الاخوة الكرام ، السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته وبعد : ـ
أعتذر أولا عن تأخري في الرد ، وأرجو أن تلمتمسوا لي العذر في ذلك ، واعذروني أيضا إذا كان في مقالي هذا طول واستفاضة ، فما ذلك إلا لأنني حاولت جهدي أن أحوي هذه المقالة الرد القاطع والنهائي على شبهة ذم الله تعالى للصحابة في القرآن الكريم التي افتراها الرافضي ،، وقد استفضت في طرح الأدلة لإنهاء الجدال في مسألة ذم القرآن للصحابة ، وأدعو المنصف الشيعي أن ينقي عقله من حساسيات التعصب الأعمى والحقد الدفين وأن يجرد عقله لما سيقرأ ، وأدعو الله للجميع السداد والتوفيق والهداية ...ـ
ومن أراد الحق فلن يبخل على نفسه بخمس دقائق يقضيها في قراءة مقالي هذا بتأني ،، والله الموفق
الرد على الفرية الرابعة : طعن الرافضي بقوله تعالى : (( ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله ..)) ـ
قال الرافضي : نزلت في المهاجرين و هم السباقون و مع ذلك لم تخشع قلوبهم حتى عاتبهم الله و حذرهم من قسوة القلوب التي تؤدي للفسوق
والجواب عليه : ـ
هذه الآية لا تدل بحال على ما ادعاه : من زعمه أن قلوب الصحابة لم تخشع لذكر الله ، بل هذا من الكذب والافتراء على الله الذي لا تحتمله الآية ، ويعرف هذا بمعرفة أقوال المفسرين في سبب نزولها وتفسيرها ، فهذه الآية قد اختلف المفسرون في سبب نزولها .، ولم يقطعوا في أنها نزلت في الصحابة يقينا ـ
فقيل أنها نزلت في المنافقين ، قال الكلبي ومقاتل : نزلت في المنافقين بعد الهجرة بسنة ، وذلك أنهم سألوا سلمان الفارسي ذات يوم فقالوا : حدثنا عن التوراة فإن فيها العجائب ، فنـزلت : (( نحن نقص عليك أحسن القصص )) ، فأخبرهم أن القرآن أحسن قصصا من غيره ، فكفوا عن سؤال سلمان ما شاء الله ، ثم عادوا فسألوا سلمان عن مثل ذلك ، فنـزلت : (( الله نزل أحسن الحديث كتابا متشابها )) ، فكفوا عن سؤاله ما شاء الله ، ثم عادوا فقالوا : حدثنا عن التوراة فإن فيها العجائب ، فنزلت هذه الآية
ـ(( ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله وما نزل من الحق ..)) ـ
وقال آخرون : نزلت في المؤمنين ، قال عبد الله بن مسعود : ما كان بين إسلامنا وبين أن عاتبنا الله بهذه الآية :
ـ(( ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله )) إلا أربع سنين ـ انظر تفسير البغوي 4\297 ، وتفسير القرطبي 17\240 ـ
وقيل : هي خطاب لمن آمن بموسى وعيسى دون محمد عليهم السلام ، لأنه قال عقب هذا : (( والذين آمنوا بالله ورسله )) ، أي ألم يأن للذين آمنوا بالتوراة والانجيل أن تلين قلوبهم للقرآن ، وألا يكونوا كمتقدمي قوم موسى وعيسى ، إذ طال عليهم الأمد بينهم وبين نبيهم فقست قلوبهم . ـ
فهذه أقوال المفسرين في سبب نزول الآية ، وعلى قول من قال إنها نزلت في المنافقين أو في أهل الكتاب فلا وجه لتنـزيلها على الصحابة بحال . ـ
وأما القول بنزولها فيهم : فإنها لا مطعن فيها على الصحابة لأن غاية ما في الآية هو حثهم على أن تخشع قلوبهم لذكر الله وما نزل عليهم من القرآن ، وأن أوان ذلك قد حان ، دون أن تتعرض الآية لذمهم أو تنقصهم . ـ
وليس في الآية ما يدل على نفي أصل الخشوع من القلب ، وهو الخشوع الواجب ،، بل وصف الله تعالى لهم بالإيمان في قوله
ـ (( ألم يأن للذين آمنوا )) ، دليل على أن أصل الخشوع القلبي موجود ، لكنه أراد أن ينقلهم إلى درجة أعلى منه ،، وذلك أن الخشوع منه ما هو واجب ومنه ما هو مستحب . ـ
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله : (( فإن قيل فخشوع القلب لذكر الله وما نزل من الحق واجب قيل : نعم ، لكن الناس انقسموا فيه على قسمين : مقتصد ، وسابق ، فالسابقون يختصون بالمستحبات ، والمقتصدون الأبرار هم عموم المؤمنين المستحقين للجنة )) ـ
وعلى هذا فالخطاب في الأية يكون في حق من لم يحقق تلك الدرجة العالية من الخشوع دون من بلغها من الصحابة ،، يؤيد هذا ما نقله الشوكاني عن الزجاج في سبب نزول الآية حيث قال : ( نزلت في طائفة من المؤمنين حثوا على الرقة والخشوع ، فأما من وصفهم الله بالرقة والخشوع فطبقة فوق هؤلاء ) ـ
وقد ثبتت هذه المنزلة العالية من الخشوع وكثرة البكاء لبعض الصحابة قبل نزول هذه الآية ، ومن ذلك ما ثبت عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه من رواية عائشة رضي الله عنها في قصة جوار ابن الدغنة لأبي بكر في بداية البعثة وفيها : ( .. ثم بدا لأبي بكر فابتنى مسجدا بفناء داره ، فكان يصلي فيه ويقرأ فيتقصف عليه نساء المشركين وأبناؤهم ، يعجبون منه وينظرون إليه ، وكان أبو بكر رضي الله عنه رجلا بكاء لا يملك دمعه حين يقرأ القرآن ، فأفزع ذلك أشراف قريش من المشركين ) أخرجه البخاري ، وهذه الحادثة في بداية البعثة وهي قبل نزول الآية قطعا ـ
ومن خشوع الصحابة ايضا : ما رواه الشيخان من حديث أنس ـ رضي الله عنه ـ قال : ( خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم خطبة ما سمعت مثلها قط ، قال : لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرا ، قال : فغطى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وجوههم لهم حنين ..) وفي رواية مسلم ( خنين ) ، والحنين هو : الصوت الذي يرتفع بالبكاء من الصدر ، والخنين : من الأنف ، والمقصود شدة بكائهم من موعظة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وفي رواية أخرى لمسلم : ( فأكثر الناس البكاء ، حين سمعوا ذلك من رسول الله صلى الله عليه وسلم ) ، وقد ثبت البكاء لبعض الصحابة بل كان بعضهم معروفا به مما يدل على شدة خوفهم من الله وخشيتهم له ، ففي الصحيحين من حديث عائشة رضي الله عنها في أمر النبي صلى الله عليه وسلم أبابكر أن يصلي في الناس ( أثناء مرضه ) : ( .. فقلت يارسول الله ، إن أبا بكر رجل رقيق القلب إذا قرأ القرآن لا يملك دمعه ) وفي رواية : ( إن أبابكر إذا قام في مقامك لم يسمع الناس من البكاء ) أخرج الحديث الشيخان مسلم والبخاري في صحيحيهما ،، ـ
وفي الحلية لأبي نعيم عن عبد الله بن عيسى قال : ( كان في وجه عمر خطان أسودان من البكاء ) ،وعن هشام بن الحسن قال : ( كان عمر يمر بالآية في ورده فتخنقه ، فيبكي حتى يسقط ) ، حلية الأولياء 1\51 ـ
وعن عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه أنه أتى بصحفة فيها خبز ولحم ، فما وضعت بكى ، فقيل له : يا أبا محمد ، ما يبكيك ؟ قال : هلك رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يشبع هو وأهل بيته من خبز الشعير ، ولا أرانا أخرنا لها هو خير منها ،، أورده أبو نعيم في الحلية 1\100 ـ وكان ابن عمر لا يذكر النبي صلى الله عليه وسلم قط الا بكى ، رواه الدارمي في سننه 1\54 ـ
وأخبارهم رضي الله عنهم في ذلك تطول ،، وإنما ذكرت هنا أمثلة ، للرد على ما افتراه هذا الرافضي في حق الصحابة ،من زعمه عدم خشوعهم وخشيتهم وقسوة قلوبهم ، وبيان براءتهم من طعنه وقدحه بهذه الأمثة الدالة على قوة ايمانهم وشدة خوفهم من الله تعالى ، وحسبهم قبل ذلك تزكية الله ورسوله لهم ، وما ثبت في الكتاب والسنة من فضائلهم ومناقبهم التي اختصهم الله بها على من بعدهم من الأمة فرضي عنهم أجمعين وأعلى منازلهم في جنات النعيم . ـ
وبالوقوف على النصوص الأخرى وأقوال أهل العلم المفسرة لهذه الآيات ، والموضحة لمقصودها ، والمبينة لأسباب نزولها يتضح بطلان ما ادعاه الرافضي في حق الصحابة رضي الله عنهم ، وأن هذه الآيات لا تدل بحال على ذم الصحابة أو تنقصهم وإنما يحمل الرافضة على تأويلها على غير مراد الله منها وتحريفها عن مواضعها ، ما امتلأت به قلوبهم من حقد وضغينة على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ،،، هذا مع ما عليه هؤلاء الرافضة من جهل عظيم بالشرع ، ونقص كبير في العقول ، وبلادة في الأفهام ، مصحوب ذلك بهوى وظلم وكذب وافتراء . ـ
ولذا ذكر شيخ الإسلام في وصفهم : (( والقوم من اكذب الناس في النقليات ، ومن أجهل الناس في العقليات ، يصدقون من المنقول بما يعلم العلماء بالاضطرار أنه من الأباطيل ، ويكذبون بالمعلوم من الاضطرار المتواتر أعظم تواتر في الأمة ، جيلا بعد جيل )) ، ـ
وفي ختام هذا المبحث في الرد على الرافضي في ما يستدل به من آيات في الطعن على الصحابة أذكر بعض الأوجه العامة في الرد على استدلاله ببعض الآيات ، فأقول مستعينا بالله : ـ
ـ ((((( الوجه الأول ))))) ::: ـ
أن كل ما يستدل به الرافضة من آيات في الطعن على الصحابة لا يخلو من ثلاثة أقسام :::ـ
أولا : إما أن تكون آيات نزلت في الكفار والمنافقين ، ينزلونها على الصحابة بجهل وظلم ، لا حجة لهم فيها بوجه عند أهل العلم ـ
ثانيا : وإما أن تكون آيات عامة نزلت في حث الأمة على الخير وأمرها به ، أو تحذيرها من الشر ونهيها عنه ، والخطاب فيها للصحابة ولمن بعدهم من الامة ، وهي مصدرة في الغالب : ب ( يا أيها الذين آمنوا ) ، وذلك كقوله تعالى : (( يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم )) ، وقوله : (( يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم )) ، وقوله : (( يا أيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيرا من الظن)) ، والأمثلة على هذا كثيرة جدا في القرآن ، وليس فيها أي طعن على الصحابة ـ
وقد خاطب الله تعالى بمثل هذا رسوله صلى الله عليه وسلم كما في قوله : (( يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته )) وقوله : (( ولقد أوحي إليك وإلى الذين من قبلك لئن أشركت ليحبطن عملك ولتكونن من الخاسرين )) وقوله : (( ولئن اتبعت أهواءهم من بعد ما جاءك من العلم إنك إذا لمن الظالمين )) وقوله : (( ولا تمنن تستكثر ولربك فاصبر )) ،، وقوله : (( فاصبر كما صبر أولوا العزم من الرسل ولا تستعجل لهم )) ،
وغيرها من الآيات في معناها ، فكما أن هذه الآيات بما تضمنته من الأوامر والنواهي من الله ورسوله ليس فيها أي مطعن عليه ، فكذلك ما ثبت من ذلك في حق الصحابة ليس فيه أي مطعن عليهم ـ
ثالثا : وأما القسم الثالث من الآيات فآيات تضمنت نوع عتاب من الله لبعض الصحابة كما في قوله تعالى : (( ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله وما نزل من الحق ..)) وقوله تعالى : (( يا أيها الذين آمنوا مالكم إذا قيل لكم انفروا في سبيل الله اثاقلتم إلى الأرض )) ، وكقوله تعالى : (( يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء تلقون إليهم بالمودة )) ، فهذه الآيات وما في معناها ليس فيها كذلك مطعن على الصحابة ، وإنما عاتب الله بها أفرادا منهم ، بل ربما كان العتاب لفرد واحد منهم ، كما في الآية الآخيرة ، فإنها نزلت في حاطب بن أبي بلتعة رضي الله عنه ،، ومن الخطأ البالغ تعميم العتاب على الصحابة كلهم ، كما هو صنيع الرافضة في ذلك بل ويستنتجون من ذلك كفر الصحابة ايضا !!،ـ
وأيضا فإن الله تعالى خاطبهم فيها بوصف الإيمان الدال على تزكية الله لهم وثنائه عليهم حين ناداهم ( ألم يأن للذين آمنوا ..)، ولهذا أطلق على هذه الآيات وأمثالها على انها عتاب من الله ( والعتاب يصدر من المحب ) للمؤمنين ، كما في أثر ابن مسعود المتقدم : ( ما كان بين إسلامنا وبين أن عاتبنا الله بهذه الآية
ـ ( ألم يأن للذين آمنوا ..) إلا أربع سنين ) ، أخرجه مسلم ،، ـ
والعتاب عرفه أهل اللغة بأنه (( مخاطبة الإدلال وكلام المدلين أخلاءهم طالبين حسن مراجعتهم ))
، وبـهذا المعنى ( أن العتاب يكون بين الخلان والمحبين ) عاتب الله صحابة نبيه ، كما وعاتب الله عز وجل رسوله وخليله ـ صلى الله عليه وسلم ـ في أكثر من آية كما في قوله تعالى
(( عبس وتولى ، أن جاءه الأعمى )) ، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم بعدها يكرم ابن أم مكتوم ويقول له إذا رآه : (( مرحبا بمن عاتبني فيه ربي )) ، وقال تعالى معاتبا نبيه أيضا : (( يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك تبتغي مرضات أزواجك والله غفور رحيم )) ، إلى غير ذلك من الأمثلة في هذا الباب من عتاب الله للنبي والمؤمنين ، فهل نقول هنا ـ بنفس اسلوب الرافضي ـ أن الله تعالى هدد النبي وحذره من تحريم ما أحله الله و بأنه بعد كل هذه الأعوام من تشريفه بالرسالة أصبح يحرم ما أحله الله لأجل مرضاة زوجاته ؟!!!! هذا هو أسلوب الرافضة في الاستدلال ، ولكننا ندرك أن هذا عتاب لطيف من الله لنبيه وحبيبه الرسول الأمين صلى الله عليه وسلم ، فالمقصود هنا : هو التأكيد على أن كل ما ثبت في حق الصحابة من عتاب الله تعالى لهم ، لا يوجب انتقاصهم به ، إذا ما ثبت مثله في حق الرسول صلى الله عليه وسلم وهو بالمكانة المعروفة من ربه ! ـ
فأثبت من هذا الوجه أنه لا حجة للرافضة فيما استدلوا به من آيات للطعن في الصحابة عند النظر والتدقيق والبحث والتحقيق ـ
ـ ((((( الوجه الثاني ))))) :::: ـ
أنا لو أسلمنا ـ جدلا ـ أن في تلك الآيات التي ذكرها الرافضي ذما لبعض الصحابة ، فمن أين له الحكم على بعضهم بأنهم هم المعنيون بالذم دون سواهم ممن تعتقد الرافضة عدالتهم من الصحابة ؟؟
وعلى رأسهم علي رضي الله عنه ، ،،، ؟؟
فإن هذا التعيين يحتاج إلى دليل ، واستثناء الصحابة السبعة العدول لديهم وعلي ايضا يحتاج الى دليل أيضا ، وإلا فلغير هذا الرافضي أن يدعي ما يشاء ، وينزل تلك الآيات على من شاء من الصحابة ، كما لو احتج الخوارج بتلك الآيات على تكفير علي ـ رضي الله عنه ـ ،، أو النواصب على تفسيقه ،،، فلن يجد الرافضي ولا غيره من الرافضة حجة عندها يدفعون بها عن علي رضي الله عنه هذه التهمة إلا بقول أهل السنة واعتقاد عدالة الصحابة جميعا ـ
ـ ((((( الوجه الثالث ))))) :::: ـ
أن الله تعالى أثنى في كتابه على الصحابة أبلغ الثناء وزكاهم أعظم تزكية ، وأخبر أنه رضي الله عنهم ورضوا عنه ، ووصفهم بالإيمان والتقوى ووعدهم بالحسنى ، كقوله تعالى : (( والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان رضي الله عنهم ورضوا عنه وأعد لهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا ذلك الفوز العظيم )) ،، وقوله تعالى : (( لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة فعلم ما في قلوبهم فأنزل السكينة عليهم وأثابهم فتحا قريبا )) ،،، وقوله تعالى : (( محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم ، تراهم ركعا سجدا يبتغون فضلا من الله ورضوانا سيماهم في وجوههم من أثر السجود ، ذلك مثلهم في التوراة ومثلهم في الانجيل كزرع أخرج شطأه فآزره فاستغلظ فاستوى على سوقه يعجب الزراع ( ليغيظ بهم الكفار ) وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات منهم مغفرة وأجرا عظيما )) ، وقوله : (( لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل أولئك أعظم درجة من الذين أنفقوا من بعد وقاتلوا وكلا وعد الله الحسنى )) ،، وقوله تعالى : (( للفقراء المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم يبتغون فضلا من الله ورضوانا وينصرون الله ورسوله أولئك هم الصادقون ،، والذين تبوءوا الدار والإيمان من قبلهم يحبون من هاجر إليهم ولا يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون )) ،
أعتذر أولا عن تأخري في الرد ، وأرجو أن تلمتمسوا لي العذر في ذلك ، واعذروني أيضا إذا كان في مقالي هذا طول واستفاضة ، فما ذلك إلا لأنني حاولت جهدي أن أحوي هذه المقالة الرد القاطع والنهائي على شبهة ذم الله تعالى للصحابة في القرآن الكريم التي افتراها الرافضي ،، وقد استفضت في طرح الأدلة لإنهاء الجدال في مسألة ذم القرآن للصحابة ، وأدعو المنصف الشيعي أن ينقي عقله من حساسيات التعصب الأعمى والحقد الدفين وأن يجرد عقله لما سيقرأ ، وأدعو الله للجميع السداد والتوفيق والهداية ...ـ
ومن أراد الحق فلن يبخل على نفسه بخمس دقائق يقضيها في قراءة مقالي هذا بتأني ،، والله الموفق
الرد على الفرية الرابعة : طعن الرافضي بقوله تعالى : (( ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله ..)) ـ
قال الرافضي : نزلت في المهاجرين و هم السباقون و مع ذلك لم تخشع قلوبهم حتى عاتبهم الله و حذرهم من قسوة القلوب التي تؤدي للفسوق
والجواب عليه : ـ
هذه الآية لا تدل بحال على ما ادعاه : من زعمه أن قلوب الصحابة لم تخشع لذكر الله ، بل هذا من الكذب والافتراء على الله الذي لا تحتمله الآية ، ويعرف هذا بمعرفة أقوال المفسرين في سبب نزولها وتفسيرها ، فهذه الآية قد اختلف المفسرون في سبب نزولها .، ولم يقطعوا في أنها نزلت في الصحابة يقينا ـ
فقيل أنها نزلت في المنافقين ، قال الكلبي ومقاتل : نزلت في المنافقين بعد الهجرة بسنة ، وذلك أنهم سألوا سلمان الفارسي ذات يوم فقالوا : حدثنا عن التوراة فإن فيها العجائب ، فنـزلت : (( نحن نقص عليك أحسن القصص )) ، فأخبرهم أن القرآن أحسن قصصا من غيره ، فكفوا عن سؤال سلمان ما شاء الله ، ثم عادوا فسألوا سلمان عن مثل ذلك ، فنـزلت : (( الله نزل أحسن الحديث كتابا متشابها )) ، فكفوا عن سؤاله ما شاء الله ، ثم عادوا فقالوا : حدثنا عن التوراة فإن فيها العجائب ، فنزلت هذه الآية
ـ(( ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله وما نزل من الحق ..)) ـ
وقال آخرون : نزلت في المؤمنين ، قال عبد الله بن مسعود : ما كان بين إسلامنا وبين أن عاتبنا الله بهذه الآية :
ـ(( ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله )) إلا أربع سنين ـ انظر تفسير البغوي 4\297 ، وتفسير القرطبي 17\240 ـ
وقيل : هي خطاب لمن آمن بموسى وعيسى دون محمد عليهم السلام ، لأنه قال عقب هذا : (( والذين آمنوا بالله ورسله )) ، أي ألم يأن للذين آمنوا بالتوراة والانجيل أن تلين قلوبهم للقرآن ، وألا يكونوا كمتقدمي قوم موسى وعيسى ، إذ طال عليهم الأمد بينهم وبين نبيهم فقست قلوبهم . ـ
فهذه أقوال المفسرين في سبب نزول الآية ، وعلى قول من قال إنها نزلت في المنافقين أو في أهل الكتاب فلا وجه لتنـزيلها على الصحابة بحال . ـ
وأما القول بنزولها فيهم : فإنها لا مطعن فيها على الصحابة لأن غاية ما في الآية هو حثهم على أن تخشع قلوبهم لذكر الله وما نزل عليهم من القرآن ، وأن أوان ذلك قد حان ، دون أن تتعرض الآية لذمهم أو تنقصهم . ـ
وليس في الآية ما يدل على نفي أصل الخشوع من القلب ، وهو الخشوع الواجب ،، بل وصف الله تعالى لهم بالإيمان في قوله
ـ (( ألم يأن للذين آمنوا )) ، دليل على أن أصل الخشوع القلبي موجود ، لكنه أراد أن ينقلهم إلى درجة أعلى منه ،، وذلك أن الخشوع منه ما هو واجب ومنه ما هو مستحب . ـ
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله : (( فإن قيل فخشوع القلب لذكر الله وما نزل من الحق واجب قيل : نعم ، لكن الناس انقسموا فيه على قسمين : مقتصد ، وسابق ، فالسابقون يختصون بالمستحبات ، والمقتصدون الأبرار هم عموم المؤمنين المستحقين للجنة )) ـ
وعلى هذا فالخطاب في الأية يكون في حق من لم يحقق تلك الدرجة العالية من الخشوع دون من بلغها من الصحابة ،، يؤيد هذا ما نقله الشوكاني عن الزجاج في سبب نزول الآية حيث قال : ( نزلت في طائفة من المؤمنين حثوا على الرقة والخشوع ، فأما من وصفهم الله بالرقة والخشوع فطبقة فوق هؤلاء ) ـ
وقد ثبتت هذه المنزلة العالية من الخشوع وكثرة البكاء لبعض الصحابة قبل نزول هذه الآية ، ومن ذلك ما ثبت عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه من رواية عائشة رضي الله عنها في قصة جوار ابن الدغنة لأبي بكر في بداية البعثة وفيها : ( .. ثم بدا لأبي بكر فابتنى مسجدا بفناء داره ، فكان يصلي فيه ويقرأ فيتقصف عليه نساء المشركين وأبناؤهم ، يعجبون منه وينظرون إليه ، وكان أبو بكر رضي الله عنه رجلا بكاء لا يملك دمعه حين يقرأ القرآن ، فأفزع ذلك أشراف قريش من المشركين ) أخرجه البخاري ، وهذه الحادثة في بداية البعثة وهي قبل نزول الآية قطعا ـ
ومن خشوع الصحابة ايضا : ما رواه الشيخان من حديث أنس ـ رضي الله عنه ـ قال : ( خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم خطبة ما سمعت مثلها قط ، قال : لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرا ، قال : فغطى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وجوههم لهم حنين ..) وفي رواية مسلم ( خنين ) ، والحنين هو : الصوت الذي يرتفع بالبكاء من الصدر ، والخنين : من الأنف ، والمقصود شدة بكائهم من موعظة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وفي رواية أخرى لمسلم : ( فأكثر الناس البكاء ، حين سمعوا ذلك من رسول الله صلى الله عليه وسلم ) ، وقد ثبت البكاء لبعض الصحابة بل كان بعضهم معروفا به مما يدل على شدة خوفهم من الله وخشيتهم له ، ففي الصحيحين من حديث عائشة رضي الله عنها في أمر النبي صلى الله عليه وسلم أبابكر أن يصلي في الناس ( أثناء مرضه ) : ( .. فقلت يارسول الله ، إن أبا بكر رجل رقيق القلب إذا قرأ القرآن لا يملك دمعه ) وفي رواية : ( إن أبابكر إذا قام في مقامك لم يسمع الناس من البكاء ) أخرج الحديث الشيخان مسلم والبخاري في صحيحيهما ،، ـ
وفي الحلية لأبي نعيم عن عبد الله بن عيسى قال : ( كان في وجه عمر خطان أسودان من البكاء ) ،وعن هشام بن الحسن قال : ( كان عمر يمر بالآية في ورده فتخنقه ، فيبكي حتى يسقط ) ، حلية الأولياء 1\51 ـ
وعن عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه أنه أتى بصحفة فيها خبز ولحم ، فما وضعت بكى ، فقيل له : يا أبا محمد ، ما يبكيك ؟ قال : هلك رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يشبع هو وأهل بيته من خبز الشعير ، ولا أرانا أخرنا لها هو خير منها ،، أورده أبو نعيم في الحلية 1\100 ـ وكان ابن عمر لا يذكر النبي صلى الله عليه وسلم قط الا بكى ، رواه الدارمي في سننه 1\54 ـ
وأخبارهم رضي الله عنهم في ذلك تطول ،، وإنما ذكرت هنا أمثلة ، للرد على ما افتراه هذا الرافضي في حق الصحابة ،من زعمه عدم خشوعهم وخشيتهم وقسوة قلوبهم ، وبيان براءتهم من طعنه وقدحه بهذه الأمثة الدالة على قوة ايمانهم وشدة خوفهم من الله تعالى ، وحسبهم قبل ذلك تزكية الله ورسوله لهم ، وما ثبت في الكتاب والسنة من فضائلهم ومناقبهم التي اختصهم الله بها على من بعدهم من الأمة فرضي عنهم أجمعين وأعلى منازلهم في جنات النعيم . ـ
وبالوقوف على النصوص الأخرى وأقوال أهل العلم المفسرة لهذه الآيات ، والموضحة لمقصودها ، والمبينة لأسباب نزولها يتضح بطلان ما ادعاه الرافضي في حق الصحابة رضي الله عنهم ، وأن هذه الآيات لا تدل بحال على ذم الصحابة أو تنقصهم وإنما يحمل الرافضة على تأويلها على غير مراد الله منها وتحريفها عن مواضعها ، ما امتلأت به قلوبهم من حقد وضغينة على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ،،، هذا مع ما عليه هؤلاء الرافضة من جهل عظيم بالشرع ، ونقص كبير في العقول ، وبلادة في الأفهام ، مصحوب ذلك بهوى وظلم وكذب وافتراء . ـ
ولذا ذكر شيخ الإسلام في وصفهم : (( والقوم من اكذب الناس في النقليات ، ومن أجهل الناس في العقليات ، يصدقون من المنقول بما يعلم العلماء بالاضطرار أنه من الأباطيل ، ويكذبون بالمعلوم من الاضطرار المتواتر أعظم تواتر في الأمة ، جيلا بعد جيل )) ، ـ
وفي ختام هذا المبحث في الرد على الرافضي في ما يستدل به من آيات في الطعن على الصحابة أذكر بعض الأوجه العامة في الرد على استدلاله ببعض الآيات ، فأقول مستعينا بالله : ـ
ـ ((((( الوجه الأول ))))) ::: ـ
أن كل ما يستدل به الرافضة من آيات في الطعن على الصحابة لا يخلو من ثلاثة أقسام :::ـ
أولا : إما أن تكون آيات نزلت في الكفار والمنافقين ، ينزلونها على الصحابة بجهل وظلم ، لا حجة لهم فيها بوجه عند أهل العلم ـ
ثانيا : وإما أن تكون آيات عامة نزلت في حث الأمة على الخير وأمرها به ، أو تحذيرها من الشر ونهيها عنه ، والخطاب فيها للصحابة ولمن بعدهم من الامة ، وهي مصدرة في الغالب : ب ( يا أيها الذين آمنوا ) ، وذلك كقوله تعالى : (( يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم )) ، وقوله : (( يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم )) ، وقوله : (( يا أيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيرا من الظن)) ، والأمثلة على هذا كثيرة جدا في القرآن ، وليس فيها أي طعن على الصحابة ـ
وقد خاطب الله تعالى بمثل هذا رسوله صلى الله عليه وسلم كما في قوله : (( يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته )) وقوله : (( ولقد أوحي إليك وإلى الذين من قبلك لئن أشركت ليحبطن عملك ولتكونن من الخاسرين )) وقوله : (( ولئن اتبعت أهواءهم من بعد ما جاءك من العلم إنك إذا لمن الظالمين )) وقوله : (( ولا تمنن تستكثر ولربك فاصبر )) ،، وقوله : (( فاصبر كما صبر أولوا العزم من الرسل ولا تستعجل لهم )) ،
وغيرها من الآيات في معناها ، فكما أن هذه الآيات بما تضمنته من الأوامر والنواهي من الله ورسوله ليس فيها أي مطعن عليه ، فكذلك ما ثبت من ذلك في حق الصحابة ليس فيه أي مطعن عليهم ـ
ثالثا : وأما القسم الثالث من الآيات فآيات تضمنت نوع عتاب من الله لبعض الصحابة كما في قوله تعالى : (( ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله وما نزل من الحق ..)) وقوله تعالى : (( يا أيها الذين آمنوا مالكم إذا قيل لكم انفروا في سبيل الله اثاقلتم إلى الأرض )) ، وكقوله تعالى : (( يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء تلقون إليهم بالمودة )) ، فهذه الآيات وما في معناها ليس فيها كذلك مطعن على الصحابة ، وإنما عاتب الله بها أفرادا منهم ، بل ربما كان العتاب لفرد واحد منهم ، كما في الآية الآخيرة ، فإنها نزلت في حاطب بن أبي بلتعة رضي الله عنه ،، ومن الخطأ البالغ تعميم العتاب على الصحابة كلهم ، كما هو صنيع الرافضة في ذلك بل ويستنتجون من ذلك كفر الصحابة ايضا !!،ـ
وأيضا فإن الله تعالى خاطبهم فيها بوصف الإيمان الدال على تزكية الله لهم وثنائه عليهم حين ناداهم ( ألم يأن للذين آمنوا ..)، ولهذا أطلق على هذه الآيات وأمثالها على انها عتاب من الله ( والعتاب يصدر من المحب ) للمؤمنين ، كما في أثر ابن مسعود المتقدم : ( ما كان بين إسلامنا وبين أن عاتبنا الله بهذه الآية
ـ ( ألم يأن للذين آمنوا ..) إلا أربع سنين ) ، أخرجه مسلم ،، ـ
والعتاب عرفه أهل اللغة بأنه (( مخاطبة الإدلال وكلام المدلين أخلاءهم طالبين حسن مراجعتهم ))
، وبـهذا المعنى ( أن العتاب يكون بين الخلان والمحبين ) عاتب الله صحابة نبيه ، كما وعاتب الله عز وجل رسوله وخليله ـ صلى الله عليه وسلم ـ في أكثر من آية كما في قوله تعالى
(( عبس وتولى ، أن جاءه الأعمى )) ، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم بعدها يكرم ابن أم مكتوم ويقول له إذا رآه : (( مرحبا بمن عاتبني فيه ربي )) ، وقال تعالى معاتبا نبيه أيضا : (( يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك تبتغي مرضات أزواجك والله غفور رحيم )) ، إلى غير ذلك من الأمثلة في هذا الباب من عتاب الله للنبي والمؤمنين ، فهل نقول هنا ـ بنفس اسلوب الرافضي ـ أن الله تعالى هدد النبي وحذره من تحريم ما أحله الله و بأنه بعد كل هذه الأعوام من تشريفه بالرسالة أصبح يحرم ما أحله الله لأجل مرضاة زوجاته ؟!!!! هذا هو أسلوب الرافضة في الاستدلال ، ولكننا ندرك أن هذا عتاب لطيف من الله لنبيه وحبيبه الرسول الأمين صلى الله عليه وسلم ، فالمقصود هنا : هو التأكيد على أن كل ما ثبت في حق الصحابة من عتاب الله تعالى لهم ، لا يوجب انتقاصهم به ، إذا ما ثبت مثله في حق الرسول صلى الله عليه وسلم وهو بالمكانة المعروفة من ربه ! ـ
فأثبت من هذا الوجه أنه لا حجة للرافضة فيما استدلوا به من آيات للطعن في الصحابة عند النظر والتدقيق والبحث والتحقيق ـ
ـ ((((( الوجه الثاني ))))) :::: ـ
أنا لو أسلمنا ـ جدلا ـ أن في تلك الآيات التي ذكرها الرافضي ذما لبعض الصحابة ، فمن أين له الحكم على بعضهم بأنهم هم المعنيون بالذم دون سواهم ممن تعتقد الرافضة عدالتهم من الصحابة ؟؟
وعلى رأسهم علي رضي الله عنه ، ،،، ؟؟
فإن هذا التعيين يحتاج إلى دليل ، واستثناء الصحابة السبعة العدول لديهم وعلي ايضا يحتاج الى دليل أيضا ، وإلا فلغير هذا الرافضي أن يدعي ما يشاء ، وينزل تلك الآيات على من شاء من الصحابة ، كما لو احتج الخوارج بتلك الآيات على تكفير علي ـ رضي الله عنه ـ ،، أو النواصب على تفسيقه ،،، فلن يجد الرافضي ولا غيره من الرافضة حجة عندها يدفعون بها عن علي رضي الله عنه هذه التهمة إلا بقول أهل السنة واعتقاد عدالة الصحابة جميعا ـ
ـ ((((( الوجه الثالث ))))) :::: ـ
أن الله تعالى أثنى في كتابه على الصحابة أبلغ الثناء وزكاهم أعظم تزكية ، وأخبر أنه رضي الله عنهم ورضوا عنه ، ووصفهم بالإيمان والتقوى ووعدهم بالحسنى ، كقوله تعالى : (( والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان رضي الله عنهم ورضوا عنه وأعد لهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا ذلك الفوز العظيم )) ،، وقوله تعالى : (( لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة فعلم ما في قلوبهم فأنزل السكينة عليهم وأثابهم فتحا قريبا )) ،،، وقوله تعالى : (( محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم ، تراهم ركعا سجدا يبتغون فضلا من الله ورضوانا سيماهم في وجوههم من أثر السجود ، ذلك مثلهم في التوراة ومثلهم في الانجيل كزرع أخرج شطأه فآزره فاستغلظ فاستوى على سوقه يعجب الزراع ( ليغيظ بهم الكفار ) وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات منهم مغفرة وأجرا عظيما )) ، وقوله : (( لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل أولئك أعظم درجة من الذين أنفقوا من بعد وقاتلوا وكلا وعد الله الحسنى )) ،، وقوله تعالى : (( للفقراء المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم يبتغون فضلا من الله ورضوانا وينصرون الله ورسوله أولئك هم الصادقون ،، والذين تبوءوا الدار والإيمان من قبلهم يحبون من هاجر إليهم ولا يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون )) ،
- ففي الآيتين الماضيتين وصف الله المهاجرين بالصادقين ووصف الانصار بالمفلحين ، وقوله تعالى فيمن جاء بعدهم من التابعين والمؤمنين إلى يوم القيامة : (( والذين جاءوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا ربنا إنك رءوف رحيم )) ،، فهنا يدعوا التابعون والمؤمنون الذين يأتون بعد عصر الصحابة ، يدعون الله أن يلحقهم بهم ، والأهم أنهم يدعونه أن لا يجعل في قلوبهم غلا للذين آمنوا ( الصحابة ) ،، وهذا ما لم تستطعه الرافضة فامتلأت قلوبهم غلا و قيحا وصديدا وغيظا على الصحابة رضوان الله عليهم ،، ـ
فقد تضمنت هذه الآيات ثناء الله عز وجل العظيم على الصحابة ووصفه لهم بتلك الصفات الفاضلة الدالة على علو شأنهم في الدين ، وسمو مكانتهم فيه وإخباره بما أعد لهم في الآخرة من الأجر والثواب والمغفرة والرضوان والخلود في جنات تجري من تحتها الأنهار ،، مما يدل دلالة واضحة على بطلان ما ادعاه الرافضي من أن بعض الآيات جاءت بذمهم وتنقصهم ، وذلك أن القرآن كتاب محكم لا يناقض بعضه بعضا ،، كما قال تعالى : ( ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا ) ـ
ولو افترض وجود بعض الآيات التي تدل بظاهرها على ما ادعى الرافضي ، فالواجب حمل هذه الآيات على الآيات الصريحة القاطعة بعدالة الصحابة جميعا ، فكيف والنصوص من الكتاب والسنة متواترة بعدالتهم وقاطعة بإيمانهم رضي الله عنهم !! ـ
ـ (((((( الوجه الرابع )))))) ::::ـ
أن الله تعالى أثنى على المستغفرين لهم السائلين الله تعالى أن لا يجعل في قلوبهم غلا لهم ، فقال بعد أن ذكر المهاجرين والأنصار (( والذين جاءوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا ربنا إنك رؤوف رحيم )) ، فكيف يتصور بعد هذا أن يذمهم الله سبحانه وتعالى في آيات آخرى بما يوجب تنقصهم وبغضهم ؟!!! فإن هذا أبعد ما يكون عند أصحاب العقول أن يتضمن ذلك كتاب الله تعالى المحكم المنـزه عن الاختلاف والاضطراب ! ـــ
ـ (((((( الوجه الخامس )))))) :::: ـ
أن الله تعالى جعل أصحاب نبيه غيظا للكفار فقال ( ليغيظ بهم الكفار ) ، ((( فمن المحال بعد ذلك أن يجعل الله للكفار حجة عليهم بذمهم في كتابه ))) ،، وقد قال تعالى : ( ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا ) ــــــــ
وبهذا يظهر زيف دعوى الرافضي في أن القرآن قد جاء بذم الصحابة ،، فلله الحمد والمنة ـ
