أصبحت الشمس فجأة "نجمة" تليفزيونية واذاعية وصحفية. وكأنها لم تكن موجودة من قبل! اذ يسلط عليها العلماء الآن - في كل وسائل الإعلام - "الضوء" باعتبارها مصدراً لأشعة بالغة الخطورة هي الأشعة فوق البنفسجية Ultraviolet التي أخذت تتسرب كلص خفي من ثقب الأوزون.. لتهددنا بأمراض خطيرة مثل السرطان.. فما هي الشمس تلك الصديقة.. العدوة؟
دوامات.. وتدفقات.. وأعاصير شمسية
الشمس هي العضو الرئيسي في الأسرة الشمسية وتعد من النجوم متوسطة الحجم "قزم أصغر" ومن فصيلة نجوم التتابع الرئيسي main sequence أي النجوم التي مازالت في مرحلة الشباب والشمس بكواكبها واقمارها وباقي أفراد أسرتها من الأجرام الفضائية الاخري مجرد جزء ضئيل للغاية من مجرتنا "الطريق اللبني" Milkly way وتدور المجموعة الشمسية كلها حول مركز تلك المجرة. وتتم دورة كاملة في 250 مليون سنة تقريبا. بسرعة تبلغ 220 كيلو مترا في الثانية وتسمي هذه الدورة بالسنة الكونية Cosmic year ويبلغ قطر الشمس حوالي مليون و384 الف كيلو متر وتزيد الجاذبية فوق سطحها 28 مرة عن جاذبية سطح الأرض. كما يبلغ عمر الشمس نحو خمسة آلاف مليون عام. ولنقترب أكثر من الشمس. يبدو قرص الشمس للناظر إليه من الأرض محدوداً نتيجة للبعد. ولكن في حقيقة الأمر ان حجم الشمس يزيد علي حجم الأرض أكثر من مليون مرة ومن أجل ان تبقي الشمس نجما مستقرا. يلزم لها الاحتفاظ بنوع من التوازن بين جاذبيتها والضغط الهائل الناتج عن درجة الحرارة المروعة في داخلها. فلولا وجود ما يعادل قوة الجاذبية التي تضم الغاز إلي بعضه. لما كان هناك ما يمنع الشمس من الانكماش إلي الداخل. وأيضا لولا الجاذبية التي تمنع الغاز المتأجج داخل الشمس من التمدد لانفجرت الشمس وتبعثرت في الفضاء.
وواقع الأمر أن القوتين تعملان معاً. بحيث تحقق الشمس تعادلا دقيقا بين اندفاع الغاز الساخن في الداخل والخارج. والانكماش إلي الداخل بفعل الجاذبية. وعند دراسة قرص الشمس وتصويره - خاصة وقت الكسوف - يمكن ملاحظة ألسنة شمسية ممتدة خارج قرصها المضيء. وتمتد هذه الألسنة المندلعة إلي آلاف الكيلومترات خارج القرص وهي تنبثق وتتشتت في كل الاتجاهات وبسرعات مذهلة تقترب من مليون كيلو متر في الساعة الواحدة.
وتأخذ هذه الألسنة أشكالا غريبة. كما أنها قد تنفصل عن الأجزاء السفلية من قرص الشمس ولكن ليست كل هذه الاندلاعات متحركة بهذه السرعة الهائلة. اذ ان بعضها يظهر هادئا كنتوء بارز من قرص الشمس في غير حركة سريعة ويكون متوسط ارتفاعه حوالي 80 ألف كيلومتر.
وهنا يتبادر سؤال وهو: مم تتكون هذه الألسنة الجبارة؟
للاجابة عن هذا السؤال يستخدم العلماء جهازالمطياف الشمسي spectro - heliograph الذي يستخدم لدراسة الشمس ومكوناتها والتعرف علي طبيعتها الثائرة. ويقسم العلماء الشمس وغلافها الجوي إلي طبقات او محيطات يمتد آخرها إلي ملايين الكيلومترات في الفضاء وعندما ننظر إلي قرص الشمس اثناء الشروق او عند الغروب لظهر لنا سطحه الأملس الخالي من التجعدات والنتوءات وكأنه ينعم بالهدوء والتجانس. ولكن هذا ليس في الواقع إلا خداع نظر. فالشمس أقرب ما تكون إلي محيط هائل ثائر متلاطم الأمواج.. ومسرح لأشد أنواع الدوامات والتدفقات والأعاصير والعواصف المغنطيسية وزوابع الحمم والتفجرات. كلها تجتاح الشمس في جميع أجزائها والشمس لا تنفرد - دون غيرها من النجوم - بهذه الظواهر العنيفة. بل ان الحال في كثير من النجوم الأخري أعنف حركة وأشد ثورة.
إكليل.. وينابيع.. وتأججات فوق الشمس
يرجع السبب في وجود الغلاف المضئ المحيط بقرص الشمس إلي وجود غاز الهيدروجين الذي يكوّن الطبقة المكونة لجو الشمس. ويعرف هذا الغلاف باسم "الكروموسفير" chromosphere أي "الطبقة الملونة". وقد اكتسبت هذه التسمية من تلك الصبغة الوردية التي تستمدها من الهيدروجين. والتي تبدو واضحة في حالة الكسوف الكلي للشمس. عندما يحجب القمر قرص الشمس. فتبدو طبقة الكروموسفير كحزام أحمر يحيط بظل القمر. ويظهر في صورة تاج او اكليل مضيء في بهاء لامع ويقدر عمق هذا الاكليل أو تاج الشمس CORONA حوالي 480 ألف كيلومتر. وابعاده ليست منتظمة. وقد تمتد منه انبثاقات طويلة تسمي الألسنة الشمسية. تبرز من وراء الطبقة الغازية خارج "حافة" الشمس.
ان إكليل الشمس جزء من الأجواء العليا للشمس وهو مكون من الكترونات طليقة تبلغ سرعتها حوالي 11 مليون كيلومتر في الساعة. واكليل الشمس لا يري في الحالات العادية. لأن ضوء الشمس يحجبه ولكن يمكن مشاهدته بوضوح أثناء الكسوف الكلي للشمس.
ويفسر بعض علماء الفلك وجود هذا الإكليل - الشبيه بالقناع - بأن ذرات العناصر المختلفة تمتص جزءا من ضوء الشمس وتمسك به مؤقتا. ثم تطلقه مرة أخري وكل ذرة عندما تقوم بهذا ترسل ضوءا بشكل لون مميز. وعلي ذلك فإن طاقة الشمس بهذه الطريقة يتم امتصاصها ثم اطلاقها ثانية. وعليها "طابع" الذرة التي امتصتها ويمكن بواسطة المطياف تحليل ضوء الإكليل إلي ألوان متباينة.
وترتفع درجة حرارة الإكليل والكروموسفير بسبب تلك الانفجارات التي تحدث في الطبقات الداخلية مثل طبقة الفوتوسفير photosphere أو الطبقة الضوئية. وهي الجزء الخارجي المشع للضوء. ويبلغ عمقه نحو 400 كيلو متر ومن هذه الطبقة ينتج القسم الأكبر من الضوء والحرارة اللذين نستقبلهما علي الأرض.
ان الفوتوسفير جحيم جائش. ترتفع إليه من الداخل غيوم عملاقة محملة بالحرارة اللافحة. كما أنه ذو سطح مليء بالملايين من الخلايا أو المراكز البراقة.. وكل منها يبدو كانفجار قنبلة عملاقة. ممتدة علي بقعة قطرها حوالي800 كيلو متر. وهذه الينابيع الشمسية هي التي ترفع من درجة حرارة الكروموسفير والإكليل الشمسي.
ان الكروموسفير هو عبارة إذن عن نطاق تسوده حركات عمودية شديدة. فخلاله لا تنتقل طاقة الشمس فقط. وانما أيضا البروتونات والجسيمات التي تصبح جزءاً من الرياح الشمسية التي تنطلق من الشمس.
والكروموسفير أيضا هو المكان الذي يولد فيه "التأجج الشمسي" Solar Flare وهي المنطقة المحلية التي ترتفع درجة حرارتها وكثيرا ما يكون ذلك فجأة إلي درجة غير عادية وقد تغطي مساحة كبيرة من سطح الشمس كله. والتعليل المرجح لهذا الارتفاع المفاجئ في الحرارة هو ان ثمة اضطرابا مغنطيسيا ينتج جسيمات سريعة الحركة تصطدم بمادة الشمس العادية.
وعند حدوث التأجج الشمسي كثيرا ما تقذف الشمس جسيمات سريعة الحركة في اتجاهات متزايدة الاتساع. ومن السهل تمييز ما يصل من هذه الجسيمات المنطلقة ناحية الأرض. والتأججات الكبيرة فقط هي التي تتولد عنها عواصف من البروتونات. وسحب من الجسيمات المشحونة تتداخل مع الاتصالات اللاسلكية علي الأرض كما تشكل خطورة علي رواد الفضاء وسكان كوكب الأرض. وتختزن التوهجات الشمسية كميات مروعة من الطاقة. الأمر الذي يبدو واضحاً في ذلك الطوفان الهائل من الجسيمات المشحونة التي تقذف بها في الفضاء.. وإلي كوكب الأرض.
ان الشمس مازالت لغزاً كونيا. والأمر يحتاج إلي المزيد من الأرصاد الفلكية - خاصة بواسطة التلسكوبات الفضائية - للتعرف علي أسرارها الغامضة. ¼
جريدة العلم
دوامات.. وتدفقات.. وأعاصير شمسية
الشمس هي العضو الرئيسي في الأسرة الشمسية وتعد من النجوم متوسطة الحجم "قزم أصغر" ومن فصيلة نجوم التتابع الرئيسي main sequence أي النجوم التي مازالت في مرحلة الشباب والشمس بكواكبها واقمارها وباقي أفراد أسرتها من الأجرام الفضائية الاخري مجرد جزء ضئيل للغاية من مجرتنا "الطريق اللبني" Milkly way وتدور المجموعة الشمسية كلها حول مركز تلك المجرة. وتتم دورة كاملة في 250 مليون سنة تقريبا. بسرعة تبلغ 220 كيلو مترا في الثانية وتسمي هذه الدورة بالسنة الكونية Cosmic year ويبلغ قطر الشمس حوالي مليون و384 الف كيلو متر وتزيد الجاذبية فوق سطحها 28 مرة عن جاذبية سطح الأرض. كما يبلغ عمر الشمس نحو خمسة آلاف مليون عام. ولنقترب أكثر من الشمس. يبدو قرص الشمس للناظر إليه من الأرض محدوداً نتيجة للبعد. ولكن في حقيقة الأمر ان حجم الشمس يزيد علي حجم الأرض أكثر من مليون مرة ومن أجل ان تبقي الشمس نجما مستقرا. يلزم لها الاحتفاظ بنوع من التوازن بين جاذبيتها والضغط الهائل الناتج عن درجة الحرارة المروعة في داخلها. فلولا وجود ما يعادل قوة الجاذبية التي تضم الغاز إلي بعضه. لما كان هناك ما يمنع الشمس من الانكماش إلي الداخل. وأيضا لولا الجاذبية التي تمنع الغاز المتأجج داخل الشمس من التمدد لانفجرت الشمس وتبعثرت في الفضاء.
وواقع الأمر أن القوتين تعملان معاً. بحيث تحقق الشمس تعادلا دقيقا بين اندفاع الغاز الساخن في الداخل والخارج. والانكماش إلي الداخل بفعل الجاذبية. وعند دراسة قرص الشمس وتصويره - خاصة وقت الكسوف - يمكن ملاحظة ألسنة شمسية ممتدة خارج قرصها المضيء. وتمتد هذه الألسنة المندلعة إلي آلاف الكيلومترات خارج القرص وهي تنبثق وتتشتت في كل الاتجاهات وبسرعات مذهلة تقترب من مليون كيلو متر في الساعة الواحدة.
وتأخذ هذه الألسنة أشكالا غريبة. كما أنها قد تنفصل عن الأجزاء السفلية من قرص الشمس ولكن ليست كل هذه الاندلاعات متحركة بهذه السرعة الهائلة. اذ ان بعضها يظهر هادئا كنتوء بارز من قرص الشمس في غير حركة سريعة ويكون متوسط ارتفاعه حوالي 80 ألف كيلومتر.
وهنا يتبادر سؤال وهو: مم تتكون هذه الألسنة الجبارة؟
للاجابة عن هذا السؤال يستخدم العلماء جهازالمطياف الشمسي spectro - heliograph الذي يستخدم لدراسة الشمس ومكوناتها والتعرف علي طبيعتها الثائرة. ويقسم العلماء الشمس وغلافها الجوي إلي طبقات او محيطات يمتد آخرها إلي ملايين الكيلومترات في الفضاء وعندما ننظر إلي قرص الشمس اثناء الشروق او عند الغروب لظهر لنا سطحه الأملس الخالي من التجعدات والنتوءات وكأنه ينعم بالهدوء والتجانس. ولكن هذا ليس في الواقع إلا خداع نظر. فالشمس أقرب ما تكون إلي محيط هائل ثائر متلاطم الأمواج.. ومسرح لأشد أنواع الدوامات والتدفقات والأعاصير والعواصف المغنطيسية وزوابع الحمم والتفجرات. كلها تجتاح الشمس في جميع أجزائها والشمس لا تنفرد - دون غيرها من النجوم - بهذه الظواهر العنيفة. بل ان الحال في كثير من النجوم الأخري أعنف حركة وأشد ثورة.
إكليل.. وينابيع.. وتأججات فوق الشمس
يرجع السبب في وجود الغلاف المضئ المحيط بقرص الشمس إلي وجود غاز الهيدروجين الذي يكوّن الطبقة المكونة لجو الشمس. ويعرف هذا الغلاف باسم "الكروموسفير" chromosphere أي "الطبقة الملونة". وقد اكتسبت هذه التسمية من تلك الصبغة الوردية التي تستمدها من الهيدروجين. والتي تبدو واضحة في حالة الكسوف الكلي للشمس. عندما يحجب القمر قرص الشمس. فتبدو طبقة الكروموسفير كحزام أحمر يحيط بظل القمر. ويظهر في صورة تاج او اكليل مضيء في بهاء لامع ويقدر عمق هذا الاكليل أو تاج الشمس CORONA حوالي 480 ألف كيلومتر. وابعاده ليست منتظمة. وقد تمتد منه انبثاقات طويلة تسمي الألسنة الشمسية. تبرز من وراء الطبقة الغازية خارج "حافة" الشمس.
ان إكليل الشمس جزء من الأجواء العليا للشمس وهو مكون من الكترونات طليقة تبلغ سرعتها حوالي 11 مليون كيلومتر في الساعة. واكليل الشمس لا يري في الحالات العادية. لأن ضوء الشمس يحجبه ولكن يمكن مشاهدته بوضوح أثناء الكسوف الكلي للشمس.
ويفسر بعض علماء الفلك وجود هذا الإكليل - الشبيه بالقناع - بأن ذرات العناصر المختلفة تمتص جزءا من ضوء الشمس وتمسك به مؤقتا. ثم تطلقه مرة أخري وكل ذرة عندما تقوم بهذا ترسل ضوءا بشكل لون مميز. وعلي ذلك فإن طاقة الشمس بهذه الطريقة يتم امتصاصها ثم اطلاقها ثانية. وعليها "طابع" الذرة التي امتصتها ويمكن بواسطة المطياف تحليل ضوء الإكليل إلي ألوان متباينة.
وترتفع درجة حرارة الإكليل والكروموسفير بسبب تلك الانفجارات التي تحدث في الطبقات الداخلية مثل طبقة الفوتوسفير photosphere أو الطبقة الضوئية. وهي الجزء الخارجي المشع للضوء. ويبلغ عمقه نحو 400 كيلو متر ومن هذه الطبقة ينتج القسم الأكبر من الضوء والحرارة اللذين نستقبلهما علي الأرض.
ان الفوتوسفير جحيم جائش. ترتفع إليه من الداخل غيوم عملاقة محملة بالحرارة اللافحة. كما أنه ذو سطح مليء بالملايين من الخلايا أو المراكز البراقة.. وكل منها يبدو كانفجار قنبلة عملاقة. ممتدة علي بقعة قطرها حوالي800 كيلو متر. وهذه الينابيع الشمسية هي التي ترفع من درجة حرارة الكروموسفير والإكليل الشمسي.
ان الكروموسفير هو عبارة إذن عن نطاق تسوده حركات عمودية شديدة. فخلاله لا تنتقل طاقة الشمس فقط. وانما أيضا البروتونات والجسيمات التي تصبح جزءاً من الرياح الشمسية التي تنطلق من الشمس.
والكروموسفير أيضا هو المكان الذي يولد فيه "التأجج الشمسي" Solar Flare وهي المنطقة المحلية التي ترتفع درجة حرارتها وكثيرا ما يكون ذلك فجأة إلي درجة غير عادية وقد تغطي مساحة كبيرة من سطح الشمس كله. والتعليل المرجح لهذا الارتفاع المفاجئ في الحرارة هو ان ثمة اضطرابا مغنطيسيا ينتج جسيمات سريعة الحركة تصطدم بمادة الشمس العادية.
وعند حدوث التأجج الشمسي كثيرا ما تقذف الشمس جسيمات سريعة الحركة في اتجاهات متزايدة الاتساع. ومن السهل تمييز ما يصل من هذه الجسيمات المنطلقة ناحية الأرض. والتأججات الكبيرة فقط هي التي تتولد عنها عواصف من البروتونات. وسحب من الجسيمات المشحونة تتداخل مع الاتصالات اللاسلكية علي الأرض كما تشكل خطورة علي رواد الفضاء وسكان كوكب الأرض. وتختزن التوهجات الشمسية كميات مروعة من الطاقة. الأمر الذي يبدو واضحاً في ذلك الطوفان الهائل من الجسيمات المشحونة التي تقذف بها في الفضاء.. وإلي كوكب الأرض.
ان الشمس مازالت لغزاً كونيا. والأمر يحتاج إلي المزيد من الأرصاد الفلكية - خاصة بواسطة التلسكوبات الفضائية - للتعرف علي أسرارها الغامضة. ¼
جريدة العلم



تعليق