الرجل المثالي

Collapse
X
Collapse
 

  • شهـرزاد
    بدأ أضافة المدونة الرجل المثالي

    الرجل المثالي

    الرجل المثالي


    قرع جرس المدرسة وبدأ الطلاب ينتظمون بصفوف استعدادا لبدء يوم جديد من الدراسة
    وبعد انصات طالت مدته للبرنامج الاذاعي توجه الجميع الى فصولهم بانتظام وهدوء
    وكان في اخر هذه الصفوف .... طالبة قد بدأت للتو تشق طريقها لاكتشاف ما الذي ينتظرها في سنتها الاولى وايامها الاولى وسط هذا الزحام
    فاخذت تتجول في الاروقة وتطالع الطالبات عبر النوافذ وتبحث في ذاكرتها عن مكان فصلها بين هذه الفصول
    لم يقطع هذا الذهول والتأمل الا كلمات اجبرتها على العودة الى طبيعتها
    انها وصايا امها التي تسمعها كل صباح ....
    وتلقائيا امتدت يد تلك الطالبة الى احد جيوبها لتجد انها اخلت بأحد وصايا امها
    فلم تعثر على القطع النقدية التي سملتها لها امها واوصتها بان تنتبه لها جيدا والا تفقدها
    فبدأت تبحث في جيوبها والقت بحقيبتها ارضا ولم تترك فيها كتابا ولا قلما
    لكن جميع محاولات بحثها ذهبت سدى فلم تعثر على اي نقود
    وعندما نفذت منها كل الحلول اشارت عليها نفسها بأن تعود ادراجها فلعلها سقطت منها في مكان ما
    واندفعت بقوة البرق نحو بوابة المدرسة وتغطي اعينها سحابات من الدموع الحبيسة وصوت انفاسها المتصاعدة بالكاد تخفيها
    فاخذت دقات قلبها تتسارع كلما اجبرتها خطواتها على التقدم والابتعاد عن المدرسة خطوة تلو الاخرى
    وبعد ان ابتعدت عدة امتار تذكرت وصايا امها بالا تغادر المدرسة الا ساعة الاياب والا تفااارق بنات عمها وتبقى ملتصقة بهم
    فعادت منكسرة الخاطر الى المدرسة وكانت فكرة انها فقدت نقودها لا تزيدها الا ضجرا وغضبا فتقرر من جديد ان تعاود البحث
    وبقيت على هذا الحال مدة من الزمان الى ان جلست في منتصف الطريق وانفجرت في البكاء لقد عجزت قواها على اتخاذ القرار الصائب
    وبينما هي كذلك اقترب منها احد ما ....
    كان يراقبها ويتساءل محتارا عما تفعله تلك الصغيرة وقرر في قرارة نفسه التقدم واكتشاف الامر اشفاقا بها فقدم لها منديلا لتكفكف دمعاتها
    وبدأ يستل منها الكلمات محاولا ان يدرك مصابها وهي تبكي وتتحدث بسرعة ولا تنتظم بترتيب الاحداث
    الا انه قرر مساعدتها قائلا...
    ساقوم بدفع النقود لك
    توقفت عن البكاء وهدأت قليلا واستدركت قائلة : لم تعطيني النقود....وبدون مقابل؟
    قال لها ومن قال انها بدون مقابل؟
    تساءلت الفتاة عما يقصده ذلك الرجل ؟
    فأردف قائلا : المقابل ان تتوقفي عن البكاء وتعودي الى مدرستك
    وقبل ان ترد عليه الصغيرة ابتسم قائلا : ولا تزعجي الاخرين
    ابتسمت الفتاة وكأنها وجدت مخرج لها وقالت مندفعة :اعطني النقود اذا
    فناولها الرجل النقود مبتسما واخذ يساعدها على النهوض
    شكرته الصغيرة وهمّت بالانصراف ووعدته بانها سترد له النقود فودعها ومضى كل واحد منهما في طريقه
    لكن الفتاة تذكرت شيء بان الرجل الذي ساعدها لم يكن رجل عادي وتذكرت ان من يرتدي مثل هذا الزي فهو شرطي
    فعادت ادراجها واستوقفته قائلة ....
    لن تقوم باعتقالي ان تاخرت في دفع النقود ،اليس كذلك ايها الشرطي؟
    استنكر الشرطي ما جاء مفاجئا على لسان هذه الصغيرة لكنه اجاب بكل ثقة :بالطبع لا
    واضاف مبتسما:لكن ان لم تذهبي الان الى المدرسة سافكر بهذا الامر
    فاخذت تعدو مسرعة الى المدرسة وهي تحمد الله على تسخير هذا الشرطي ومساعدته لها
    وبقيت صورة هذا الشرطي في نظر الصغيرة الصورة المثالية ةكانت لا تتوقف عن مدح ذلك الشرطي في جميع سنوات عمرها
    فتكتب الاشعار والقصص عن الشرطة والمثالية التي يتمتعون بها من اخلاق وصفات واعمال وتقوم باعداد التقارير ... الخ
    لكن مع كل اسف...
    كلما كبرت الفتاة ونضجت اصبحت هذه الصورة المثالية للشرطة تتلاشى شيئا فشيئا
    وتحاول ان تبرر الاحداث والمواقف وتختلق لهم الاعذار لكنها في قرارة نفسها تكذب ما تقوله وهي تشاهد وتطالع ما يجري على الساحة
    ففي الغرب والشرق الشرطة اخر من يهتم واخر من يوثق بهم على مر الزمان.
    فهل اعطاء صلاحيات ما للحفاظ على امن البشر..... يسلب الانسانية من اصحابها؟
    وفي نفس الوقت لم تستطع محو صورة ذلك الشرطي النبيل -
    الرجل المثالي- من ذاكرتها فأخذت تقول في احد مذكراتها

    مالي اراك ايها الشرطي بحال غير الذي في ذلك الزمان ؟
    ما لي اراك بفم متقوس تعض الشفاه وهجرت كل ابتسامة بريئة ونور وجهك تبدل بشحوب واصبح اشبه بسواد ليل مريب
    مالي اراك تعقد يديك خلف ظهرك وكأنها مقيدة بالاصفاد بعد ان كانت ممتدة دائما لاعانة الصغير قبل الكبير
    مالي اراك تسير بلا بصر ولا بصيرة تجعلك تفرق بين الظالم والمظلوم....تمشي بيننا وبالكاد ترانا وكأنك بارتداء ذلك الزي الذي كلما زادت نجومه وشرائطه انساك انك منا نحن البشر واننا جميعا بنو ادم
    ما لي اراك تعرض عن كل ملهوف مستغيث بك وتلبي نداء صغائر البشر ومفسديها
    مالي اراك تحمل السلاح مهددا مدمرا تسفك الدماء يمنة ويسرة .... متخليا عن كل خلق ودين وانسانية عرفها التاريخ
    اشفق علي واخبرني لم كل هذا؟ وما هو المراد من كل هذا؟.ولماذا تكون عبدا وانت المسؤول عن الحرية؟


    بقلــــمي ... شــهرزاد

    -يسرى اسماعيل ابو اسنينة-


      نشر التعليقات معطل

    مواضيع مرتبطة

    Collapse

    جاري العمل...