العصبية
هي: مناصرة المرء قومه، أو أسرته، أو وطنه، فيما يخالف الشرع، وينافي الحق والعدل.
وهي: من أخطر النزعات وأفتكها في تسيب المسلمين، وتفريق شملهم، وإضعاف طاقاتهم، الروحية والمادية، وقد حاربها الإسلام، وحذر المسلمين من شرورها.
فعن أبي عبد الله (عليه السلام) قال
قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): من كان في قلبه حبة من خردل من عصبية، بعثه الله يوم القيامة مع أعراب الجاهلية) (3الوافي ج3 ص149 عن الكافي).
وقال الصادق (عليه السلام): (من تعصب عصبه الله بعصابة من نار) (4الوافي ج3 ص149 عن الكافي).
وقال النبي (صلى الله عليه وآله): (إن الله تبارك وتعالى قد أذهب بالإسلام نخوة الجاهلية، وتفاخرها بآبائها، ألا إن الناس من آدم ، وآدم من تراب، وأكرمهم عند الله أتقاهم ) (1الوافي ج14 ص48 عن الفقيه).
وقال الباقر (عليه السلام): جلس جماعة من أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله) ينتسبون ويفتخرون، وفيهم سلمان. فقال عمر: ما نسبك أنت يا سلمان وما أصلك؟ فقال: أنا سلمان بن عبد الله،كنت ضالا فهداني الله بمحمد، وكنت عائلا فأغناني الله بمحمد، وكنت مملوكا فأعتقني الله بمحمد، فهذا حسبي ونسبي يا عمر.
ثم خرج رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فذكر له سلمان ما قال عمر وما أجابه، فقال رسول الله: (يا معشر قريش إن حَسَب المرء دينه، ومروءته خلقه، وأصله عقله، قال الله تعالى
(يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى، وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا، إن أكرمكم عند الله أتقاكم))
ثم أقبل على سلمان فقال له: (إنه ليس لأحد من هؤلاء عليك فضل إلا بتقوى الله عز وجل، فمن كنت أتقى منه فأنت أفضل منه) (2البحار م15 ج2 ص348 أمالي أبي علي الشيخ الطوسي).
وعن الصادق عن أبيه عن جده عليهم السلام قال: (وقع بين سلمان الفارسي رضي الله عنه، وبين رجل كلام وخصومه، فقال له الرجل: من أنت يا سلمان؟ فقال سلمان: أما أولي وأولك فنطفة قذرة، وأما آخري وآخرك فجيفة منتنة، فإذا كان يوم القيامة، ووضعت الموازين، فمن ثقل ميزانه فهو الكريم،ومن خف ميزانه فهو اللئيم) (3 سفينة البحار ج2 ص348 عن أمالي الصدوق(رحمه الله)).
وأصدق شاهد على واقعية الإسلام، واستنكاره النعرات العصبية المفرقة، وجعله الإيمان والتقى مقياسا للتفاضل، أن أبا لهب ـ وهو من صميم العرب، وعم النبي ـ صرح القرآن بثلبه وعذابه ((تبت يدا أبي لهب وتب، ما أغنى عنه ماله وما كسب، سيصلى نارا ذات لهب)) وذلك بكفره ومحاربته لله ورسوله.
وكان سلمان فارسيا، بعيدا عن الأحساب العربية، وقد منحه الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله) وساما خالدا في الشرف والعزة، فقال: (سلمان منا أهل البيت). وما ذلك إلا لسمو إيمانه، وعظم إخلاصه، وتفانيه في الله ورسوله.
حقيقة العصبية
لا ريب أن العصبية الذميمة التي نهى الإسلام عنها هي: التناصر على الباطل، والتعاون على الظلم، والتفاخر القيم الجاهلية.
أما التعصب للحق، والدفاع عنه، والتناصر على تحقيق المصالح الإسلامية العامة، كالدفاع عن الدين، وحماية الوطن الإسلامي الكبير، وصيانة كرمات المسلمين وانفسهم وأموالهم، فهو التعصب المحمود الباعث على توحيد الأهداف والجهود، وتحقيق العزة والمنعة للمسلمين، وقد قال الإمام زين العابدين علي بن الحسين(عليهما السلام): (إن العصبية التي يأثم عليها صاحبها، أن يرى الرجل شرار قومه خير من خيار قوم آخرين، وليس من العصبية أن يحب الرجل قومه، ولكن من العصبية أن يعين قومه على الظلم) (1الوافي ج3 ص149 عن الكافي).
غوائل العصبية
من استقرأ التاريخ الإسلامي، وتتبع العلل والأسباب، في هبوط المسلمين، علم أن النزعات العصبية، هي المعول الهدام، والسبب الأول في تناكر المسلمين، وتمزيق شملهم، وتفتيت طاقاتهم، مما أدى بهم إلى هذا المصير القاتم.
فقد ذل المسلمون وهانوا، حينما تفشت فيهم النعرات المفرقة، فانفصمت بينهم عرى التحابب، ووهت فيهم أواصر الإخاء، فأصبحوا مثالا للتخلف والتبعثر والهوان، بعد أن كانوا رمزا للتفوق والتماسك والفخار، كأنهم لم يسمعوا كلام الله تعالى حيث قال:
((واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا، واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم، فأصبحتم بنعمة الله إخوانا، وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها)) (2آل عمران: 103).
الغضب
وهو: حالة نفسية، تبعث على هياج الإنسان، وثورته قولا أو عملا. وهو مفتاح الشرور، ورأس الآثام، وداعية الأزمات والأخطار. وقد كثرت الآثار في ذمه والتحذير منه:
قال الصادق(عليه السلام): (الغضب مفتاح كل شر)(الكافي).
وإنما صار الغضب مفتاحا للشرور، لما ينجم عنه من أخطار وآثام، كالاستهزاء، التعيير، والفحش، والضرب، والقتل، ونحو ذلك من المساوئ.
وقال الباقر(عليه السلام) : (إن الرجل ليغضب فما يرضى أبدا حتى يدخل النار)(الكافي).
وقال أمير المؤمنين(عليه السلام) : (واحذروا الغضب، فإنه جند من جنود إبليس)(نهج البلاغة).
وقال(عليه السلام): (الحدة ضرب من الجنون، لأن صاحبها يندم، فإن لم يندم فجنونه مستحكم)(نهج البلاغة).
وقال الصادق(عليه السلام): (سمعت أبي يقول: أتى رسول الله(صلى الله عليه وآله) رجل بدوي، فقال: إني أسكن البادية، فعلمني جوامع الكلام. فقال: آمرك أن لا تغضب . فأعاد الأعرابي عليه المسألة ثلاث مرات، حتى رجع إلى نفسه، فقال: لا أسأل عن شيء بعد هذا، ما أمرني رسول الله إلا بالخير...)(الكافي).
بواعث الغضب
لا يحدث الغضب عفوا واعتباطا، وإنما ينشأ عن أسباب وبواعث تجعل الإنسان مرهف الإحساس، سريع التأثر.
ولو تأملنا تلك البواعث، وجدناها مجملة على الوجه التالي:
1 ـ قد يكون منشأ الغضب انحرافا صحيا، كاعتلال الصحة العامة، أو ضعف الجهاز العصبي، مما يسبب سرعة التهيج.
2 ـ وقد يكون المنشأ نفسيا، منبعثا عن الإجهاد العقلي، أو المغالاة في الأنانية، أو الشعور بالإهانة، والاستنقاص، ونحوها من الحالات النفسية، التي سرعان ما تستفز الإنسان، وتستثير غضبه.
3 ـ وقد يكون المنشأ أخلاقيا، كتعود الشراسة، وسرعة التهيج، مما يوجب رسوخ عادة الغضب في صاحبه.
أضرار الغضب
للغضب أضرار جسيمة، وغوائل فادحة، تضر الإنسان فرداً ومجتمعاً، جسميا ونفسيا، وماديا وأدبيا. فكم غضبة جرحت العواطف، وشحنت النفوس بالأضغان، وفصمت عرى التحابب والتآلف بين الناس. وكم غضبة زجت أناسا في السجون، وعرضتهم للمهالك، وكم غضبة أثارت الحروب، وسفكت الدماء، فراح ضحيتها الآلاف من الأبرياء.
كل ذلك سوى ما ينجم عنه من المآسي والأزمات النفسية، التي قد تؤدي إلى موت الفجأة.
والغضب بعد هذا يحيل الإنسان بركانا ثائرا، يتفجر غيضا وشرا، فإذا هو إنسان في واقع وحش، ووحش في صورة إنسان.
فإذا بلسانه ينطلق بالفحش والبذاء، وهتك الأعراض، وإذا بيديه تنبعثان بالضرب والتنكيل، وربما أفضى إلى القتل، هذا مع سطوة الغاضب وسيطرته على خصمه، وإلا انعكست غوائل الغضب على صاحبه، فينبعث في تمزيق ثوبه، ولطم رأسه، وربما تعاطى أعمالا جنونية، كسب البهائم وضرب الجمادات.
الغضب بين المدح والذم
الغضب غريزة هامة، تلهب في الإنسان روح الحمية والإباء، وتبعثه علي التضحية والفداء، في سبيل أهدافه الرفيعة، ومثله العليا، كالذود عن العقيدة، وصيانة الأرواح، والأموال، والكرامات. ومتى تجرد الإنسان من هذه الغريزة صار عرضة للهوان والاستعباد، كما قيل: (من استغضب فلم يغضب فهو حمار).
فيستنتج من ذلك: أن الغضب المذموم ما أفرط الإنسان، وخرج به عن الاعتدال، متحديا ضوابط العقل والشرع. أما المعتدل فهو كما عرفت، من الفضائل المشرفة، التي تعزز الإنسان، وترفع معنوياته، كالغضب على المنكرات، والتنمر في ذات الله تعالى.
علاج الغضب
عرفنا من مطاوي هذا البحث، طرفا من بواعث الغضب ومساوئه وآثامه، والآن أود أن أعرض وصفة علاجية لهذا الخلق الخطير، وهي مؤلفة من عناصر الحكمة النفسية، والتوجيه الخلقي، عسى أن يجد فيها صرعى الغضب ما يساعدهم على مكافحته وعلاجه.
وإليك العناصر الآتية:
1 ـ إذا كان منشأ الغضب اعتلالا صحيا، أو هبوطا عصبيا كالمرضى الشيوخ ونحاف البنية، فعلاجهم ـ والحالة هذه ـ بالوسائل الطبية، وتقوية صحتهم العامة، وتوفير دواعي الراحة النفسية والجسمية لهم، كتنظيم الغذاء، والتزام النظافة، وممارسة الرياضة الملائمة، واستنشاق الهواء الطلق، وتعاطي الاسترخاء العضلي بالتمدد على الفراش.
كل ذلك مع الابتعاد والاجتناب عن مرهقات النفس والجسم، كالاجتهاد الفكري، والسهر المضني، والاستسلام للكآبة، ونحو ذلك من دواعي التهيج.
2 ـ لا يحدث الغضب عفوا، وإنما ينشأ عن أسباب تستثيره، أهمها:
المغالاة في الأنانية. الجدل والمراء، الاستهزاء والتعيير، المزاح الجارح. وعلاجه في هذه الصورة باجتناب أسبابه، والابتعاد عن مثيراته جهد المستطاع.
3 ـ تذكر مساوئ الغضب وأخطاره وآثامه، وأنها تحيق بالغاضب، وتضر به أكثر من المغضوب عليه، فرب أمر تافه أثار غضبة عارمة، أودت بصحة الإنسان وسعادته.
يقول بعض باحثي علم النفس: دع محاولة الاقتصاص من أعدائك، فإنك بمحاولتك هذه تؤذي نفسك أكثر مما تؤذيهم ... إننا حين نمقت أعدائنا نتيح لهم فرصة الغلبة علينا، وإن أعدائنا ليرقصون طربا لو علموا كم يسببوا لنا من القلق وكم يقتصوا منا، إن مقتنا لا يؤذيهم، وإنما يؤذينا نحن، ويحيل أيامنا وليالينا إلى جحيم(دع القلق وابدأ الحياة).
وهكذا يجدر تذكر فضائل الحلم، وآثاره الجليلة، وأنه باعث على إعجاب الناس وثنائهم، وكسب عواطفهم.
وخير محفز على الحلم قول الله عز وجل
(ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم، وما يلقاها إلا الذين صبروا وما يلقاها إلا ذو حظ عظيم)) (فصلت: 34 ـ 35).
4 ـ إن سطوة الغضب ودوافعه الإجرامية، تعرض الغاضب لسخط الله تعالى وعقابه، وربما عرضته لسطوة من أغضبه واقتصاصه منه في نفسه أو ماله أو عزيز عليه، قال الصادق(عليه السلام): (أوحى الله تعالي إلى بعض أنبيائه: ابن آدم اذكرني في غضبك أذكرك في غضبي، لا أمحقك فيمن أمحق، وأرض بي منتصرا، فإن انتصاري لك خير من انتصارك لنفسك)(2 الكافي).
5 ـ من الخير للغاضب إرجاء نزوات الغضب وبوادره، ريثما تخف سورته، والتروي في أقواله وأفعاله عند احتدام الغضب، فذلك مما يخفف حدة التوتر والتهيج، ويعيده إلى الرشد والصواب، ولا ينال ذلك إلا بضبط النفس، والسيطرة على الأعصاب.
قال أمير المؤمنين(عليه السلام): (إن لم تكن حليما فتحلم، فإنه قَل من تشبه بقوم إلا أوشك أن يكون منهم)(3 نهج البلاغة).
6 ـ ومن علاج الغضب: الاستعاذة من الشيطان الرجيم، وجلوس الغاضب إذا كان قائما، واضطجاعه إن كان جالسا، والوضوء أو الغسل بالماء البارد، ومس يد الرحم إن كان مغضوبا عليه، فإنه من مهدئات الغضب
هي: مناصرة المرء قومه، أو أسرته، أو وطنه، فيما يخالف الشرع، وينافي الحق والعدل.
وهي: من أخطر النزعات وأفتكها في تسيب المسلمين، وتفريق شملهم، وإضعاف طاقاتهم، الروحية والمادية، وقد حاربها الإسلام، وحذر المسلمين من شرورها.
فعن أبي عبد الله (عليه السلام) قال
قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): من كان في قلبه حبة من خردل من عصبية، بعثه الله يوم القيامة مع أعراب الجاهلية) (3الوافي ج3 ص149 عن الكافي).وقال الصادق (عليه السلام): (من تعصب عصبه الله بعصابة من نار) (4الوافي ج3 ص149 عن الكافي).
وقال النبي (صلى الله عليه وآله): (إن الله تبارك وتعالى قد أذهب بالإسلام نخوة الجاهلية، وتفاخرها بآبائها، ألا إن الناس من آدم ، وآدم من تراب، وأكرمهم عند الله أتقاهم ) (1الوافي ج14 ص48 عن الفقيه).
وقال الباقر (عليه السلام): جلس جماعة من أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله) ينتسبون ويفتخرون، وفيهم سلمان. فقال عمر: ما نسبك أنت يا سلمان وما أصلك؟ فقال: أنا سلمان بن عبد الله،كنت ضالا فهداني الله بمحمد، وكنت عائلا فأغناني الله بمحمد، وكنت مملوكا فأعتقني الله بمحمد، فهذا حسبي ونسبي يا عمر.
ثم خرج رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فذكر له سلمان ما قال عمر وما أجابه، فقال رسول الله: (يا معشر قريش إن حَسَب المرء دينه، ومروءته خلقه، وأصله عقله، قال الله تعالى
(يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى، وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا، إن أكرمكم عند الله أتقاكم)) ثم أقبل على سلمان فقال له: (إنه ليس لأحد من هؤلاء عليك فضل إلا بتقوى الله عز وجل، فمن كنت أتقى منه فأنت أفضل منه) (2البحار م15 ج2 ص348 أمالي أبي علي الشيخ الطوسي).
وعن الصادق عن أبيه عن جده عليهم السلام قال: (وقع بين سلمان الفارسي رضي الله عنه، وبين رجل كلام وخصومه، فقال له الرجل: من أنت يا سلمان؟ فقال سلمان: أما أولي وأولك فنطفة قذرة، وأما آخري وآخرك فجيفة منتنة، فإذا كان يوم القيامة، ووضعت الموازين، فمن ثقل ميزانه فهو الكريم،ومن خف ميزانه فهو اللئيم) (3 سفينة البحار ج2 ص348 عن أمالي الصدوق(رحمه الله)).
وأصدق شاهد على واقعية الإسلام، واستنكاره النعرات العصبية المفرقة، وجعله الإيمان والتقى مقياسا للتفاضل، أن أبا لهب ـ وهو من صميم العرب، وعم النبي ـ صرح القرآن بثلبه وعذابه ((تبت يدا أبي لهب وتب، ما أغنى عنه ماله وما كسب، سيصلى نارا ذات لهب)) وذلك بكفره ومحاربته لله ورسوله.
وكان سلمان فارسيا، بعيدا عن الأحساب العربية، وقد منحه الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله) وساما خالدا في الشرف والعزة، فقال: (سلمان منا أهل البيت). وما ذلك إلا لسمو إيمانه، وعظم إخلاصه، وتفانيه في الله ورسوله.
حقيقة العصبية
لا ريب أن العصبية الذميمة التي نهى الإسلام عنها هي: التناصر على الباطل، والتعاون على الظلم، والتفاخر القيم الجاهلية.
أما التعصب للحق، والدفاع عنه، والتناصر على تحقيق المصالح الإسلامية العامة، كالدفاع عن الدين، وحماية الوطن الإسلامي الكبير، وصيانة كرمات المسلمين وانفسهم وأموالهم، فهو التعصب المحمود الباعث على توحيد الأهداف والجهود، وتحقيق العزة والمنعة للمسلمين، وقد قال الإمام زين العابدين علي بن الحسين(عليهما السلام): (إن العصبية التي يأثم عليها صاحبها، أن يرى الرجل شرار قومه خير من خيار قوم آخرين، وليس من العصبية أن يحب الرجل قومه، ولكن من العصبية أن يعين قومه على الظلم) (1الوافي ج3 ص149 عن الكافي).
غوائل العصبية
من استقرأ التاريخ الإسلامي، وتتبع العلل والأسباب، في هبوط المسلمين، علم أن النزعات العصبية، هي المعول الهدام، والسبب الأول في تناكر المسلمين، وتمزيق شملهم، وتفتيت طاقاتهم، مما أدى بهم إلى هذا المصير القاتم.
فقد ذل المسلمون وهانوا، حينما تفشت فيهم النعرات المفرقة، فانفصمت بينهم عرى التحابب، ووهت فيهم أواصر الإخاء، فأصبحوا مثالا للتخلف والتبعثر والهوان، بعد أن كانوا رمزا للتفوق والتماسك والفخار، كأنهم لم يسمعوا كلام الله تعالى حيث قال:
((واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا، واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم، فأصبحتم بنعمة الله إخوانا، وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها)) (2آل عمران: 103).
الغضب
وهو: حالة نفسية، تبعث على هياج الإنسان، وثورته قولا أو عملا. وهو مفتاح الشرور، ورأس الآثام، وداعية الأزمات والأخطار. وقد كثرت الآثار في ذمه والتحذير منه:
قال الصادق(عليه السلام): (الغضب مفتاح كل شر)(الكافي).
وإنما صار الغضب مفتاحا للشرور، لما ينجم عنه من أخطار وآثام، كالاستهزاء، التعيير، والفحش، والضرب، والقتل، ونحو ذلك من المساوئ.
وقال الباقر(عليه السلام) : (إن الرجل ليغضب فما يرضى أبدا حتى يدخل النار)(الكافي).
وقال أمير المؤمنين(عليه السلام) : (واحذروا الغضب، فإنه جند من جنود إبليس)(نهج البلاغة).
وقال(عليه السلام): (الحدة ضرب من الجنون، لأن صاحبها يندم، فإن لم يندم فجنونه مستحكم)(نهج البلاغة).
وقال الصادق(عليه السلام): (سمعت أبي يقول: أتى رسول الله(صلى الله عليه وآله) رجل بدوي، فقال: إني أسكن البادية، فعلمني جوامع الكلام. فقال: آمرك أن لا تغضب . فأعاد الأعرابي عليه المسألة ثلاث مرات، حتى رجع إلى نفسه، فقال: لا أسأل عن شيء بعد هذا، ما أمرني رسول الله إلا بالخير...)(الكافي).
بواعث الغضب
لا يحدث الغضب عفوا واعتباطا، وإنما ينشأ عن أسباب وبواعث تجعل الإنسان مرهف الإحساس، سريع التأثر.
ولو تأملنا تلك البواعث، وجدناها مجملة على الوجه التالي:
1 ـ قد يكون منشأ الغضب انحرافا صحيا، كاعتلال الصحة العامة، أو ضعف الجهاز العصبي، مما يسبب سرعة التهيج.
2 ـ وقد يكون المنشأ نفسيا، منبعثا عن الإجهاد العقلي، أو المغالاة في الأنانية، أو الشعور بالإهانة، والاستنقاص، ونحوها من الحالات النفسية، التي سرعان ما تستفز الإنسان، وتستثير غضبه.
3 ـ وقد يكون المنشأ أخلاقيا، كتعود الشراسة، وسرعة التهيج، مما يوجب رسوخ عادة الغضب في صاحبه.
أضرار الغضب
للغضب أضرار جسيمة، وغوائل فادحة، تضر الإنسان فرداً ومجتمعاً، جسميا ونفسيا، وماديا وأدبيا. فكم غضبة جرحت العواطف، وشحنت النفوس بالأضغان، وفصمت عرى التحابب والتآلف بين الناس. وكم غضبة زجت أناسا في السجون، وعرضتهم للمهالك، وكم غضبة أثارت الحروب، وسفكت الدماء، فراح ضحيتها الآلاف من الأبرياء.
كل ذلك سوى ما ينجم عنه من المآسي والأزمات النفسية، التي قد تؤدي إلى موت الفجأة.
والغضب بعد هذا يحيل الإنسان بركانا ثائرا، يتفجر غيضا وشرا، فإذا هو إنسان في واقع وحش، ووحش في صورة إنسان.
فإذا بلسانه ينطلق بالفحش والبذاء، وهتك الأعراض، وإذا بيديه تنبعثان بالضرب والتنكيل، وربما أفضى إلى القتل، هذا مع سطوة الغاضب وسيطرته على خصمه، وإلا انعكست غوائل الغضب على صاحبه، فينبعث في تمزيق ثوبه، ولطم رأسه، وربما تعاطى أعمالا جنونية، كسب البهائم وضرب الجمادات.
الغضب بين المدح والذم
الغضب غريزة هامة، تلهب في الإنسان روح الحمية والإباء، وتبعثه علي التضحية والفداء، في سبيل أهدافه الرفيعة، ومثله العليا، كالذود عن العقيدة، وصيانة الأرواح، والأموال، والكرامات. ومتى تجرد الإنسان من هذه الغريزة صار عرضة للهوان والاستعباد، كما قيل: (من استغضب فلم يغضب فهو حمار).
فيستنتج من ذلك: أن الغضب المذموم ما أفرط الإنسان، وخرج به عن الاعتدال، متحديا ضوابط العقل والشرع. أما المعتدل فهو كما عرفت، من الفضائل المشرفة، التي تعزز الإنسان، وترفع معنوياته، كالغضب على المنكرات، والتنمر في ذات الله تعالى.
علاج الغضب
عرفنا من مطاوي هذا البحث، طرفا من بواعث الغضب ومساوئه وآثامه، والآن أود أن أعرض وصفة علاجية لهذا الخلق الخطير، وهي مؤلفة من عناصر الحكمة النفسية، والتوجيه الخلقي، عسى أن يجد فيها صرعى الغضب ما يساعدهم على مكافحته وعلاجه.
وإليك العناصر الآتية:
1 ـ إذا كان منشأ الغضب اعتلالا صحيا، أو هبوطا عصبيا كالمرضى الشيوخ ونحاف البنية، فعلاجهم ـ والحالة هذه ـ بالوسائل الطبية، وتقوية صحتهم العامة، وتوفير دواعي الراحة النفسية والجسمية لهم، كتنظيم الغذاء، والتزام النظافة، وممارسة الرياضة الملائمة، واستنشاق الهواء الطلق، وتعاطي الاسترخاء العضلي بالتمدد على الفراش.
كل ذلك مع الابتعاد والاجتناب عن مرهقات النفس والجسم، كالاجتهاد الفكري، والسهر المضني، والاستسلام للكآبة، ونحو ذلك من دواعي التهيج.
2 ـ لا يحدث الغضب عفوا، وإنما ينشأ عن أسباب تستثيره، أهمها:
المغالاة في الأنانية. الجدل والمراء، الاستهزاء والتعيير، المزاح الجارح. وعلاجه في هذه الصورة باجتناب أسبابه، والابتعاد عن مثيراته جهد المستطاع.
3 ـ تذكر مساوئ الغضب وأخطاره وآثامه، وأنها تحيق بالغاضب، وتضر به أكثر من المغضوب عليه، فرب أمر تافه أثار غضبة عارمة، أودت بصحة الإنسان وسعادته.
يقول بعض باحثي علم النفس: دع محاولة الاقتصاص من أعدائك، فإنك بمحاولتك هذه تؤذي نفسك أكثر مما تؤذيهم ... إننا حين نمقت أعدائنا نتيح لهم فرصة الغلبة علينا، وإن أعدائنا ليرقصون طربا لو علموا كم يسببوا لنا من القلق وكم يقتصوا منا، إن مقتنا لا يؤذيهم، وإنما يؤذينا نحن، ويحيل أيامنا وليالينا إلى جحيم(دع القلق وابدأ الحياة).
وهكذا يجدر تذكر فضائل الحلم، وآثاره الجليلة، وأنه باعث على إعجاب الناس وثنائهم، وكسب عواطفهم.
وخير محفز على الحلم قول الله عز وجل
(ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم، وما يلقاها إلا الذين صبروا وما يلقاها إلا ذو حظ عظيم)) (فصلت: 34 ـ 35).4 ـ إن سطوة الغضب ودوافعه الإجرامية، تعرض الغاضب لسخط الله تعالى وعقابه، وربما عرضته لسطوة من أغضبه واقتصاصه منه في نفسه أو ماله أو عزيز عليه، قال الصادق(عليه السلام): (أوحى الله تعالي إلى بعض أنبيائه: ابن آدم اذكرني في غضبك أذكرك في غضبي، لا أمحقك فيمن أمحق، وأرض بي منتصرا، فإن انتصاري لك خير من انتصارك لنفسك)(2 الكافي).
5 ـ من الخير للغاضب إرجاء نزوات الغضب وبوادره، ريثما تخف سورته، والتروي في أقواله وأفعاله عند احتدام الغضب، فذلك مما يخفف حدة التوتر والتهيج، ويعيده إلى الرشد والصواب، ولا ينال ذلك إلا بضبط النفس، والسيطرة على الأعصاب.
قال أمير المؤمنين(عليه السلام): (إن لم تكن حليما فتحلم، فإنه قَل من تشبه بقوم إلا أوشك أن يكون منهم)(3 نهج البلاغة).
6 ـ ومن علاج الغضب: الاستعاذة من الشيطان الرجيم، وجلوس الغاضب إذا كان قائما، واضطجاعه إن كان جالسا، والوضوء أو الغسل بالماء البارد، ومس يد الرحم إن كان مغضوبا عليه، فإنه من مهدئات الغضب





:grins:


تعليق