Batman Begins

يمثل فيلم “باتمان يبدأ” أو “كيف بدأت أسطورة باتمان” الذي يعرض في صالات الإمارات، تحديا حقيقيا لمخرجه البريطاني الشاب كريستوفر نولان، الذي اشترك في كتابة السيناريو أيضا مع ديفيد اس جوير، لكي يحكي لنا طرفا من حكايات “الرجل الوطواط” أو “باتمان” التي ظهرت للمرة الأولى على صفحات الجرائد منذ أكثر من نصف قرن في سلسلة القصص المصورة من تأليف بوب كين، ثم انتقلت إلى التلفزيون قبل أن تظهر على شاشة السينما في سلسلة بدأت عام 1989 بفيلمين مغرقين في الخيال من إخراج تيم بيرتون، ثم فيلمين يحتشدان بعجائب وغرائب المخلوقات أخرجهما جويل شوماخر الذي يميل إلى جنون الخيال العلمي.
وبهذه الأفلام الأربعة، ومع الأخبار الفنية التي تناثرت حول نيات هوليوود “بإعادة تدوير” حدوتة “باتمان” مرة أخرى تداعت إلى الذاكرة محاولات جورج لوكاس في سلسلته الجديدة عن “حرب النجوم” التي جاءت أضعف كثيراً من الثلاثية القديمة، لذلك ساد الشعور لدى الجمهور والنقاد بأن من الصعب -إن لم يكن من المستحيل- إعادة تقديم “باتمان” مرة أخرى على الشاشة، بعد أن استنفدت هذه الأفلام الأربعة باهظة التكاليف كل الحيل الدرامية والتقنية الممكنة. وهنا قررت شركة “إخوان وارنر” منتجة الفيلم أن تستعين بآخر ممن يمكن تخيلهم من المخرجين الذين يصلحون لصنع أفلام عن الأبطال الخارقين، لأنها أرادت أن تصنع “باتمان” جديدا أو فلنقل إنها أرادت تأليف وتوليف حكاياته كما لو أنها كانت تروى للمرة الأولى.
استطاع المخرج نولان أن يعطي فيلم “باتمان يبدأ” نكهة خاصة، بالغوص في أعماق ذلك البطل الخارق للبحث في ماضيه عن الدوافع المنطقية والواقعية التي حولته إلى كائن غير منطقي وغير واقعي، وهو ما أضفى على شخصية البطل الخارق مصداقية لم تتحقق في ما سبق من أفلام، مما يجعل المتفرج -خاصة من المراهقين والشباب صغار السن- يتوحد مع البطل في تحولاته من طفل يخاف الخفافيش ويقف مشلولا أمام مصرع أبويه أمام عينيه إلى أن يصبح هو نفسه “الرجل الخفاش”” الذي يثير الرعب في قلوب الأشرار ويمنعهم من ارتكاب المزيد من الجرائم. كما أن اختيار المخرج كريستوفر نولان للممثل البريطاني الشاب كريستيان بيل للقيام بدور البطولة كان نابعا من أن ملامحه توحي بالفعل بهذا البطل المنقسم على نفسه، بين الإحساس بالذنب والخوف والغضب في آن، والذي يسعى إلى أن يحول هذه المشاعر السلبية إلى قوة ايجابية يحارب بها الشر والأشرار.
يبدأ الفيلم على نحو شديد الذكاء عندما تظهر علامة الشركة المنتجة بالأبيض والأسود، وتظهر حبيبات الصورة على الشاشة كأنها تكبير لصفحة من صفحات الجرائد القديمة، ليذكرك الفيلم بأنه يعتمد على السلسلة المصورة التي بدأت عام ،1939 ثم يأتي أول مشاهد الفيلم للطفل بروس وين “جاس لويس” وهو يلعب مع جارته الطفلة ريتشيل “ايما لوكهارت”، ليسقط دون قصد في إحدى الآبار المهجورة، حيث يهاجمه سرب هائج من الخفافيش فيستولي على قلبه الذعر. سوف تدرك مع المشهد الثاني أن هذا المشهد الافتتاحي لم يكن إلا كابوسا أو “ذكرى” تطارد البطل الشاب “كريستيان بيل” وهو سجين في أحد سجون براري آسيا الموحشة، حيث يعاني من قسوة السجناء عليه واضطراره إلى مقاتلتهم بضراوة ليلتقطه من هناك رجل غامض يدعى ديوكارد “ليام نيسون” ويعرض عليه مساعدته على الهرب واللحاق به إلى منزل يقبع على قمة جبل جليدي. وبالفعل يخوض بروس الشاب هذه المغامرة، حيث يكتشف أن هناك مجموعة من المحاربين تطلق على نفسها اسم “تحالف الظلال” ويتزعمها الرجل الصامت الذي يحمل اسم رأس الغول “كين واتانابي”، ووسط “تحالف الظلال” سوف يصبح بروس هو التلميذ بينما يقوم على تعليمه ديوكارد، وهو التعليم الذي يتضمن العديد من الجوانب: إتقان فنون القتال والتمتع بأقصى قدر من القوة البدنية، والتحكم في الغضب وتحويله إلى طاقة هائلة من العنف، وعدم نسيان المبدأ الأول لجماعة “تحالف الظلال” وهو: إذا كنت تخاف من عدوك فإن مواجهتك له تبدأ من قدرتك على إثارة قدر أكبر من الخوف والرعب في قلبه.
يبدو بروس في البداية متوائما مع مبادئ وتقاليد الجماعة، لكنه يدرك فيما بعد أنها تسعى للانتقام من الشر باستخدام الشر، ولأن بروس يريد العدالة وليس الانتقام فإنه يرفض الاستمرار مع “تحالف الظلال” مما يقوده إلى مواجهة دموية معهم تنتهي إلى مصرع رأس الغول وترك ديوكارد بين الحياة والموت، بينما يقرر بروس العودة إلى مدينة “جوتام” لكي يستأنف حياته بعد أن أدرك بعضا مما كان يبحث عن الإيمان به. وفي قصره العتيق في مدينة “جوتام” لا يزال ينتظره رئيس الخدم “الفريد” مايكل كين المخلص دائما لعائلة وين في كل أجيالها، والذي يساعد بطلنا بروس على إدراك الحقائق الجديدة حول ممتلكات العائلة وعن مدينة “جوتام” ذاتها بعد أن هجرها بروس طوال السنوات الماضية، لقد آلت الشركة التي كان الأب الراحل يملكها إلى إدارة ايرل “روتجر هاور” الذي أمر بأن تتوقف الشركة عن أعمالها الخيرية لتتبنى خططا اقتصادية متوحشة، أما مدينة “جوتام” فهي تشبه مدن الخيال العلمي في الأفلام ذات الظلال المتشائمة، فرغم أنها تحمل العديد من ملامح مدينة شيكاجو المعاصرة -مع إضافة قطار يمضي بين ناطحات السحاب فيها- فإنها تعيش زمنا غامضا، مزيجا من الزمن المعاصر والمستقبل مع ظلال قاتمة من أمريكا في فترة الكساد خلال ثلاثينات القرن العشرين (نفس الفترة التي ظهرت فيها السلسلة المصورة للمرة الأولى) إنها مدينة تشهد تناقضا هائلا بين الأثرياء المترفين والفقراء الباحثين عن مأوى في الشوارع المظلمة، ومدينة يحكمها الفساد، حيث تتقاسمها عصابات المافيا بزعامة فالكوني “توم ويلكينسون” ورجال الشرطة المرتشين، ونظام قضائي عفن يحول المجرمين إلى مستشفى الأمراض العقلية حيث يجري عليهم الطبيب غريب الأطوار كرين “كيليان ميرفي” تجاربه حول غاز يثير الخوف في نفس من يستنشقه ويجعله يعيش خيالات مرعبة لا وجود لها.
ليس هناك من أخبار في مدينة جوتام سوى صديقة الطفولة ريتشيل التي أصبحت الآن فتاة جميلة “كاتي هولمز” والتي تعمل وكيلة للنائب العام، والشرطي الشريف الوحيد في المدينة جوردون “جاري اولدمان”، وأخيرا هناك العالم المخترع لوسيوس فوكس “مورجان فريمان” الذي تم إقصاؤه من منصبه في الشركة بعد موت الأب، لكنه يزود بطلنا بروس بكل ما يلزمه لكي يتحول إلى تلك الصورة الأيقونية التي نعرفها عن باتمان: خوذته وقناعه، وصدريته المقاومة للرصاص، وسيارة مصفحة لا يقف في طريقها شيء. وبمساعدة من رئيس الخدم المخلص “الفريد” يقوم بروس بتحويل كهف الخفافيش -التي كان يخافها في طفولته- إلى وكر يخفي معداته السرية، ليقرر أن يعيش حالة لها وجهان متناقضان تماما، فهو أمام كل الناس -حتى حبيبته ريتشيل- ذلك الرجل الثري الذي ينفق ماله على ملذاته بقدر هائل من السفاهة، لكنه في الخفاء يصبح “باتمان” الذي يقف أمام المجرمين محاولا أن ينقذ مدينته جوتام من الدمار الذي يحيق بها من الداخل والخارج معاً.
وبعد أن ينجح الفيلم في إقامة ذلك البناء الدرامي السينمائي -الذي يجمع بين الواقعية والمنطقية- بما يفسر للمتفرج كيف ولدت أسطورة باتمان، يتحول الفيلم في نصفه الثاني إلى سلسلة من المعارك الرهيبة ضد الأشرار، وهم الأشرار الذين سوف تنكشف الأسرار حولهم وعلاقتهم الغامضة بحركة “تحالف الظلال” الآتية من الشرق(!!)، وواحدا بعد الآخر يتم القبض على زعيم المافيا فالكوني وجماعته، والكشف عن لغز الدكتور كرين وغاز الخوف الذي يقوم بتجريبه على مرضاه عندما يرتدي “جوالا” على رأسه ويطلق على نفسه “الفزاعة” أو “خيال المآتة”، فيتصور المريض أن الديدان تنمو على هذا القناع المخيف، والحقيقة هي أن كرين يقوم بتصنيع كميات هائلة من هذا الغاز يتم تفجيرها في مشهد ينطلق فيه القطار المندفع بسرعة هائلة نحو إحدى ناطحات السحاب، بما يذكر المتفرج على الفور ببعض الصور التي رآها في نشرات الأخبار خلال أحداث الحادي عشر من سبتمبر/ ايلول الشهيرة!
من هذه الإشارة الخفية لذكريات من الرعب في وجدان المتفرج الأمريكي، ومن خلال تكرار القول ان فلسفة البطل الخارق باتمان هي: “إذا أردت أن تقهر عدوك الذي تخاف منه، عليك أن تنجح في إثارة قدر أكبر من الرعب في قلبه”، من كل ذلك يتضح لك أن فيلم “باتمان يبدأ” يأتي في سياق تعميق شعور “البارانويا” الأمريكية التي يتم الترويج لها في الوجدان الجماعي من خلال تقسيم العالم -على نحو شديد التبسيط والسذاجة- إلى خير خالص وشر مطلق. وانطلاقا من هذه “البارانويا” يمكن للإدارة الأمريكية أن تبرر تصرفاتها تجاه “العدو”، ولعل القارئ والمتفرج أدرك تلك الإيماءات التي تشير إلى أن هذا العدو قادم من “الشرق” تحت زعامة شخص يدعى “رأس الغول” وهو اسم والد “علي الزيبق المصري” في ملحمتنا الفولكلورية الشهيرة!! ولتلاحظ أيضا أن “تحالف الظلال” يشتمل على أفراد ينتمون إلى أعراق مختلفة، وزعيمهم الخفي “ديوكارد” يوحي بأصل فرنسي، بينما يمثل “باتمان” عرقا أبيض خالصاً، وأخيرا فإن “باتمان” -بقدر ذلك الإتقان الفني والتقني فيه- يحتوي على مضمون يدعو “للانتقام” الذي لا يبحث عن نظام عادل، وإنما يتحدث عن بطل يقيم من نفسه قاضيا وجلادا، ولا يرى ضررا من أن يدمر نصف العالم تحت زعم إنقاذ نصف العالم الآخر، أو أنه -كما يشير احد النقاد الأمريكيين- ليس في التحليل الأخير إلا بطلا فاشيا يدعي الفاشية، وبهذا التفسير فإن “باتمان” قد عاد بالفعل في الحياة قبل أن يعود في السينما!
منقول عن قلم أحمد يوسف

يمثل فيلم “باتمان يبدأ” أو “كيف بدأت أسطورة باتمان” الذي يعرض في صالات الإمارات، تحديا حقيقيا لمخرجه البريطاني الشاب كريستوفر نولان، الذي اشترك في كتابة السيناريو أيضا مع ديفيد اس جوير، لكي يحكي لنا طرفا من حكايات “الرجل الوطواط” أو “باتمان” التي ظهرت للمرة الأولى على صفحات الجرائد منذ أكثر من نصف قرن في سلسلة القصص المصورة من تأليف بوب كين، ثم انتقلت إلى التلفزيون قبل أن تظهر على شاشة السينما في سلسلة بدأت عام 1989 بفيلمين مغرقين في الخيال من إخراج تيم بيرتون، ثم فيلمين يحتشدان بعجائب وغرائب المخلوقات أخرجهما جويل شوماخر الذي يميل إلى جنون الخيال العلمي.
وبهذه الأفلام الأربعة، ومع الأخبار الفنية التي تناثرت حول نيات هوليوود “بإعادة تدوير” حدوتة “باتمان” مرة أخرى تداعت إلى الذاكرة محاولات جورج لوكاس في سلسلته الجديدة عن “حرب النجوم” التي جاءت أضعف كثيراً من الثلاثية القديمة، لذلك ساد الشعور لدى الجمهور والنقاد بأن من الصعب -إن لم يكن من المستحيل- إعادة تقديم “باتمان” مرة أخرى على الشاشة، بعد أن استنفدت هذه الأفلام الأربعة باهظة التكاليف كل الحيل الدرامية والتقنية الممكنة. وهنا قررت شركة “إخوان وارنر” منتجة الفيلم أن تستعين بآخر ممن يمكن تخيلهم من المخرجين الذين يصلحون لصنع أفلام عن الأبطال الخارقين، لأنها أرادت أن تصنع “باتمان” جديدا أو فلنقل إنها أرادت تأليف وتوليف حكاياته كما لو أنها كانت تروى للمرة الأولى.
استطاع المخرج نولان أن يعطي فيلم “باتمان يبدأ” نكهة خاصة، بالغوص في أعماق ذلك البطل الخارق للبحث في ماضيه عن الدوافع المنطقية والواقعية التي حولته إلى كائن غير منطقي وغير واقعي، وهو ما أضفى على شخصية البطل الخارق مصداقية لم تتحقق في ما سبق من أفلام، مما يجعل المتفرج -خاصة من المراهقين والشباب صغار السن- يتوحد مع البطل في تحولاته من طفل يخاف الخفافيش ويقف مشلولا أمام مصرع أبويه أمام عينيه إلى أن يصبح هو نفسه “الرجل الخفاش”” الذي يثير الرعب في قلوب الأشرار ويمنعهم من ارتكاب المزيد من الجرائم. كما أن اختيار المخرج كريستوفر نولان للممثل البريطاني الشاب كريستيان بيل للقيام بدور البطولة كان نابعا من أن ملامحه توحي بالفعل بهذا البطل المنقسم على نفسه، بين الإحساس بالذنب والخوف والغضب في آن، والذي يسعى إلى أن يحول هذه المشاعر السلبية إلى قوة ايجابية يحارب بها الشر والأشرار.
يبدأ الفيلم على نحو شديد الذكاء عندما تظهر علامة الشركة المنتجة بالأبيض والأسود، وتظهر حبيبات الصورة على الشاشة كأنها تكبير لصفحة من صفحات الجرائد القديمة، ليذكرك الفيلم بأنه يعتمد على السلسلة المصورة التي بدأت عام ،1939 ثم يأتي أول مشاهد الفيلم للطفل بروس وين “جاس لويس” وهو يلعب مع جارته الطفلة ريتشيل “ايما لوكهارت”، ليسقط دون قصد في إحدى الآبار المهجورة، حيث يهاجمه سرب هائج من الخفافيش فيستولي على قلبه الذعر. سوف تدرك مع المشهد الثاني أن هذا المشهد الافتتاحي لم يكن إلا كابوسا أو “ذكرى” تطارد البطل الشاب “كريستيان بيل” وهو سجين في أحد سجون براري آسيا الموحشة، حيث يعاني من قسوة السجناء عليه واضطراره إلى مقاتلتهم بضراوة ليلتقطه من هناك رجل غامض يدعى ديوكارد “ليام نيسون” ويعرض عليه مساعدته على الهرب واللحاق به إلى منزل يقبع على قمة جبل جليدي. وبالفعل يخوض بروس الشاب هذه المغامرة، حيث يكتشف أن هناك مجموعة من المحاربين تطلق على نفسها اسم “تحالف الظلال” ويتزعمها الرجل الصامت الذي يحمل اسم رأس الغول “كين واتانابي”، ووسط “تحالف الظلال” سوف يصبح بروس هو التلميذ بينما يقوم على تعليمه ديوكارد، وهو التعليم الذي يتضمن العديد من الجوانب: إتقان فنون القتال والتمتع بأقصى قدر من القوة البدنية، والتحكم في الغضب وتحويله إلى طاقة هائلة من العنف، وعدم نسيان المبدأ الأول لجماعة “تحالف الظلال” وهو: إذا كنت تخاف من عدوك فإن مواجهتك له تبدأ من قدرتك على إثارة قدر أكبر من الخوف والرعب في قلبه.
يبدو بروس في البداية متوائما مع مبادئ وتقاليد الجماعة، لكنه يدرك فيما بعد أنها تسعى للانتقام من الشر باستخدام الشر، ولأن بروس يريد العدالة وليس الانتقام فإنه يرفض الاستمرار مع “تحالف الظلال” مما يقوده إلى مواجهة دموية معهم تنتهي إلى مصرع رأس الغول وترك ديوكارد بين الحياة والموت، بينما يقرر بروس العودة إلى مدينة “جوتام” لكي يستأنف حياته بعد أن أدرك بعضا مما كان يبحث عن الإيمان به. وفي قصره العتيق في مدينة “جوتام” لا يزال ينتظره رئيس الخدم “الفريد” مايكل كين المخلص دائما لعائلة وين في كل أجيالها، والذي يساعد بطلنا بروس على إدراك الحقائق الجديدة حول ممتلكات العائلة وعن مدينة “جوتام” ذاتها بعد أن هجرها بروس طوال السنوات الماضية، لقد آلت الشركة التي كان الأب الراحل يملكها إلى إدارة ايرل “روتجر هاور” الذي أمر بأن تتوقف الشركة عن أعمالها الخيرية لتتبنى خططا اقتصادية متوحشة، أما مدينة “جوتام” فهي تشبه مدن الخيال العلمي في الأفلام ذات الظلال المتشائمة، فرغم أنها تحمل العديد من ملامح مدينة شيكاجو المعاصرة -مع إضافة قطار يمضي بين ناطحات السحاب فيها- فإنها تعيش زمنا غامضا، مزيجا من الزمن المعاصر والمستقبل مع ظلال قاتمة من أمريكا في فترة الكساد خلال ثلاثينات القرن العشرين (نفس الفترة التي ظهرت فيها السلسلة المصورة للمرة الأولى) إنها مدينة تشهد تناقضا هائلا بين الأثرياء المترفين والفقراء الباحثين عن مأوى في الشوارع المظلمة، ومدينة يحكمها الفساد، حيث تتقاسمها عصابات المافيا بزعامة فالكوني “توم ويلكينسون” ورجال الشرطة المرتشين، ونظام قضائي عفن يحول المجرمين إلى مستشفى الأمراض العقلية حيث يجري عليهم الطبيب غريب الأطوار كرين “كيليان ميرفي” تجاربه حول غاز يثير الخوف في نفس من يستنشقه ويجعله يعيش خيالات مرعبة لا وجود لها.
ليس هناك من أخبار في مدينة جوتام سوى صديقة الطفولة ريتشيل التي أصبحت الآن فتاة جميلة “كاتي هولمز” والتي تعمل وكيلة للنائب العام، والشرطي الشريف الوحيد في المدينة جوردون “جاري اولدمان”، وأخيرا هناك العالم المخترع لوسيوس فوكس “مورجان فريمان” الذي تم إقصاؤه من منصبه في الشركة بعد موت الأب، لكنه يزود بطلنا بروس بكل ما يلزمه لكي يتحول إلى تلك الصورة الأيقونية التي نعرفها عن باتمان: خوذته وقناعه، وصدريته المقاومة للرصاص، وسيارة مصفحة لا يقف في طريقها شيء. وبمساعدة من رئيس الخدم المخلص “الفريد” يقوم بروس بتحويل كهف الخفافيش -التي كان يخافها في طفولته- إلى وكر يخفي معداته السرية، ليقرر أن يعيش حالة لها وجهان متناقضان تماما، فهو أمام كل الناس -حتى حبيبته ريتشيل- ذلك الرجل الثري الذي ينفق ماله على ملذاته بقدر هائل من السفاهة، لكنه في الخفاء يصبح “باتمان” الذي يقف أمام المجرمين محاولا أن ينقذ مدينته جوتام من الدمار الذي يحيق بها من الداخل والخارج معاً.
وبعد أن ينجح الفيلم في إقامة ذلك البناء الدرامي السينمائي -الذي يجمع بين الواقعية والمنطقية- بما يفسر للمتفرج كيف ولدت أسطورة باتمان، يتحول الفيلم في نصفه الثاني إلى سلسلة من المعارك الرهيبة ضد الأشرار، وهم الأشرار الذين سوف تنكشف الأسرار حولهم وعلاقتهم الغامضة بحركة “تحالف الظلال” الآتية من الشرق(!!)، وواحدا بعد الآخر يتم القبض على زعيم المافيا فالكوني وجماعته، والكشف عن لغز الدكتور كرين وغاز الخوف الذي يقوم بتجريبه على مرضاه عندما يرتدي “جوالا” على رأسه ويطلق على نفسه “الفزاعة” أو “خيال المآتة”، فيتصور المريض أن الديدان تنمو على هذا القناع المخيف، والحقيقة هي أن كرين يقوم بتصنيع كميات هائلة من هذا الغاز يتم تفجيرها في مشهد ينطلق فيه القطار المندفع بسرعة هائلة نحو إحدى ناطحات السحاب، بما يذكر المتفرج على الفور ببعض الصور التي رآها في نشرات الأخبار خلال أحداث الحادي عشر من سبتمبر/ ايلول الشهيرة!
من هذه الإشارة الخفية لذكريات من الرعب في وجدان المتفرج الأمريكي، ومن خلال تكرار القول ان فلسفة البطل الخارق باتمان هي: “إذا أردت أن تقهر عدوك الذي تخاف منه، عليك أن تنجح في إثارة قدر أكبر من الرعب في قلبه”، من كل ذلك يتضح لك أن فيلم “باتمان يبدأ” يأتي في سياق تعميق شعور “البارانويا” الأمريكية التي يتم الترويج لها في الوجدان الجماعي من خلال تقسيم العالم -على نحو شديد التبسيط والسذاجة- إلى خير خالص وشر مطلق. وانطلاقا من هذه “البارانويا” يمكن للإدارة الأمريكية أن تبرر تصرفاتها تجاه “العدو”، ولعل القارئ والمتفرج أدرك تلك الإيماءات التي تشير إلى أن هذا العدو قادم من “الشرق” تحت زعامة شخص يدعى “رأس الغول” وهو اسم والد “علي الزيبق المصري” في ملحمتنا الفولكلورية الشهيرة!! ولتلاحظ أيضا أن “تحالف الظلال” يشتمل على أفراد ينتمون إلى أعراق مختلفة، وزعيمهم الخفي “ديوكارد” يوحي بأصل فرنسي، بينما يمثل “باتمان” عرقا أبيض خالصاً، وأخيرا فإن “باتمان” -بقدر ذلك الإتقان الفني والتقني فيه- يحتوي على مضمون يدعو “للانتقام” الذي لا يبحث عن نظام عادل، وإنما يتحدث عن بطل يقيم من نفسه قاضيا وجلادا، ولا يرى ضررا من أن يدمر نصف العالم تحت زعم إنقاذ نصف العالم الآخر، أو أنه -كما يشير احد النقاد الأمريكيين- ليس في التحليل الأخير إلا بطلا فاشيا يدعي الفاشية، وبهذا التفسير فإن “باتمان” قد عاد بالفعل في الحياة قبل أن يعود في السينما!
منقول عن قلم أحمد يوسف