أبو حيان التوحيدي ـ مأساة عصره

Collapse
X
 
  • الوقت
  • عرض
Clear All
new posts
  • اسامةحاتم
    كاتب مميز
    • Sep 2004
    • 50

    #1

    أبو حيان التوحيدي ـ مأساة عصره


    قصة حياة الأديب العباسي الكبير أبو حيان علي بن محمد التوحيدي مأساة مؤلمة، تكشف عن معاناة الفقراء في ذلك العصر،حتى لو وصلوا إلى أعلى درجات الثقافة الموسوعية آنذاك أبصر أبو حيان النور في مطلع القرن الرابع الهجري من أب فقير كان يشتغل ببيع نوع من التمر يسمى (التوحيد) وهذا سبب تسمية أبو حيان ب(التوحيدي). كان أبو حيان ذا همة عالية وطموح واسع دفعه إلى الإقبال على العلم والثقافة رغم فقره الشديد،درس الفقه الشافعي وسمع الحديث ودرس النحو وعلوم اللغة وكان له شغف خاص بالفلسفة والمنطق،وحتى عندما اضطر لاتخاذ حرفة يتعيش منها فقد أختار حرفة النسخ ـ نسخ الكتب بخط اليد ـ مهنة له، وقد أمدته هذه الحرفة بزاد وافر من المعرفة وعرفته إلى ألوان الثقافة المتداولة في عصره، ولكن هذه الصناعة لم تكن تدر عليه ما يصلح به حاله،فبقي على فقره وفاقته. وفي الوقت الذي كانت تغدق فيه عشرات الألوف ومئات الألوف من الدراهم والدنانير على الجواري والعبيد في قصور الخلافة والسلطنة،كان التوحيدي يكتب متوسلا إلى الوزراء ورجال الدولة يلتمس منهم ان يجروا عليه ـ بلغة ذلك العصر ـ درهمين في اليوم ليتمكن من التفرغ للكتابة والتأليف فلم يظفر بهذا المطلب الزهيد.
    ورغم هذا كله،رغم الظلام الذي لف حياته القاسية ورغم صراعه المروع مع الفقر والحاجة فقد واصل التأليف متشبثا بأهداب الأمل في ان ينال حقه المشروع من العناية والتكريم، رغم إن الحاجة كانت تدفعه أحيانا إلى الخروج إلى الصحراء، يقتات بالعشب وبالثمار البرية ليدفع عن نفسه ألم الجوع.وأخيرا بعد أن يئس من بغداد،عاد إلى مسقط رأسه فارس بحثا عن أمل جديد حيث قابل وزيرين من اعظم الوزراء دراية بالأدب ورعاية للعلم، ابن العميد ثم الصاحب بن عباد،لكن حظه السيئ لاحقه إلى هناك ، فلم ينل منهما خيرا يذكر، فعاد إلى بغداد حزينا مقهورا ليؤلف كتاب (أخلاق الوزيرين) ورغم خيبة أمله في هذين الوزيرين الأديبين فان ذلك الفقير النبيل انصفهما في هذا الكتاب ووصف علمهما وفضلهما في مواقع كثيرة منه، ويعد هذا الكتاب أثرا فريدا في الأدب الذاتي الخالص، والتعبير عن شجون النفس وآلامها.
    وواصل التوحيدي حياته القاسية الشاقة الموزعة بين تأليف كتبه الرائعة البديعة وبين مكافحة الموت جوعا، إلى أن ساعدته الظروف على الاتصال بالوزير الحسين بن احمد بن سعدان حيث نسخ له كتاب (الحيوان) للجاحظ وألف له رسالة (الصداقة) وحاضره بما في كتابه (الامتاع والمؤانسة)وعاش التوحيدي أياما طيبة في صحبة الوزير،لكن سعادته لم تطل فقد انصرف عنه الوزير كما انصرف عنه ابن العميد والصاحب بن عباد من قبل، ويبدو أن اعتزاز التوحيدي بعلمه الغزير ومؤلفاته الرائعة واحترامه لنفسه وكرامته كان السبب في إفساد علاقته مع هؤلاء الوزراء الذين كانوا يريدون منه أن لا ينسى كونه فقيرا معدما عندما يحضر مجالسهم ويتحدث إليهم.وفي خريف عمره وبعد أن طحنه الفقر والهم طحنا،أقدم التوحيدي على فعلة لا يقوم بها إلا يائس،فقد جمع كتبه كلها ـ وكانت تعد بالعشرات من انفس وأبدع ما كتب ـ وأحرقها لئلا يتركها من بعده للناس الذين أذاقوه العذاب والهوان أكثر من ستين عاما، ولولا وقوع نسخ من بعض هذه الكتب بأيدي الناس لما وصل إلينا منها شيء . وبعد هذه المأساة الأخيرة في حياته سكن التوحيدي إلى حياة الزهد بعد أن يئس من الدنيا ليكون كتابه الأخير (الإشارات الإلهية ) في أكثره مناجاة لربه وخالقه لترتاح روحه المعذبة أخيرا بعد أن يئس من كل مخلوق وقد أناف على السبعين من سني حياته الشقية البائسة،رحم الله أبو حيان رحمة واسعة وعوضه عن دنياه الأليمة بجنة الخلد حيث لافقر ولاأحزان.
    د.اسامة شمس الدين عزيز الحاتم
    رئيس رابطة الجامعيين العراقيين اخوان الفقراء
    رئيس تحرير مجلة " سلام العراق "
  • عاشق البحر
    عضو فعال
    • Aug 2004
    • 74

    #2
    الرد: أبو حيان التوحيدي ـ مأساة عصره

    كم هو رائع ابو حيان التوحيدي لقد قرأت بعض كلماته ومن اروعها لدي هذه الكلمات:
    ( لا تفصح عما تكون الكناية عنه أستر للعيب، وأنفى للريب. فإن الكلام صلف.. وخطره كثير، وله إباء كإباء الحرون، وزهو كزهو الملك، وخفق كخفق البرق.. ومادته من العقل، والعقل سريع التحول خفي الخداع. وطريقه على الوهم، والوهم شديد السيلان، ومجراه على اللسان: واللسان كثير الطغيان...)

    تعليق

    • اسامةحاتم
      كاتب مميز
      • Sep 2004
      • 50

      #3
      الرد: أبو حيان التوحيدي ـ مأساة عصره

      اخي الكريم عاشق البحر
      ليس من الادب واللياقة عدم الرد على اي عضو كريم يشرف مواضيعي بمروره وتعقيبه ولهذا اجدني مضطرا للرد الان بعد كل هذه المدة لظروف قاهرة كفاك الله كل سوء
      شكرا اخي الكريم ومعذرة مرة اخرى
      د.اسامة شمس الدين عزيز الحاتم
      رئيس رابطة الجامعيين العراقيين اخوان الفقراء
      رئيس تحرير مجلة " سلام العراق "

      تعليق

      • أبو زياد
        عضو متميز
        • Jul 2004
        • 5708

        #4
        الرد: أبو حيان التوحيدي ـ مأساة عصره

        السلام عليكم
        شكراً أخي الكريم أسامة
        ملخص جميل عن حياة أبو حيان
        جمعنا الله به وبكم في جنان الخلد أجمعين
        وتقبّل خالص التقدير عزيزي
        سبحانك اللهم وبحمدك .. أشهد أن لا إله إلا أنت .. أستغفرك وأتوب إليك

        تعليق

        • اسامةحاتم
          كاتب مميز
          • Sep 2004
          • 50

          #5
          الرد: أبو حيان التوحيدي ـ مأساة عصره

          وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته اخي واستاذي الفاضل حيران
          اللهم استجب الدعاء واحشرنا والمسلمين جميعا تحت لواء سيدنا المصطفى برحمتك ومنك وكرمك
          د.اسامة شمس الدين عزيز الحاتم
          رئيس رابطة الجامعيين العراقيين اخوان الفقراء
          رئيس تحرير مجلة " سلام العراق "

          تعليق

          مواضيع مرتبطة

          Collapse

          جاري العمل...