يزيد بن معاوية – رحمه الله – لم يكن بذلك الشاب اللاهي ، كما تصوره لنا الروايات التاريخية الركيكة ؛ بل هو على خلاف ذلك ، لكن العجب في المؤلفين من الكتاب الذين لا يبحثون عن الخبر الصحيح ، أو حتى عمّن يأخذوه ، فيجمعون في هذه المؤلفات الغث و السمين من الروايات و الكلام الفارغ الملفق ، فتراهم يطعنون فيه فيظهرون صورته و يشوهونها ، بأبشع تصوير .
و للأسف فإن بعض المؤرخين من أهل السنة أخذوا من هذه الروايات الباطلة و أدرجوها في كتبهم ، أمثال ابن كثير في البداية و النهاية ، وابن الأثير في الكامل ، وابن خلدون في العبر والإمام الذهبي في تاريخ الإسلام و في غيرها من الكتب .
و المصيبة في هؤلاء الكتاب المعاصرين أنهم يروون هذا الطعن عن بعض الشيعة المتعصبين أمثال أبي مخنف و الواقدي و ابن الكلبي و غيرهم ، و غير هذا أن معظم هذه الكتب ألفت على عهد العباسيين ، وكما هو معروف مدى العداء بين الأمويين و العباسيين ، فكانوا يبحثون عمّن يطعن في هؤلاء فيملؤون هذه الكتب بالأكاذيب .
و هناك أمور و أشياء أخرى و طامات كبرى في غيرها من الكتب ، رويت لتشويه صورة و سيرة يزيد رحمه الله و والده معاوية رضي الله عنه ، و كان على رأس هؤلاء الطاعنين بنو العباس وأنصار ابن الزبير حين خرج على يزيد و الشيعة الروافض عليهم غضب الله ، و الخوارج قاتلهم الله و أخزاهم .
منقبة ليزيد بن معاوية :
أخرج البخاري عن خالد بن معدان أن عمير بن الأسود العنسي حدثه أنه أتى عبادة بن الصامت و هو نازل في ساحة حمص و هو في بناء له و معه أم حرام ، قال عمير : فحدثتنا أم حرام أنها سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول : أول جيش من أمتي يغزون البحر قد أوجبوا ، فقالت أم حرام : قلت يا رسول الله أنا فيهم ؟ قال : أنت فيهم . ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم أول جيش من أمتي يغزون مدينة قيصر مغفور لهم ، فقلت : أنا فيهم قال : لا . البخاري مع الفتح (6/120) .
فتحرك الجيش نحو القسطنطينية بقيادة بسر بن أرطأ رضي الله عنه عام خمسين من الهجرة ، فاشتد الأمر على المسلمين فأرسل بسر يطلب المدد من معاوية فجهز معاوية جيشاً بقيادة ولده يزيد ، فكان في هذا الجيش كل من أبو أيوب الأنصاري و عبد الله بن عمر و ابن الزبير و ابن عباس وجمع غفير من الصحابة ، رضي الله عنهم أجمعين .
و أخرج البخاري أيضاً ، عن محمود بن الربيع في قصة عتبان بن مالك قال محمود : فحدثتها قوماً فيهم أبو أيوب الأنصاري صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوته التي توفي فيها ، ويزيد بن معاوية عليهم – أي أميرهم - بأرض الروم . البخاري مع الفتح (3/73) .
و في هذا الحديث منقبة ليزيد رحمه الله حيث كان في أول جيش يغزوا أرض الروم .
وقفة حق ليزيد بن معاوية ...
نحن المسلمين لا نعتقد العصمة لأحد بعد النبي صلى الله عليه وسلم ، وكل من ادعى العصمة لأحد بعد النبي عليه السلام فقد كذب ، ومن الناس والخلفاء ، الذين كثر عليهم الغلط والكذب والاتهام: يزيد بن معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنهما ، ومما اتهم به شرب الخمر، فإن قيل: كان يزيد خماراً ، قلنا: لا يصح إلا بشاهدين ، وإن معاوية رضي الله عنه مع شديد حبه ليزيد ، لألمعيته واكتمال مواهبه آثر أن ينشأ ابنه بعيداً عنه ، في أحضان الفطرة وخشونة البداوة وشهامتها ، وفي ذلك الوسط أمضى يزيد زمن صباه وصدر شبابه ، وما لبث أن انتقل أبوه إلى رحمة الله حتى تولى المركز الذي أراده الله له.
فلما خلا الجو لابن الزبير بموت معاوية صار دعاته يذيعون الأكاذيب على "يزيد" وينسبون إليه ما لا يحل لهم ، ومنهم عبدالله بن مطيع (داعية ابن الزبير) فقد مشى في المدينة هو وأصحابه إلى محمد بن علي بن أبي طالب فأرادوه على خلع يزيد ، فأبى عليهم ، فقال ابن مطيع: إن يزيد يشرب الخمر ويترك الصلاة ويترك حكم الكتاب. فقال لهم: مارأيت منه ما تذكرون ، وقد حضرته وأقمت عنده فرأيته مواظباً على الصلاة متحرياً للخير، يسأل عن الفقه ، ملازماً للسنة ، قالوا: فإن ذلك كان منه تصنعاً لك، فقال: وما الذي خاف مني أو رجا حتى يظهر إلي الخشوع؟
أفأطلعكم على ما تذكرون من شرب الخمر؟ فإن كان أطلعكم على ذلك إنكم لشركاؤه ، وإن لم يكن أطلعكم فما يحل لكم أن تشهدوا على ما لم تعلموا ، قالوا: إنه عندنا لحق وإن لم نكن رأيناه ، فقال لهم: أبى الله ذلك على أهل الشهادة فقال عز وجل: إلا من شهد بالحق وهم يعلمون (86) ( الزخرف) ولست من أمركم في شيء.
وهذا الإمام أحمد بن حنبل على تقشفه وعظيم منزلته في الدين وورعه قد (روى) عن "يزيد بن معاوية" في كتاب (الزهد) أنه كان يقول في خطبته: " إذا مرض أحدكم مرضاً فأشفي ثم تماثل ، فلينظر إلى أفضل عمل عنده فليلزمه ولينظر إلى أسوأ عمل عنده فليدعه" وهذا يدل على عظيم منزلته عنده حتى يدخله في جملة الزهاد من الصحابة والتابعين الذين يقتدى بقولهم ويرعَوى من وعظهم ، وما أدخله إلا في جملة الصحابة ، قبل أن يخرج إلى ذكر التابعين ، فأين هذا من ذكر المؤرخين له في الخمر وأنواع الفجور؟ ألا يستحون؟ وإذا سلبهم الله المروءة والحياء ، ألا ترعوون أنتم وتزدجرون وتقتدون بالعلماء المنصفين من فضلاء الأمة وترفضون الملاحدة والمجان من المنتمين إلى الملة هذا بيان للناس وهدى وموعظة للمتقين 138 (آل عمران)
.
خولة



تعليق