها الشنقيطي.. من أن الإمام أحمد نهى أن يكتب عن يزيد بن معاوية الحديث لأنه فعل بأهلها ما فعل.. فما علاقة ذلك برواية الحديث؟
فالإمام أحمد لم يكن يكتب الحديث عن بعض أهل العلم والورع نظراً لمخالفتهم لشروطه التي اشترطها على نفسه.. بل إن سؤال صالح بن الإمام أحمد (هل يذكر عنه الحديث؟) يدل على أنهم جميعاً لم يكفروه وكانوا مختلفين في رواية الحديث عنه.
ورغم ذلك يقول ابن تيمية: " قال صالح بن أحمد: قلت لأبي: إن قومًا يقولون: إنهم يحبون يزيد، فقال: يا بني، وهل يحب يزيد أحد يؤمن باللّه واليوم الآخر؟ فقلت: يا أبت، فلماذا لا تلعنه؟ فقال: يا بني، ومتى رأيت أباك يلعن أحدًا.
وقال مهنا: سألت أحمد عن يزيد بن معاوية بن أبي سفيان. فقال: هو الذي فعل بالمدينة ما فعل. قلت: وما فعل؟ قال: قتل من أصحاب رسول اللّه صلى الله عليه وسلم وفعل. قلت: وما فعل؟ قال: نهبها. قلت: فيذكر عنه الحديث؟ قال: لا يذكر عنه حديث.
وهكذا ذكر القاضي أبو يعلى وغيره. وقال أبو محمد المقدسي لما سئل عن يزيد: فيما بلغني لا يُسَبّ ولا يُحَبّ.
وبلغني أيضًا أن جدنا أبا عبد اللّه بن تيمية سئل عن يزيد. فقال: لا تنقص ولا تزيد. وهذا أعدل الأقوال فيه وفي أمثاله وأحسنها" [13].
مسألة سب ولعن يزيد:
يقول ابن تيمية: " أما ترك سبه ولعنته، فبناء على أنه لم يثبت فسقه الذي يقتضي لعنه، أو بناء على أن الفاسق المعين لا يلعن بخصوصه، إما تحريمًا، وإما تنزيهًا.
فقد ثبت في صحيح البخاري عن عمر في قصة (حمار) الذي تكرر منه شرب الخمر وجلده لما لعنه بعض الصحابة، قال النبي صلى الله عليه وسلم: (لا تلعنه، فإنه يحب اللّه ورسوله) وقال: (لَعْنُ المؤمِن كقتله). متفق عليه.
هذا مع أنه قد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه لعن الخمر وشاربها، فقد ثبت أن النبي لعن عمومًا شارب الخمر، ونهى في الحديث الصحيح عن لعن هذا المعين.
وهذا كما أن نصوص الوعيد عامة في أكل أموال اليتامى، والزاني، والسارق، فلا نشهد بها عامة على معين بأنه من أصحاب النار؛ لجواز تخلف المقتضَى عن المقتضِي لمعارض راجح؛ إما توبة، وإما حسنات ماحية، وإما مصائب مكفرة، وإما شفاعة مقبولة، وإما غير ذلك كما قررناه في غير هذا الموضع، فهذه ثلاثة مآخذ.
ومن اللاعنين من يرى أن ترك لعنته مثل ترك سائر المباحات من فضول القول، لا لكراهة في اللعنة. وأما ترك محبته، فلأن المحبة الخاصة إنما تكون للنبيين، والصديقين، والشهداء والصالحين، وليس واحدًا منهم، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (المرء مع من أحب).. ومن آمن باللّه واليوم الآخر، لا يختار أن يكون مع يزيد، ولا مع أمثاله من الملوك، الذين ليسوا بعادلين.
ولترك المحبة مأخذان: أحدهما: أنه لم يصدر عنه من الأعمال الصالحة ما يوجب محبته، فبقى واحدًا من الملوك المسلطين، ومحبة أشخاص هذا النوع ليست مشروعة، وهذا المأخذ، ومأخذ من لم يثبت عنده فسقه اعتقد تأويلًا.
والثاني: أنه صدر عنه ما يقتضى ظلمه وفسقه في سيرته، وأمر الحسين وأمر أهل الحرة.
وأما الذين لعنوه من العلماء كأبي الفرج ابن الجوزي، والكياالهراس وغيرهما، فلما صدر عنه من الأفعال التي تبيح لعنته، ثم قد يقولون: هو فاسق، وكل فاسق يلعن.
وقد يقولون بلعن صاحب المعصية وإن لم يحكم بفسقه، كما لعن أهل صفين بعضهم بعضًا في القنوت، فلعن علي وأصحابه في قنوت الصلاة رجالًا معينين من أهل الشام؛ وكذلك أهل الشام لعنوا، مع أن المقتتلين من أهل التأويل السائغ العادلين، والباغين لا يفسق واحد منهم، وقد يلعن لخصوص ذنوبه الكبار، وإن كان لا يعلن سائر الفساق، كما لعن رسول اللّه صلى الله عليه وسلم أنواعًا من أهل المعاصي، وأشخاصًا من العصاة، وإن لم يلعن جميعهم، فهذه ثلاثة مآخذ للعنته" [14].
أما الذين يرون حب يزيد:
يقول عنهم ابن تيمية: "وأما الذين سوغوا محبته أو أحبوه، كالغزالي، والدستي فلهم مأخذان:
أحدهما: أنه مسلم ولي أمر الأمة على عهد الصحابة وتابعه بقاياهم، وكانت فيه خصال محمودة، وكان متأولًا فيما ينكر عليه من أمر الحرة وغيره، فيقولون: هو مجتهد مخطئ، ويقولون: إن أهل الحرة هم نقضوا بيعته أولًا، وأنكر ذلك عليهم ابن عمر وغيره، وأما قتل الحسين فلم يأمر به ولم يرض به، بل ظهر منه التألم لقتله، وذم من قتله، ولم يحمل الرأس إليه، وإنما حمل إلى ابن زياد.
والمأخذ الثاني: أنه قد ثبت في صحيح البخاري عن ابن عمر؛ أن رسول اللّه صلى الله عليه وسلم قال: (أول جيش يغزو القسطنطينية مغفور له) وأول جيش غزاها كان أميره يزيد.
والتحقيق أن هذين القولين يسوغ فيهما الاجتهاد؛ فإن اللعنة لمن يعمل المعاصي مما يسوغ فيها الاجتهاد، وكذلك محبة من يعمل حسنات وسيئات، بل لا يتنافى عندنا أن يجتمع في الرجل الحمد والذم، والثواب والعقاب، كذلك لا يتنافى أن يصلى عليه ويدعى له، وأن يلعن ويشتم أيضًا باعتبار وجهين. فإن أهل السنة متفقون على أن فساق أهل الملة وإن دخلوا النار، أو استحقوا دخولها فإنهم لابد أن يدخلوا الجنة، فيجتمع فيهم الثواب والعقاب، ولكن الخوارج والمعتزلة تنكر ذلك، وترى أن من استحق الثواب لا يستحق العقاب، ومن استحق العقاب لا يستحق الثواب.
والمسألة مشهورة، وتقريرها في غير هذا الموضع" [15].
سؤال الوزير المغولي لابن تيمية عن يزيد: " وبذلك أجبت مقدم المغل بولاي؛ لما قدموا دمشق في الفتنة الكبيرة، وجرت بيني وبينه وبين غيره مخاطبات، فسألني فيما سألني: ما تقولون في يزيد؟ فقلت: لا نسبه ولا نحبه، فإنه لم يكن رجلًا صالحًا فنحبه، ونحن لا نسب أحدًا من المسلمين بعينه، فقال: أفلا تلعنونه؟ أما كان ظالمًا؟
أما قتل الحسين؟ فقلت له: نحن إذا ذكر الظالمون كالحجاج بن يوسف وأمثاله نقول كما قال اللّه في القرآن: ( ألا لعنة الله على الظالمين ) ولا نحب أن نلعن أحدًا بعينه، وقد لعنه قوم من العلماء، وهذا مذهب يسوغ فيه الاجتهاد، لكن ذلك القول أحب إلينا وأحسن. وأما من قتل الحسين أو أعان على قتله، أو رضى بذلك، فعليه لعنة اللّه والملائكة والناس أجمعين، لا يقبل اللّه منه صَرْفًا ولا عَدْلًا.
قال: فما تحبون أهل البيت؟
قلت: محبتهم عندنا فرض واجب يؤجر عليه، فإنه قد ثبت عندنا في صحيح مسلم عن زيد بن أرقم قال: خطبنا رسول اللّه صلى الله عليه وسلم بغَدِير يدعى: خمّا، بين مكة والمدينة فقال: (أيها الناس، إني تارك فيكم الثقلين كتاب اللّه)، فذكر كتاب اللّه وحض عليه، ثم قال: (وعِتْرَتِي أهل بيتي، أذكركم اللّه في أهل بيتي، أذكركم اللّه في أهل بيتي).
قلت لمقدم: ونحن نقول في صلاتنا كل يوم: اللهم صل على محمد، وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم، إنك حميد مجيد، وبارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على آل إبراهيم، إنك حميد مجيد.
قال مقدم: فمن يبغض أهل البيت؟
قلت: من أبغضهم فعليه لعنة اللّه والملائكة والناس أجمعين، لا يقبل اللّه منه صرفًا ولا عدلا.
ثم قلت للوزير المغولي: لأي شىء قال عن يزيد وهذا تتريٌ؟
قال: قد قالوا له: إن أهل دمشق نواصب.
قلت بصوت عال: يكذب الذي قال هذا، ومن قال هذا، فعليه لعنة اللّه، واللّه ما في أهل دمشق نواصب، وما علمت فيهم ناصبيًا، ولو تنقص أحد عليا بدمشق، لقام المسلمون عليه، لكن كان قديمًا لما كان بنو أمية ولاة البلاد بعض بني أمية ينصب العداوة لعليّ ويسبه، وأما اليوم فما بقى من أولئك أحد" [16].
أقول: اكتفينا بهذا المقدار من نقل كلام ابن تيمية من مجموع الفتاوى الكبرى ليستقيم النص المنقول كاملاً أمام القارئ وليعلم عدم انضباط الأستاذ الشنقيطي بالمنهج العلمي السليم في نقل أقوال العلماء.
وها نحن أولاْ ننتقل إلى مرجع آخر استند إليه الأستاذ الشنقيطي وهو كتاب منهاج السنة لابن تيمية سننقل منه مثلما نقل لستتقيم الفكرة لدى القارئ المقارن للمقالتين أو للنقلين:
(ب): كلام ان تيمية من منهاج السنة:
كان ابن تيمية يجيب في هذا الكتاب على كتاب منهاج الكرامة لابن المطهر الحلي الفقيه الشيعي الشهير المتوفى سنة 726هـ أي قبل وفاة ابن تيمية بسنتين..
وقد ذكر ابن المطهر شبهات كثيرة يهاجم فيها أهل السنة مما دفع ابن تيمية للرد عليه وكان من ضمن الشبهات موضوع بيعة يزيد بن معاوية ولعنه واستدلال ابن المطهر لحديث الإمام أحمد المذكور مع تحريف في النص.
والعجيب أن الشنقيطي سار على نهج ابن المطهر الحلي وأغفل إجابة ابن تيمية رغم أنه ينتسب إلى هذا التيار السلفي الذي يزعم اتباعه لمدرسة ابن تيمية وليس هذا فحسب بل إنه أغفل ردود ابن تيمية على دعاوى ابن المهر من سبي أهل المدينة واستباحة فروج العفيفات.
وبعد هذا التنبيه نرجع إلى ما قاله ابن تيمية في منهاج السنة:
القول في لعن يزيد بن معاوية:
"القول في لعنة يزيد كالقول في لعنة أمثاله من الملوك الخلفاء وغيرهم، ويزيد خيرٌ من غيره: خيرٌ من المختار بن أبي عبيد الثقفي أمير العراق، الذي أظهر الإنتقام من قتلة الحسين؛ فإن هذا ادعى أن جبريل يأتيه. وخير من الحجاج بن يوسف؛ فإنه أظلم من يزيد باتفاق الناس.
ومع هذا فيُقال: غاية يزيد وأمثاله من الملوك أن يكونوا فساقاً، فلعنة الفاسق المعيّّن ليست مأموراً بها، إنما جاءت السنة بلعنة الأنواع، كقول النبي صلى الله عليه وسلم: (لعن الله السارق؛ يسرق البيضة فتقطع يده).
وقوله: (لعن الله من أحدث حدثاً أو آوى محدثاً).
وقوله (لعن الله آكل الربا وموكله وكاتبه وشاهديه) وقوله: (لعن الله المحلل والمحلل له).
(ولعن الله الخمر وعاصرها ومعتصرها، وحاملها والمحمولة إليه، وساقيها، وشاربها، وآكل ثمنها)." [17].
اختلاف العلماء في لعن الفاسق المعين:
يقول ابن تيمية: "وقد تنازع الناس في لعنة الفاسق المعيّن؛ فقيل: إنه جائز، كما قال ذلك طائفة من أصحاب أحمد وغيرهم، كأبي الفرج بن الجوزي وغيره.
وقيل: إنه لا يجوز، كما قال ذلك طائفة أخرى من أصحاب أحمد وغيرهم، كأبي بكر عبد العزيز وغيره. والمعروف عن أحمد كراهة لعن المعين، كالحجاج بن يوسف وأمثاله، وأن يقول كما قال الله تعالى: (ألا لعنة الله على الظالمين).
وقد ثبت في صحيح البخاري أن رجلاً كان يدعى حماراً، وكان يشرب الخمر، وكان يؤتى به إلى النبي صلى الله عليه وسلم فيضربه، فأُتي به إليه، فقال رجل: لعنه الله ما أكثر ما يؤتى به إلى النبي صلى الله عليه وسلم. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (لا تلعنه، فإنه يحب الله ورسوله).
فقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن لعنة هذا المعين الذي كان يكثر شرب الخمر معللاً ذلك بأنه يحب الله ورسوله، مع أن النبي صلى الله عليه وسلم لعن شارب الخمر مطلقاً، فدل ذلك على أنه يجوز أن يُلعن المطلق ولا تجوز لعنة المعيَّن الذي يحب الله ورسوله).
ومن المعلوم أن كل مؤمن فلا بد أن يحب الله ورسوله، ولكن في المظهرين للإسلام من هم منافقون، فأولئك ملعونون لا يحبون الله ورسوله، ومن علم حال الواحد من هؤلاء لم يصل عليه إذا مات، لقوله تعالى: (ولا تصل على أحد منهم مات أبداً ولا تقم على قبره)" [18].
هل يجتمع في حق الشخص الواحد ثواب وعقاب:
يقول ابن تيمية: "ومن جوّذز من أهل السنة والجمااعة لعنة الفاسق المعين؛ فإنه يقول: يجوز أن أصلي عليه وأن ألعنه، فإنه مستحق للثواب، مستحق للعقاب، فالصلاة عليه لا ستحقاقه الثواب، واللعنة له لا ستحقاقه العقاب.
واللعنة البعد عن الرحمة، والصلاة عليه سبب للرحمة، فيُرحم من وجه، ويبعد عنها من وجه.
وهذا كله على مذهب الصحابة والتابعين لهم بإحسان، وسائر أهل السنة والجماعة، ومن يدخل فيهم من الكرّامية والمرجئة والشيعة، ومذهب كثير من الشيعة الإمامية وغيرهم، الذين يقولون: إن الفاسق لا يخلد في النار.
وأما من يقول بتخليده في النار كالخوارج والمعتزلة وبعض الشيعة، فهؤلاء عندهم لا يجتمع في حق الشخص الواحد ثواب وعقاب" [19].
ويصل ابن تيمية إلى بيت القصيد قائلاً: "وقد استفاضت السنة النبوية بأنه يخرج من النار قوم بالشافاعة، ويخرج منها من كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان.
وعلى هذا الأصل فالذي يجوّز لعنة يزيد وأمثاله يحتاج إلى شيئين: إلى ثبوت أنه كان من الفساق الظالمين الذين تباح لعنتهم، وأنه مات مصراً على ذلك.
والثاني: أن لعة المعيّن من هؤلاء جائزة.
والمنازع يطعن في المقدمتين، ولا سيما الأولى" [20].
ويتكلم ابن تيمية عن الإحتجاج بآية سورة هود قائلاً: "فأما قوله تعالى: (ألا لعنة الله على الظالمين) فهي آية عامة كآيات الوعيد، بمنزلة قوله تعالى: (إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلماً إنما يأكلون أموال اليتامى ظلماً إنما يأكلون في بطونهم ناراً وسيصلون سعيراً).
وهذا يقتضي أن هذا الذنب سبب اللعن والعذاب، ولكن قد يرتفع موجبه لمعارض راجح: إما توبة، وإما حسنات ماحية، وإما مصائب مكفرة.
فمن أين يعلم الإنسان أن يزيد أو غيره من الظلمة لم يتب من هذه؟ أو لم تكن له حسنات ماحية تمحو ظلمه؟ ولم يبتل بمصائب تكفِّر عنه؟ وأن الله لا يغفر له ذلك مع قوله تعالى: (إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذللك لمن يشاء).
وقد ثبت في صحيح الباخاري عن ابن عمر رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (أول جيش يغزو القسطنطينية مغفور لهم). وأول جيش غزاها كان أميرهم يزيد، والجيش عدد معين لا مطلق، وشمول المغفرة لآحاد هذا الجيش أقوى من شمول اللعنة لكل واحد من الظالمين، فإن هذا أخصّ، والجيش معيّنون.
ويقال: إن يزيد غزا القسطنطينية لأجل هذذا الحديث.
ونحن نعلم أم أكثر المسلمين لا بد لهم من ظلم، فإن فتح هذا الباب ساغ أن يُلعن أكثر موتى المسلمين. والله تعالى أمر بالصلاة على موتى المسلمين، ولم يأمر بلعنتهم" [21].
تعليق ابن تيمية على رواية الإمام أحمد: "وأما ما نقله (يقصد ابن المطهر الحلي) عن أحمد، فالمنصوص الثابت عنه من رواية صالح أنه قال: ومتى رأيت أباك يلعن أحداً؟ لما قيل له: ألا تلعن يزيد؟ فقال: ومتى رأيت أباك يلعن أحد؟ وثبت عنه أن الرجل إذا ذكر الحجاج ونحوه من الظلمة وأراد أن يلعن يقول: ألا لعنة الله على الظالمين، وكره أن يُلعن المعين باسمه.
ونُقلت عنه رواية في لعنة يزيد وأنه قال: ألا ألعن من لعنه الله، واستدل بالآية، لكنها رواية منقطعة ليست ثابتة عنه.
والآية لا تدل على لعن المعيّن، ولو كان كل ذنب لُعن فاعله يلعن المعين الذي فعله للعن جمهور الناس. وهذا بمنزلة الوعيد المطلق، لا يستلزم ثبوته في حق المعين إلا إذا وجدت شروطه وانتفت موانعه وهكذا اللعن وهذا بتقدير أن يكون يزيد فعل ما يقطع به الرحم.
ثم إن هذا تحقق في كثير من بني هاشم الذين تقاتلوا من العباسيين والطالبيين. فهل يلعن هؤلاء كلهم، وكذلك من ظلم قرابة له لا سيما وبينه وبينه عدة آباء. أيلعنه بعينه؟
ثم إذا لُعن هؤلاء لعن كل من شمله ألفاظه وحينئذ فيلعن جمهور المسلمين.
وقوله تعالى: (فهل عسيتم إن توليتم أن تفسدوا في الأرض وتقطعوا أرحامكمم. أولئك الذين لعنهم الله فأصمهم وأعمى أبصارهم). وعيد عام في حق كل من فعل ذلك، وقد فعل بنو هاشم بعضهم ببعض أعظم مما فعل يزيد.
فإن قيل: بموجب هذا لعن ما شاء الله من بني هاشم: العلويين والعباسيين وغيرهم من المؤمنين" [22].
الحافظ أبو الفرج الجوزي أباح لعن يزيد:
يقول ابن تيمية: "وأما أبو الفرج بن الجوزي، فله كتاب في إباحة لعنة يزيد، ورد فيه على الشيخ عبد المغيث الحربي؛ فإنه كان ينهى عن ذلك.
وقد قيل: إن الخليفة الناصر لما بلغه نهي الشيخ عبد المغيث عن ذلك قصده وسأله عن ذذلك وعرف عبد المغيث أنه الخليفة، ولم يُظهر أنه يعلمه فقال: يا هذا أنا قصدي كف ألسنة الناس عن لعنة خلفاء المسلمين وولاتهم، وإلا فتحنا هذا الباب لكان خليفة وقتنا أحق باللعن؛ فإنه يفعل أموراً منكرة أعظم مما فعله يزيد؛ فإن هذا يفعل كذا وكذا. وجعل يعدد مظالم الخليفة، حتى قال له: اردع لي ياشيخ، وذهب" [23].
أقول: الحافظ عبد المغيث الحربي قد خرج بنتيجة تخالف التي وصل إليه الأستاذ الشنقيطي، وذلك من خلال رده على الخليفة: (وإلا فتحنا هذا الباب لكان خليفة وقتنا أحق باللعن؛ فإنه يفعل أموراً منكرة أعظم مما فعله يزيد)!!
بالطبع هذا الخليفة كان يحكم بشرع الله ولم يكن يدور في خلدهم أن يحكموا بقوانين وضعية من أدمغة البشر!!
يزيد بن معاوية وحكام عصرنا
[الكاتب: هاني السباعي]
تقدمة:
كتب السيد: محمد الشنقيطي مدير المركز الإسلامي في تكساس بأمريكا تعليقاً على تعقيب شاب جزائري كتب بتاريخ [18 أكتوبر 2002] يعاتب الأستاذ الدكتور محمد عباس على تشبيهه الحكام المعاصرين بيزيد بن معاوية.
ثم في العدد التالي مباشرة لجريدة الشعب بتاريخ [25/10/2002م] كتب الأستاذ محمد الشنقيطي رداً على هذا الشاب المسكين حيث افتتح مقالته بقول الله تعالى {رب بما أنعمت علي فلن أكون ظهيراً للمجرمين}، ثم طفق يستعرض بعض أقوال علماء السنة في يزيد بن معاوية وخاصة استشهاده بكلام شيخ الإسلام ابن تيمية.
لكن الذي أثار حفيظتي طريقة السيد الشنقيطي وهو يمتطي قلمه مستعرضاً بهذه النتف التي ابتسرها من أقوال ابن تيمية وبعض المرويات المنسوبة للإمام أحمد حيث يقول: (استغربت تعليق أخينا من الجزائر الذي حاول الدفاع عن يزيد بن معاوية.. وكأنه لم يطلع على ما كتبه أعلام السنة!!).
فلما قرأت هذه العبارة حوقلت واسترجعت وقلت لنفسي: ليت الأستاذ الشنقيطي نقل كلام علماء أعلام السنة كاملاً.. لكنه للأسف نقلها على طريقة {فويل للمصلين}!!
ثم يقول أيضاً بقلم يقطر استعلاء وعنجهية علمية: ( وهذه ظاهرة للأسف بين بعض الشباب المتدين الذين تصاغ أفكارهم من وراء ستار على أيدي الحكام الظلمة، الباحثين عن شرعية لظلمهم في التاريخ الإسلامي والشرع الإسلامي )!!
أقول: هؤلاء الشباب هم أكثر الناس فهما لطريقة السلف الصالح وهم أكثر الناس ولاء لدينهم وأكثرهم براءة من الحكام الظالمين الباحثين عن شرعية لظلمهم..
هؤلاء الشباب هم الذين قاموا بالواجب الشرعي يوم أن قعد الناس..
هؤلاء الشباب تجدهم بين طريد وسجين وقتيل.. سل قوافل الشهداء وهي تخرج من فم التنين!! من الذي جاء بها إلى هذ السلخانات حيث الهول والتعذيب..
صدق القائل: رمتني بدائها وانسلت!!
بعد هذه التقدمة، أود أن ألخص ردي عبر النقاط التالية:
أولاً: النصوص التي اعتمد عليها الشنقيطي.
ثانياً: ردي على الشنقيطي من خلال نقل أقوال علماء السنة وخاصة ابن تيمية من نفس المراجع التي اعتمد عليها الشنقيطي.
ثالثا: أقوال بعض علماء السنة السنة في قضية يزيد بن معاوية.
رابعاً: صفوة القول.
أولاً: النصوص التي اعتمد عليها الشنقيطي:
ثم شرع الأستاذ الشنقيطي في حجته البالغة التي أراد بها أن يفحم أخانا الجزائري!! قائلاً: (وفيما يلي بعض الإيضاحات لفظائع يزيد ومكانته، لدى من لا يُتهمون بالتشيع أو التطاول على أهل الصدر الأول، عسى أن تكون فيها عبرة..
"قال صالح بن أحمد [بن حنبل]: قلت لأبي: إن قوما يقولون إنهم يحبون يزيد، فقال: يا بني، وهل يحب يزيد أحد يؤمن بالله واليوم الآخر؟" [1].
وقد رفض الإمام أحمد رواية الحديث عن يزيد لظلمه وجوره.
قال الحافظ ابن الجوزي: "أسند يزيد بن معاوية الحديث، فروى عن أبيه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإسنادنا إليه متصل. غير أن الإمام أحمد سئل: أيُروى عن يزيد الحديث؟ فقال: لا ولا كرامة. فلذلك امتنعنا أن نسند إليه" [2].
وزاد ابن تيمية: ( قال: لا، ولا كرامة أوليس هو الذي فعل بأهل المدينة ما فعل؟ ) [3].
وقال الحافظ الذهبي: "كان [يزيد] قويا شجاعا، ذا رأي وحزم، وفطنة وفصاحة، وله شعر جيد.وكان ناصبيا فظا غليظا جلفا، يتناول المسكر، ويفعل المنكر. افتتح دولته بمقتل الشهيد الحسين، واختتمها بواقعة الحرة. فمقته الناس ولم يبارَك في عمره، وخرج عليه غير واحد بعد الحسين، كأهل المدينة قاموا له، وكمرداس بن أدية الحنظلي البصري، ونافع بن الأزرق، وطواف بن معلى السدوسي، وابن الزبير بمكة" [4].
ورغم امتناع أغلب علماء السنة من لعن المعين، تنزيها للسان عن فحشاء القول، فقد رأى بعض أهل العلم أن لا بأس بلعن يزيد بن معاوية "وهو رواية عن أحمد بن حنبل اختارها الخلال وأبو بكر عبد العزيز والقاضي أبو يعلى وابنه القاضي أبو الحسن. وانتصر لذلك أبو الفرج بن الجوزي في مصنف مفرد وجوز لعنته" [5].
وممن نحوا هذا النحو أيضا "الكيا الهرَّاس" [6].
ومستند هؤلاء أن يزيد داخل في أحاديث كثيرة وردت بلعن من آذى أهل المدينة.
ومنها قول رسول الله صلى الله عليه وسلم:
"من أخاف أهل المدينة ظلما أخافه الله، وعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لا يقبل الله منه يوم القيامة صرفا ولا عدل"[7].
"اللهم من ظلم أهل المدينة وأخافهم فأخفْه، وعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لا يُقبل منه صرف ولا عدل" [8].
"من أخاف أهل المدينة فقد أخاف ما بين جنبيَّ" [9].
"اللهم اكفهم من دهمهم ببأس – يعني أهل المدينة – ولا يريدها أحد إلا أذابه الله كما يذوب الملح في الماء" [10].
وقد استباح يزيد مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم ( فصار عسكره في المدينة ثلاثا، يقتلون وينهبون، ويفتضون الفروج المحرمة.
ثم أرسل جيشا إلى مكة المشرفة، فحاصروا مكة، وتوفي يزيد وهم محاصرون مكة، وهذا من العدوان والظلم الذي فُعل بأمره ) [11].
أقول: كانت هذه أقوال بعض العلماء التي ذكرها الأستاذ محمد الشنقيطي..
ثم أنتقل الآن إلى الرد على هذه الفقرات...
ثانياً: ردي على الشنقيطي من خلال نقل أقوال علماء السنة وخاصة ابن تيمية من نفس المراجع التي اعتمد عليها الشنقيطي:
(أ): كلام ابن تيمية من مجموع الفتاوى: " افترق الناس في يزيد بن معاوية بن أبي سفيان ثلاث فرق: طرفان ووسط: فأحد الطرفين قالوا: إنه كان كافرًا منافقًا، وأنه سعى في قتل سبط رسول اللّه، تَشَفِّيًا من رسول اللّه صلى الله عليه وسلم، وانتقامًا منه، وأخذًا بثأر جده عتبة، وأخي جده شيبة، وخاله الوليد بن عتبة، وغيرهم ممن قتلهم أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم بيد علي بن أبي طالب وغيره يوم بدر وغيرها، وقالوا: تلك أحقاد بدرية، وآثار جاهلية، وأنشدوا عنه:
لما بدت تلك الحمول وأشرفت تلك الرؤوس على ربي
جيرون نعق الغراب، فقلت نح أولا تنح فلقد قضيت من النبي ديوني
وقالوا: إنه تمثل بشعر ابن الزَّبَعْرى الذي أنشده يوم أحد:
ليت أشياخي ببدر شهدوا جزع الخزرج من وقع الأسل
قد قتلنا الكثير من أشياخهم وعدلناه ببدر فاعتدل
وأشياء من هذا النمط. وهذا القول سهل على الرافضة الذين يكفرون أبا بكر، وعمر، وعثمان، فتكفير يزيد أسهل بكثير.
والطرف الثاني: يظنون أنه كان رجلًا صالحًا وإمام عدل، وأنه كان من الصحابة الذين ولدوا على عهد النبي صلى الله عليه وسلم، وحمله على يديه وبرَّك عليه، وربما فضله بعضهم على أبي بكر وعمر، وربما جعله بعضهم نبيًا، ويقولون عن الشيخ عدي، أو حسن المقتول كذبًا عليه : إن سبعين وليًا صرفت وجوههم عن القبلة لتوقفهم في يزيد.
وهذا قول غالية العدوية والأكراد ونحوهم من الضلال، فإن الشيخ عديًا كان من بني أمية، وكان رجلًا صالحًا عابدًا فاضلًا، ولم يحفظ عنه أنه دعاهم إلا إلى السنة التي يقولها غيره كالشيخ أبي الفرج المقدسي، فإن عقيدته موافقة لعقيدته، لكن زادوا في السنة أشياء كذب وضلال، من الأحاديث الموضوعة والتشبيه الباطل، والغلو في الشيخ عدي وفي يزيد، والغلو في ذم الرافضة، بأنه لا تقبل لهم توبة، وأشياء أخر.
وكلا القولين ظاهر البطلان عند من له أدنى عقل وعلم بالأمور وسير المتقدمين؛ ولهذا لا ينسب إلى أحد من أهل العلم المعروفين بالسنة، ولا إلى ذي عقل من العقلاء الذين لهم رأي وخبرة.
والقول الثالث: أنه كان ملكًا من ملوك المسلمين، له حسنات وسيئات، ولم يولد إلا في خلافة عثمان، ولم يكن كافرا، ولكن جرى بسببه ما جرى من مصرع الحسين، وفعل ما فعل بأهل الحرة، ولم يكن صاحبًا ولا من أولياء اللّه الصالحين، وهذا قول عامة أهل العقل والعلم والسنة والجماعة.
ثم افترقوا ثلاث فرق: فرقة لعنته، وفرقة أحبته، وفرقة لا تسبه ولا تحبه، وهذا هو المنصوص عن الإمام أحمد، وعليه المقتصدون من أصحابه وغيرهم من جميع المسلمين" [12].
أما عن رواية الإمام أحمد التي يستند إليها الشنقيطي.. من أن الإمام أحمد نهى أن يكتب عن يزيد بن معاوية الحديث لأنه فعل بأهلها ما فعل.. فما علاقة ذلك برواية الحديث؟
فالإمام أحمد لم يكن يكتب الحديث عن بعض أهل العلم والورع نظراً لمخالفتهم لشروطه التي اشترطها على نفسه.. بل إن سؤال صالح بن الإمام أحمد (هل يذكر عنه الحديث؟) يدل على أنهم جميعاً لم يكفروه وكانوا مختلفين في رواية الحديث عنه.
ورغم ذلك يقول ابن تيمية: " قال صالح بن أحمد: قلت لأبي: إن قومًا يقولون: إنهم يحبون يزيد، فقال: يا بني، وهل يحب يزيد أحد يؤمن باللّه واليوم الآخر؟ فقلت: يا أبت، فلماذا لا تلعنه؟ فقال: يا بني، ومتى رأيت أباك يلعن أحدًا.
وقال مهنا: سألت أحمد عن يزيد بن معاوية بن أبي سفيان. فقال: هو الذي فعل بالمدينة ما فعل. قلت: وما فعل؟ قال: قتل من أصحاب رسول اللّه صلى الله عليه وسلم وفعل. قلت: وما فعل؟ قال: نهبها. قلت: فيذكر عنه الحديث؟ قال: لا يذكر عنه حديث.
وهكذا ذكر القاضي أبو يعلى وغيره. وقال أبو محمد المقدسي لما سئل عن يزيد: فيما بلغني لا يُسَبّ ولا يُحَبّ.
وبلغني أيضًا أن جدنا أبا عبد اللّه بن تيمية سئل عن يزيد. فقال: لا تنقص ولا تزيد. وهذا أعدل الأقوال فيه وفي أمثاله وأحسنها" [13].
مسألة سب ولعن يزيد:
يقول ابن تيمية: " أما ترك سبه ولعنته، فبناء على أنه لم يثبت فسقه الذي يقتضي لعنه، أو بناء على أن الفاسق المعين لا يلعن بخصوصه، إما تحريمًا، وإما تنزيهًا.
فقد ثبت في صحيح البخاري عن عمر في قصة (حمار) الذي تكرر منه شرب الخمر وجلده لما لعنه بعض الصحابة، قال النبي صلى الله عليه وسلم: (لا تلعنه، فإنه يحب اللّه ورسوله) وقال: (لَعْنُ المؤمِن كقتله). متفق عليه.
هذا مع أنه قد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه لعن الخمر وشاربها، فقد ثبت أن النبي لعن عمومًا شارب الخمر، ونهى في الحديث الصحيح عن لعن هذا المعين.
وهذا كما أن نصوص الوعيد عامة في أكل أموال اليتامى، والزاني، والسارق، فلا نشهد بها عامة على معين بأنه من أصحاب النار؛ لجواز تخلف المقتضَى عن المقتضِي لمعارض راجح؛ إما توبة، وإما حسنات ماحية، وإما مصائب مكفرة، وإما شفاعة مقبولة، وإما غير ذلك كما قررناه في غير هذا الموضع، فهذه ثلاثة مآخذ.
ومن اللاعنين من يرى أن ترك لعنته مثل ترك سائر المباحات من فضول القول، لا لكراهة في اللعنة. وأما ترك محبته، فلأن المحبة الخاصة إنما تكون للنبيين، والصديقين، والشهداء والصالحين، وليس واحدًا منهم، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (المرء مع من أحب).. ومن آمن باللّه واليوم الآخر، لا يختار أن يكون مع يزيد، ولا مع أمثاله من الملوك، الذين ليسوا بعادلين.
ولترك المحبة مأخذان: أحدهما: أنه لم يصدر عنه من الأعمال الصالحة ما يوجب محبته، فبقى واحدًا من الملوك المسلطين، ومحبة أشخاص هذا النوع ليست مشروعة، وهذا المأخذ، ومأخذ من لم يثبت عنده فسقه اعتقد تأويلًا.
والثاني: أنه صدر عنه ما يقتضى ظلمه وفسقه في سيرته، وأمر الحسين وأمر أهل الحرة.
وأما الذين لعنوه من العلماء كأبي الفرج ابن الجوزي، والكياالهراس وغيرهما، فلما صدر عنه من الأفعال التي تبيح لعنته، ثم قد يقولون: هو فاسق، وكل فاسق يلعن.
وقد يقولون بلعن صاحب المعصية وإن لم يحكم بفسقه، كما لعن أهل صفين بعضهم بعضًا في القنوت، فلعن علي وأصحابه في قنوت الصلاة رجالًا معينين من أهل الشام؛ وكذلك أهل الشام لعنوا، مع أن المقتتلين من أهل التأويل السائغ العادلين، والباغين لا يفسق واحد منهم، وقد يلعن لخصوص ذنوبه الكبار، وإن كان لا يعلن سائر الفساق، كما لعن رسول اللّه صلى الله عليه وسلم أنواعًا من أهل المعاصي، وأشخاصًا من العصاة، وإن لم يلعن جميعهم، فهذه ثلاثة مآخذ للعنته" [14].
أما الذين يرون حب يزيد:
يقول عنهم ابن تيمية: "وأما الذين سوغوا محبته أو أحبوه، كالغزالي، والدستي فلهم مأخذان:
أحدهما: أنه مسلم ولي أمر الأمة على عهد الصحابة وتابعه بقاياهم، وكانت فيه خصال محمودة، وكان متأولًا فيما ينكر عليه من أمر الحرة وغيره، فيقولون: هو مجتهد مخطئ، ويقولون: إن أهل الحرة هم نقضوا بيعته أولًا، وأنكر ذلك عليهم ابن عمر وغيره، وأما قتل الحسين فلم يأمر به ولم يرض به، بل ظهر منه التألم لقتله، وذم من قتله، ولم يحمل الرأس إليه، وإنما حمل إلى ابن زياد.
والمأخذ الثاني: أنه قد ثبت في صحيح البخاري عن ابن عمر؛ أن رسول اللّه صلى الله عليه وسلم قال: (أول جيش يغزو القسطنطينية مغفور له) وأول جيش غزاها كان أميره يزيد.
والتحقيق أن هذين القولين يسوغ فيهما الاجتهاد؛ فإن اللعنة لمن يعمل المعاصي مما يسوغ فيها الاجتهاد، وكذلك محبة من يعمل حسنات وسيئات، بل لا يتنافى عندنا أن يجتمع في الرجل الحمد والذم، والثواب والعقاب، كذلك لا يتنافى أن يصلى عليه ويدعى له، وأن يلعن ويشتم أيضًا باعتبار وجهين. فإن أهل السنة متفقون على أن فساق أهل الملة وإن دخلوا النار، أو استحقوا دخولها فإنهم لابد أن يدخلوا الجنة، فيجتمع فيهم الثواب والعقاب، ولكن الخوارج والمعتزلة تنكر ذلك، وترى أن من استحق الثواب لا يستحق العقاب، ومن استحق العقاب لا يستحق الثواب.
والمسألة مشهورة، وتقريرها في غير هذا الموضع" [15].
سؤال الوزير المغولي لابن تيمية عن يزيد: " وبذلك أجبت مقدم المغل بولاي؛ لما قدموا دمشق في الفتنة الكبيرة، وجرت بيني وبينه وبين غيره مخاطبات، فسألني فيما سألني: ما تقولون في يزيد؟ فقلت: لا نسبه ولا نحبه، فإنه لم يكن رجلًا صالحًا فنحبه، ونحن لا نسب أحدًا من المسلمين بعينه، فقال: أفلا تلعنونه؟ أما كان ظالمًا؟
أما قتل الحسين؟ فقلت له: نحن إذا ذكر الظالمون كالحجاج بن يوسف وأمثاله نقول كما قال اللّه في القرآن: ( ألا لعنة الله على الظالمين ) ولا نحب أن نلعن أحدًا بعينه، وقد لعنه قوم من العلماء، وهذا مذهب يسوغ فيه الاجتهاد، لكن ذلك القول أحب إلينا وأحسن. وأما من قتل الحسين أو أعان على قتله، أو رضى بذلك، فعليه لعنة اللّه والملائكة والناس أجمعين، لا يقبل اللّه منه صَرْفًا ولا عَدْلًا.
قال: فما تحبون أهل البيت؟
قلت: محبتهم عندنا فرض واجب يؤجر عليه، فإنه قد ثبت عندنا في صحيح مسلم عن زيد بن أرقم قال: خطبنا رسول اللّه صلى الله عليه وسلم بغَدِير يدعى: خمّا، بين مكة والمدينة فقال: (أيها الناس، إني تارك فيكم الثقلين كتاب اللّه)، فذكر كتاب اللّه وحض عليه، ثم قال: (وعِتْرَتِي أهل بيتي، أذكركم اللّه في أهل بيتي، أذكركم اللّه في أهل بيتي).
قلت لمقدم: ونحن نقول في صلاتنا كل يوم: اللهم صل على محمد، وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم، إنك حميد مجيد، وبارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على آل إبراهيم، إنك حميد مجيد.
قال مقدم: فمن يبغض أهل البيت؟
قلت: من أبغضهم فعليه لعنة اللّه والملائكة والناس أجمعين، لا يقبل اللّه منه صرفًا ولا عدلا.
ثم قلت للوزير المغولي: لأي شىء قال عن يزيد وهذا تتريٌ؟
قال: قد قالوا له: إن أهل دمشق نواصب.
قلت بصوت عال: يكذب الذي قال هذا، ومن قال هذا، فعليه لعنة اللّه، واللّه ما في أهل دمشق نواصب، وما علمت فيهم ناصبيًا، ولو تنقص أحد عليا بدمشق، لقام المسلمون عليه، لكن كان قديمًا لما كان بنو أمية ولاة البلاد بعض بني أمية ينصب العداوة لعليّ ويسبه، وأما اليوم فما بقى من أولئك أحد" [16].
أقول: اكتفينا بهذا المقدار من نقل كلام ابن تيمية من مجموع الفتاوى الكبرى ليستقيم النص المنقول كاملاً أمام القارئ وليعلم عدم انضباط الأستاذ الشنقيطي بالمنهج العلمي السليم في نقل أقوال العلماء.
وها نحن أولاْ ننتقل إلى مرجع آخر استند إليه الأستاذ الشنقيطي وهو كتاب منهاج السنة لابن تيمية سننقل منه مثلما نقل لستتقيم الفكرة لدى القارئ المقارن للمقالتين أو للنقلين:
(ب): كلام ان تيمية من منهاج السنة:
كان ابن تيمية يجيب في هذا الكتاب على كتاب منهاج الكرامة لابن المطهر الحلي الفقيه الشيعي الشهير المتوفى سنة 726هـ أي قبل وفاة ابن تيمية بسنتين..
وقد ذكر ابن المطهر شبهات كثيرة يهاجم فيها أهل السنة مما دفع ابن تيمية للرد عليه وكان من ضمن الشبهات موضوع بيعة يزيد بن معاوية ولعنه واستدلال ابن المطهر لحديث الإمام أحمد المذكور مع تحريف في النص.
والعجيب أن الشنقيطي سار على نهج ابن المطهر الحلي وأغفل إجابة ابن تيمية رغم أنه ينتسب إلى هذا التيار السلفي الذي يزعم اتباعه لمدرسة ابن تيمية وليس هذا فحسب بل إنه أغفل ردود ابن تيمية على دعاوى ابن المهر من سبي أهل المدينة واستباحة فروج العفيفات.
وبعد هذا التنبيه نرجع إلى ما قاله ابن تيمية في منهاج السنة:
القول في لعن يزيد بن معاوية:
"القول في لعنة يزيد كالقول في لعنة أمثاله من الملوك الخلفاء وغيرهم، ويزيد خيرٌ من غيره: خيرٌ من المختار بن أبي عبيد الثقفي أمير العراق، الذي أظهر الإنتقام من قتلة الحسين؛ فإن هذا ادعى أن جبريل يأتيه. وخير من الحجاج بن يوسف؛ فإنه أظلم من يزيد باتفاق الناس.
ومع هذا فيُقال: غاية يزيد وأمثاله من الملوك أن يكونوا فساقاً، فلعنة الفاسق المعيّّن ليست مأموراً بها، إنما جاءت السنة بلعنة الأنواع، كقول النبي صلى الله عليه وسلم: (لعن الله السارق؛ يسرق البيضة فتقطع يده).
وقوله: (لعن الله من أحدث حدثاً أو آوى محدثاً).
وقوله (لعن الله آكل الربا وموكله وكاتبه وشاهديه) وقوله: (لعن الله المحلل والمحلل له).
(ولعن الله الخمر وعاصرها ومعتصرها، وحاملها والمحمولة إليه، وساقيها، وشاربها، وآكل ثمنها)." [17].
اختلاف العلماء في لعن الفاسق المعين:
يقول ابن تيمية: "وقد تنازع الناس في لعنة الفاسق المعيّن؛ فقيل: إنه جائز، كما قال ذلك طائفة من أصحاب أحمد وغيرهم، كأبي الفرج بن الجوزي وغيره.
وقيل: إنه لا يجوز، كما قال ذلك طائفة أخرى من أصحاب أحمد وغيرهم، كأبي بكر عبد العزيز وغيره. والمعروف عن أحمد كراهة لعن المعين، كالحجاج بن يوسف وأمثاله، وأن يقول كما قال الله تعالى: (ألا لعنة الله على الظالمين).
وقد ثبت في صحيح البخاري أن رجلاً كان يدعى حماراً، وكان يشرب الخمر، وكان يؤتى به إلى النبي صلى الله عليه وسلم فيضربه، فأُتي به إليه، فقال رجل: لعنه الله ما أكثر ما يؤتى به إلى النبي صلى الله عليه وسلم. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (لا تلعنه، فإنه يحب الله ورسوله).
فقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن لعنة هذا المعين الذي كان يكثر شرب الخمر معللاً ذلك بأنه يحب الله ورسوله، مع أن النبي صلى الله عليه وسلم لعن شارب الخمر مطلقاً، فدل ذلك على أنه يجوز أن يُلعن المطلق ولا تجوز لعنة المعيَّن الذي يحب الله ورسوله).
ومن المعلوم أن كل مؤمن فلا بد أن يحب الله ورسوله، ولكن في المظهرين للإسلام من هم منافقون، فأولئك ملعونون لا يحبون الله ورسوله، ومن علم حال الواحد من هؤلاء لم يصل عليه إذا مات، لقوله تعالى: (ولا تصل على أحد منهم مات أبداً ولا تقم على قبره)" [18].
هل يجتمع في حق الشخص الواحد ثواب وعقاب:
يقول ابن تيمية: "ومن جوّذز من أهل السنة والجمااعة لعنة الفاسق المعين؛ فإنه يقول: يجوز أن أصلي عليه وأن ألعنه، فإنه مستحق للثواب، مستحق للعقاب، فالصلاة عليه لا ستحقاقه الثواب، واللعنة له لا ستحقاقه العقاب.
واللعنة البعد عن الرحمة، والصلاة عليه سبب للرحمة، فيُرحم من وجه، ويبعد عنها من وجه.
وهذا كله على مذهب الصحابة والتابعين لهم بإحسان، وسائر أهل السنة والجماعة، ومن يدخل فيهم من الكرّامية والمرجئة والشيعة، ومذهب كثير من الشيعة الإمامية وغيرهم، الذين يقولون: إن الفاسق لا يخلد في النار.
وأما من يقول بتخليده في النار كالخوارج والمعتزلة وبعض الشيعة، فهؤلاء عندهم لا يجتمع في حق الشخص الواحد ثواب وعقاب" [19].
ويصل ابن تيمية إلى بيت القصيد قائلاً: "وقد استفاضت السنة النبوية بأنه يخرج من النار قوم بالشافاعة، ويخرج منها من كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان.
وعلى هذا الأصل فالذي يجوّز لعنة يزيد وأمثاله يحتاج إلى شيئين: إلى ثبوت أنه كان من الفساق الظالمين الذين تباح لعنتهم، وأنه مات مصراً على ذلك.
والثاني: أن لعة المعيّن من هؤلاء جائزة.
والمنازع يطعن في المقدمتين، ولا سيما الأولى" [20].
ويتكلم ابن تيمية عن الإحتجاج بآية سورة هود قائلاً: "فأما قوله تعالى: (ألا لعنة الله على الظالمين) فهي آية عامة كآيات الوعيد، بمنزلة قوله تعالى: (إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلماً إنما يأكلون أموال اليتامى ظلماً إنما يأكلون في بطونهم ناراً وسيصلون سعيراً).
وهذا يقتضي أن هذا الذنب سبب اللعن والعذاب، ولكن قد يرتفع موجبه لمعارض راجح: إما توبة، وإما حسنات ماحية، وإما مصائب مكفرة.
فمن أين يعلم الإنسان أن يزيد أو غيره من الظلمة لم يتب من هذه؟ أو لم تكن له حسنات ماحية تمحو ظلمه؟ ولم يبتل بمصائب تكفِّر عنه؟ وأن الله لا يغفر له ذلك مع قوله تعالى: (إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذللك لمن يشاء).
وقد ثبت في صحيح الباخاري عن ابن عمر رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (أول جيش يغزو القسطنطينية مغفور لهم). وأول جيش غزاها كان أميرهم يزيد، والجيش عدد معين لا مطلق، وشمول المغفرة لآحاد هذا الجيش أقوى من شمول اللعنة لكل واحد من الظالمين، فإن هذا أخصّ، والجيش معيّنون.
ويقال: إن يزيد غزا القسطنطينية لأجل هذذا الحديث.
ونحن نعلم أم أكثر المسلمين لا بد لهم من ظلم، فإن فتح هذا الباب ساغ أن يُلعن أكثر موتى المسلمين. والله تعالى أمر بالصلاة على موتى المسلمين، ولم يأمر بلعنتهم" [21].
تعليق ابن تيمية على رواية الإمام أحمد: "وأما ما نقله (يقصد ابن المطهر الحلي) عن أحمد، فالمنصوص الثابت عنه من رواية صالح أنه قال: ومتى رأيت أباك يلعن أحداً؟ لما قيل له: ألا تلعن يزيد؟ فقال: ومتى رأيت أباك يلعن أحد؟ وثبت عنه أن الرجل إذا ذكر الحجاج ونحوه من الظلمة وأراد أن يلعن يقول: ألا لعنة الله على الظالمين، وكره أن يُلعن المعين باسمه.
ونُقلت عنه رواية في لعنة يزيد وأنه قال: ألا ألعن من لعنه الله، واستدل بالآية، لكنها رواية منقطعة ليست ثابتة عنه.
والآية لا تدل على لعن المعيّن، ولو كان كل ذنب لُعن فاعله يلعن المعين الذي فعله للعن جمهور الناس. وهذا بمنزلة الوعيد المطلق، لا يستلزم ثبوته في حق المعين إلا إذا وجدت شروطه وانتفت موانعه وهكذا اللعن وهذا بتقدير أن يكون يزيد فعل ما يقطع به الرحم.
ثم إن هذا تحقق في كثير من بني هاشم الذين تقاتلوا من العباسيين والطالبيين. فهل يلعن هؤلاء كلهم، وكذلك من ظلم قرابة له لا سيما وبينه وبينه عدة آباء. أيلعنه بعينه؟
ثم إذا لُعن هؤلاء لعن كل من شمله ألفاظه وحينئذ فيلعن جمهور المسلمين.
وقوله تعالى: (فهل عسيتم إن توليتم أن تفسدوا في الأرض وتقطعوا أرحامكمم. أولئك الذين لعنهم الله فأصمهم وأعمى أبصارهم). وعيد عام في حق كل من فعل ذلك، وقد فعل بنو هاشم بعضهم ببعض أعظم مما فعل يزيد.
فإن قيل: بموجب هذا لعن ما شاء الله من بني هاشم: العلويين والعباسيين وغيرهم من المؤمنين" [22].
الحافظ أبو الفرج الجوزي أباح لعن يزيد:
يقول ابن تيمية: "وأما أبو الفرج بن الجوزي، فله كتاب في إباحة لعنة يزيد، ورد فيه على الشيخ عبد المغيث الحربي؛ فإنه كان ينهى عن ذلك.
وقد قيل: إن الخليفة الناصر لما بلغه نهي الشيخ عبد المغيث عن ذلك قصده وسأله عن ذذلك وعرف عبد المغيث أنه الخليفة، ولم يُظهر أنه يعلمه فقال: يا هذا أنا قصدي كف ألسنة الناس عن لعنة خلفاء المسلمين وولاتهم، وإلا فتحنا هذا الباب لكان خليفة وقتنا أحق باللعن؛ فإنه يفعل أموراً منكرة أعظم مما فعله يزيد؛ فإن هذا يفعل كذا وكذا. وجعل يعدد مظالم الخليفة، حتى قال له: اردع لي ياشيخ، وذهب" [23].
أقول: الحافظ عبد المغيث الحربي قد خرج بنتيجة تخالف التي وصل إليه الأستاذ الشنقيطي، وذلك من خلال رده على الخليفة: (وإلا فتحنا هذا الباب لكان خليفة وقتنا أحق باللعن؛ فإنه يفعل أموراً منكرة أعظم مما فعله يزيد)!!
بالطبع هذا الخليفة كان يحكم بشرع الله ولم يكن يدور في خلدهم أن يحكموا بقوانين وضعية من أدمغة البشر!!

تعليق