دقائق قليلة أمام
الفضائية الأمريكية الجديدة كانت كفيلة باستيعاب الرسالة ، وفهم فحوى الخطاب التي تريد هذه القناة أن ترسله .يظن البعض أن هذه القناة جاءت تحديا لعدد من القنوات الفضائية العربية التي تغطى أخبار المقاومة العراقية، وليس هذا هدف القناة .
وليس هدفها كذلك تحسين الصورة الأمريكية كما يروج لذلك مؤسسوها .
إن هدف هذه القناة واضح منذ اللحظة .. هدفها مسخ القيم الإسلامية وتغريب العقول العربية التي تتعرض لتخريب لا يوصف .
إن هذه القناة ليست إلا امتداد للحرب الصليبية المعلنة على الإسلام والمسلمين .
دقائق قليلة أمام هذه القناة كانت كفيلة بجعلي أمقت الحياة الأمريكية والثقافة الأمريكية وكل ما هو أمريكي تريد هذه القناة فرضه علينا بالقوة بدءً من سباقات السيارات الأمريكية إلى هواة جمع العناكب وتربية الحشرات مروراً بثقافة التعري .. هذه هي القيم التي تريد فرضها
.
الأهداف السياسية والغايات الإعلامية من وراء ' الحرة ' :

أكبر مشروع [ إعلامي – سياسي- غربي ] موجه للعرب منذ إطلاق القسم العربي في هيئة الإذاعة البريطانية ' بي بي سي ' عام 1934، و ' صوت أمريكا ' بالعربية العام 1942 .وكما يرى المتابعون فإن الغرض من هذا المشروع هو تغيير المفاهيم الإسلامية الأصيلة من مقاومة العدوان من أجل توثيق العلاقة بين الولايات المتحدة والعالم العربي ، ومحاولة لفرض نموذج الحياة الأمريكية على الشعوب العربية .
وتتضح هذه الأهداف جليا في خطابات حول القناة والهدف منها ، حيث قال بوش : ' .. إن هذه الشبكة التي ستنطلق الأسبوع المقبل ستبث الأخبار والأفلام والبرامج الرياضية والترفيهية وبرامج التعليم – الرجاء الانتباه لكلمة برامج التعليم - للملايين من البشر على امتداد الشرق الأوسط '.
وأضاف بوش ' إننا من خلال هذه الجهود نبلغ إلى الشعوب في الشرق الأوسط الحقيقة عن قيم الولايات المتحدة ومبادئها وأن الحقيقة دائماً تخدم قضية الحرية ' .
وتحدث عما وصفه ' التحدي الأكبر ' في مساندة زخم الحرية في الشرق الأوسط الكبير وهو بذلك يربط بين قناة ' الحرة ' ومبادرة الشرق الأوسط الكبير التي تنوى أمريكا طرحها أمام اجتماعات حلف الناتو .
وفي السياق ذاته قال رئيس مجلس محافظي القناة كنيث توملينسون في شهادة له أمام الكونجرس في 10 فبراير قال ' إننا سنتحدى أصوات الكراهية والقمع بالحقيقة وأصوات التسامح والاعتدال وسيستمع الناس إلى بحث حر منفتح ليس حول مجرد الصراع في الشرق الأوسط، بل وحول مواضيع حساسة بالنسبة لمستقبل المنطقة إننا سنتحدث عن التنمية الاقتصادية والحقوق الإنسانية واحترام الأقليات ' – مع الانتباه لجملته الأخيرة - .
وأضاف توملينسون قائلا " إن على الولايات المتحدة أن تتصل بالآخرين في العالم الإسلامي وما وراءه حيث ضللتهم معلوماتهم وما تزال تضللهم حتى اليوم حول الولايات المتحدة والديمقراطية ' – ترى ما هو المقصود بهذه المعلومات المضللة ومن مصدرها ؟!! -.
ثم يضيف توملينسون موضحا الهدف الحقيق من وراء هذه القناة فيقول : ' إن الحرة تستطيع أن تقدم من خلال عملها معلومات دقيقة هم بحاجة إليها للمقارنة بين نظمهم السياسية والاقتصادية والاجتماعية وبين تلك القائمة بنجاح في أماكن أخرى من العالم وإذا استطاعوا أن يقيموا قيادتهم بشكل دقيق، وإذا استطاعوا التمييز بين الحقيقة ودعاية أعدائنا، فإن الناس سيملكون عندئذ الأدوات التي تؤدي إلى التغيير ' .

' الحرة ' هل هي مناورة جمهورية أما غاية أمريكية جماهيرية :

تمثل توجه أمريكي منذ القدم نحو أمركة العالم فالأمريكيون منذ أن ظهروا على وجه التاريخ وهم يرون في أنفسهم قمة النموذج الإنساني وليس هذا فحسب بل يرون أن عليهم دورا عالميا وهو نشر هذه القيم والأخلاق الأمريكية في كافة أرجاء وفي هذا الصدد قال الرئيس الأمريكي الأسبق تيودور روزفلت [1858 ـ 1919]: ' أمركة العالم هي مصير وقدر أمتنا ' .وبالرغم من مرور مئات السنين على نشأة أمريكا ما زالت العقلية الأمريكية هي ذاتها, فأمريكا تصر على أن أهدافها التوسعية وتدخلها الصارخ في شؤون الدول الأخرى ما هي إلا جزء من حربها المعلنة ضد أشرار العالم, سواء الاتحاد السوفيتي أو ' الإمبراطورية الشريرة ' كما أسماها الرئيس الأمريكي الأسبق رونالد ريغان, أو إيران والعراق وكوريا الشمالية, أو ' محور الشر ' كما أسماهم الرئيس الأمريكي الحالي جورج بوش.
لذلك فأن
ليست إلا ورقة جديدة من أوراق هذه الأمركة وليست توجها خاصا بهذه الإدارة ويؤكد ذلك أن مجلس أمنائها يتألف من 9 أعضاء بمن فيهم 4 جمهوريين و4 ديمقراطيين، إضافة إلى وزير الخارجية كولن باول بحكم منصبه .وقد خصص الكونجرس الأمريكي 62 مليون دولار من أموال دافعي الضرائب الأمريكية لتمويل القناة خلال عام 2004 وحده .

' الحرة ' والخيل العربية :

أمران يستفزان كل متابع للفضائية الأمريكية في أول مشاهدة له :
الأمر الأول الاسم : لماذا اختاروا اسم
وليس الحرية ، نعم قد نفهم أن اختيار معنى الحرية لتسمية القناة له مغزى كبير .. ولكن لماذا
وليس الحرية إن التفكر في هذه النقطة يرشدنا إلى حقيقة الهدف من وراء هذه القناة.إن استخدام لفظة ' الحرية ' المطلقة يعطى معان سلبية لا تريدها إدارة القناة ، بينما استخدام لفظة
يعطى المعني المطلوب والمتمثل في عرض نموذج يراد له فرضه على المتابع العربي والمسلم وهو النموذج الأمريكي ، فبعيدا عن التحليلات السياسية المنحازة بدرجة لامحدودة للسياسة الأمريكية ، نجد أن بقية البرامج التي تعرضها القناة لا تخرج عن حدود الأراضي الأمريكية وكأنه ليس في الدنيا إلا الأمريكان ، فكل البرامج التي عرضتها في الفترة القليلة الماضية لم تعرض إلا ما هو أمريكي حتى وصل بهم الحال أن يعرضوا علينا هواة أكل العناكب والحشرات من الأمريكيين .. لهذا كان اختيار
وليس الحرية .الأمر الثاني : الذي يستفز المتابع العربي لهذه القناة هو الشعارات التي استخدمت القناة ، حيث استخدمت الخيل العربية الراكضة شعارا لها دأبت على تكراره كثيرا في الأيام الماضية والهدف واضح من استخدام الخيل، فالخيل هي من أثمن الأشياء عند العربي وهي رمز من رموز العزة والإباء عند العرب والمسلمين وإذا بالقناة تستخدم هذا الرمز لتعرضه لنا خيلا تائهة راكضة تبحث عن
.. الأمر الذي يؤكد أن هدف هذه القناة هو حرب على القيم والرموز الإسلامية والعربية وليست محاولة لتحسين صورة القيم الأمريكية.
' الحرة ' .. ومقص الرقيب :

لقد انطلقت
في وقت شهدت فيه الآلة الإعلامية الغربية انتكاسة كبرى ، فواحدة من أكبر الهيئات الإعلامية الغربية – هيئة الإذاعة البريطانية – أدينت لأنها أرادت كشف الحقيقة في مبررات العدوان على العراق المزعومة ، فكان نصيبها من ذلك الإدانة والسعي لتفكيكها وفرض قيود عليها وهو أمر وصفه صحفيو الهيئة بأنه أمر لا يحدث إلا في دول العالم الثالث .لقد جاءت
في هذا الوقت لتؤكد وهم الشعارات الأمريكية وزيف ' الاستقلالية ' المزعومة ، ولقد رصد في هذا المضمار إعلامي فلسطيني أداء هذه الفضائية في يومها الأول عندما أجرى مدير عام المحطة موفق حرب مقابلة مع الرئيس الأمريكي جورج بوش ، ولقاء كان فرصة حقيقية لإظهار مدى ' استقلالية ' هذه القناة ، فقد بدأ المحاور مقابلته بإعطاء ملاحظة للرئيس الأمريكي أن
تمشيا مع التقليد الأمريكي الصحفي العريق ستسأله أسئلة صعبة ولن تتردد في إثارة المواضيع الحساسة. إلا أنه وفقا لما يقوله الإعلامي الفلسطيني داود كتاب فقد جاء اللقاء عكس ذلك ، فمثلا قال حرب للرئيس الأمريكي ضمن سؤال عن الحرب الأمريكية ضد العراق : ' عندما دخلنا إلى العراق ' وكأن السائل والمجيب طرف واحد ، مخالفا بذلك الدرس الأول لأي إعلامي حر ومستقل أن لا يقع فيه. فمبدأ استقلالية وحرية الإعلام مبنية على المسافة بين السائل والمجيب وليس التساوي .
أما فيما يخص الأسئلة التي سألها موفق حرب عن أسلحة الدمار الشامل في العراق وليبيا وكوريا فلم يجرؤ السائل بالنطق بسؤال واحد حول أسلحة الدمار الشامل الإسرائيلية ناهيك عن الجدار والقمع الإسرائيلي المستمر للشعب الفلسطيني ، وعكس التحيز الذي أبداه حرب في طرح كلمة ' نحن ' عند ذكر العدوان على العراق فقد جاء السؤال الوحيد عن سياسة أمريكا تجاه الصراع الفلسطيني الإسرائيلي بالحياد الكامل عندما قال حرب لبوش : يقولون في العالم العربي أن سياستكم غير حيادية وعندما رد بوش بأنه يدعم الدولة الفلسطينية وأن خارطة الطريق لا تزال قائمة لم يتحد حرب هذا الجواب بل انتقل إلى موضوع آخر .
لهذا لم يكن عجبا أن ينهى الرئيس الأمريكي المقابلة بقوله لمدير تلفزيون
العبارة الأمريكية ' Good Job ' أي أنك قمت بعمل حسن .
هل ستنجح ' الحرة ' فيما تصبو إليه ?

وعلى الصعيد العربي فمن الصعب أن تجد كاتبا أو متابعا أيا كان مشربه يتوقع النجاح لهذه القناة ، فجمع كبير من الكتاب والصحفيين والمعلقين العرب من المحيط إلى الخليج اتفقوا بدون عمد في توقع فشل قناة
.إن الجمهور المستهدف لهذه الفضائية لا يستطيع أن ينسى وهو يشاهد
الاحتلال الصهيوني الغاشم في فلسطين ، وإن نسى ذلك فهل ينسي الاحتلال الأمريكي للعراق .. هل يستطيع أن ينسى العداء الأمريكي وهو يشاهد هذه الفضائية وهي تسعي لقهرنا بالحلم الأمريكي المزعوم ,,


تعليق