لاجئ هنا وهناك

Collapse
X
 
  • الوقت
  • عرض
Clear All
new posts
  • الكلام الهادف
    عضو فعال
    • Apr 2008
    • 650

    #1

    لاجئ هنا وهناك

    لاجئ هنا وهناك

    كل شيء تغير أمام ناظريه، وفي دواخله، فمنذ أيام أعلنت مفوضية اللاجئين العودة الطوعية – كما يسمونها – للاجئين، وأصبح عليهم العودة إلى ارتريا.
    لم يكن إدريس – ذلك الشاب الصغير – بالذي يعي معنى العودة، فهو من مواليد كسلا، فيها ولد ونشأ وترعرع . واليوم وبعد تسع عشرة سنة يترك الأرض التي يعرفها، ملئ عينيه مما حوله من المناظر، وأخذ يعيد شريط الذكريات..
    مر على خاطره طفولته الأولى، عندما كان طفلاً يلعب في طرقات كسلا مع صديقه أحمد الذي لا يفارق مخيلته، أحبا بعضهما أشد ما يحب صاحب صاحبه، لم يكن يرى فرقاً بينهما، تذكر حين كانا صبيان يلعبان بالطين عند نزول الأمطار، ويتقاذفان به، وعندما كانا في الخلوة يمسكان الألواح، ويرددان آيات القرآن بنغمة تتناسق مع حركة أجسامهما، وتذكر جلوسهما على المنضدة الصغيرة في فصول الدراسة الأولية، صور الطفولة تمر على ذاكرته، صور حلوة بريئة لا تعرف التزوير، إنها أبجديات الحياة.
    فراق الأرض التي يعرفها ذكره بفراق صديقه الذي أحبه، ياله من يوم لا يُنسى، يومها جاء أحمد بوجه ليس بوجه الطفل الصادق، وتحدث بلسان ليس بلسان الفطرة الصافية، جاء يحمل رأي غيره، طلب منه أن لا يسير معه؛ لأن والده أمره بذلك. نظر إليه إدريس نظرة استغراب وقال: لماذا؟! هل حدث مني شيء؟ تحير أحمد في الجواب، ووضع عيناه في الأرض، ولم يزد على قوله: والدي قال: إنك من اللاجئين، أليس كذلك؟ قال إدريس بصوت تصحبه الحيرة: نعم أنا لأجي، وأهلي من إرتريا، والحرب ألجئت والدي إلى السودان، وماذا في ذلك؟! أطرق أحمد رأسه وسار، ومنذ ذلك اليوم تفارقا.
    لم يفهم عقله الصغير يومها شيئاً، إلا أنه أحس بضعف نفسه، عاد إلى منزله بحركة يائس، ارتمى على فراشه، مازال يرن في أذنيه صوت والدته تناديه من أجل العشاء، رفع صوته: لا أريد، أنا شبعان. أسرعت أمه إليه، وضعت يدها على جبهته لتتأكد من حرارة جسمه، سألته: هل تحس بألم يا بني؟ أجابها بالنفي.
    استطاعت أمه أن تعرف منه كل شيء، كان إدريس يومها يجهش بالبكاء، كما تدمع عيناه اليوم ويحترق قلبه، أخبرته أمه بالظروف التي مرت بهم بالقتل والتعذيب والاضطهاد، أخبرته بهجرتهم الاضطرارية، ذكرت له أن الهجرة ليست عيباً، بل شرفاً فيه معنى الإتباع، فالرسول صلى الله عليه وسلم هاجر من بلده مكة إلى المدينة، حكت له يومها كيف استقبل الأنصار الرسول الكريم بترانيم الترحاب، وأعلمته أن صديقه أحمد ليس من كسلا، بل مهاجراً لها من الشمال، وأنشدت له بصوتها العذب ويدها تداعب خصال شعره:
    طلع البدر علينا من ثنيات الوداع
    وعلى تلك الترانيم نامت عيناه، بينما سهرت أمه الليل كله.
    كم كان فراق أحمد صعباً عليه، ولكنه علم فيما بعد أن الزمن كان جديراً بأن يفرق بينهما، أحمد اليوم طالب جامعي، وهو مجرد عامل، لم يستطع أن يواصل دراسته الأولية؛ فظروف أسرته الصعبة أجبرته على طلب القوت والمعاش.
    ما زال يتعجب من كلمات أمه التي كانت بلسماً لقلبه الصغير، فهو يعرف أن أمه أمية لا تقرأ ولا تكتب؛ فمن أين لها ذلك الكلام؟! لقد استطاعت أمه أن تزيل كثيراً من أحزانه، لكنها لم تستطع أن تخرج من قلبه وقع كلمة لاجئ، ولذلك كان يتحاشى ذكر وطنه الأصلي عندما يُسأل عن وطنه، ويكتفي بالانتساب إلى كسلا، فكثير من الناس اليوم يرى أن كلمة لاجئ تنتسب إلى قاموس الشتائم، فالانتساب لشرف الهجرة يكون في مجتمع الأنصار، ثم لماذا لا يصح له وهو ابن الشرق القريب أن ينتسب لكسلا، بينما ينتسب لها ابن الشمال؟!
    مل الانتظار فالسيارات التي ستقلهم لم تصل بعد، سار ببطء إلى المقبرة المجاورة، وقف على قبرها، ذرفت عيناه دموعاً حارة سقت تلك التربة الطاهرة، ما زال يذكر جدته فاطمة رحمها الله، كانت تحكي له دائماً عن بطولات أهله وشرفهم، وعن جده الأول الذي قدم من جزيرة العرب، حكت له عن الفروسية، عن الكرم، حدثته عن الأرض، كانت تزرع في قلبه بذور الخير، جعلته يحب وطنه، ما زال عبق رائحة البن المحمص والبخور في أنفاسه، مع كل صباح ومساء، ومع كل فنجان قهوة كانت ترفع يديها داعية أن يكتب الله لها الموت في وطنها، لا في بلد الغربة، ولكنها الأقدار والآجال، يا ترى أما زالت جدته تحس بالغربة في قبرها؟ هكذا تسآءل، استغفر الله، ورفع يديه يدعو لها بالرحمة.
    السيارات المعدة لنقل اللاجئين وصلت، الأمتعة نُقلت إلى سيارات النقل بأرقام معينة، بينما ركب العائدون في باصات (النيسان)، بعد أن ذاقوا مرارة النسيان، نظر إلى والده يودع جيرانه متجلداً، بينما رأى والدته تبكي، أما مشاعره هو فتردد، ما زال يتذكر كلام جدته في وصف وطنها، وكلام أمه في وصف الحرب التي أخرجت أهله، شوق وخوف، إقبال وإدبار.
    وسارت قافلة العودة، التي لم يعرف معناها، جبال التاكا[1] تسير معه، لا تريد فراقه، يراها عن بُعد، شريط الذكريات يعاوده، شيئاً فشيئاً تتلاشى صورة الجبال، حاول أن ينسى كل ما تركه خلف ظهره، لكنه لم يستطع، فكل شيء يذكره بما تركه.
    وهناك حيث تقع الحدود المزعومة، المرسومة في الخرائط، تُبصر مهزلة الزمان، رفع صوته قائلاً: أعلى هذه تقع الحروب؟! لم يرد عليه أحد ممن معه، فكلهم غارقٌ في خواطره.
    وصل إدريس إلى حيث أُريد له ، لم يرَ فرقاً، السماء هي السماء، والأرض هي الأرض، الجبال تحاكي التاكا أو يحاكيها، حتى صورة المعسكر لم تتغير، معاني الغربة تلوح من جديد، أيكون لاجئاً هنا كما كان هناك؟! إذاً فأين وطنه الذي عاد إليه؟!


    [1] _ جبال في كسلا، لها منظر خلاب رائع.
  • الكلام الهادف
    عضو فعال
    • Apr 2008
    • 650

    #2
    الرد: لاجئ هنا وهناك

    أخي الحبيب الدكتور سعيد
    لما أبصرت عيني ذكريات لاجئ .. تذكرت قصة كتبتها في يوم السبت 2/6/1423هـ ؛ تتحدت عن مأساة اللاجئين .. وقد نشرت في أحد المجلات الخلجية . ورشحت يومها بجائزة .. وكم استغرب رئيس التحرير عندما علم أن كانبها ليس إرترياً ..
    أهدي قصتي لشعب إرتريا العربي المسلم .. ولكل لاجئ في الأرض ..
    محمد

    تعليق

    • الشاعر لطفي الياسيني
      شاعر
      • Jan 2008
      • 5553

      #3
      الرد: لاجئ هنا وهناك

      استاذي الكبير الفاضل محمد
      تحية الصمود من ارض الرباط
      ان كل مفردات ثقافتي لا تفيك حقك من الشكر والتقدير
      يا امير المنتدى
      لك مني احترامي وتقديري الكبيرين
      دمت بحفظ المولى


      تعليق

      • صقرالنوايف
        عضو متميز

        • Jun 2005
        • 25677

        #4
        الرد: لاجئ هنا وهناك

        شكرا اخي الطيب الكلام الهادف
        قصة رائعه وماأكثر اللاجئين في بقاع كثيره من العالم يتألمون ويقاسون ولاأحد يلتفت لهم
        تحياتي

        تعليق

        • ابو المعالي
          عضو متميز
          • Apr 2008
          • 1621

          #5
          الرد: لاجئ هنا وهناك

          الاخ والصديق العزيز الكلام الهادف
          كم يعجني ماتكتب (بدون مجاملة)
          وكم تعجبني افكارك المليئة بالرجولة والحنان
          حنان الرجل الرجل الذي لاينسى مايحدث في بقاع الارض الاخرى ولأن كان جالسا مترفا في مكانه
          نعم هذه واحدة من صفات الرجولة احييك عليها ايها الاخ الرائع
          احييك لانك شغلت فكرك وكتبت عن شيء يبعد عنك اميالا هذا هو الاحساس بالغير
          دمت بخير
          وتقبل مني خالص الود لشخصك الكريم

          تعليق

          • الكلام الهادف
            عضو فعال
            • Apr 2008
            • 650

            #6
            الرد: لاجئ هنا وهناك

            سيدي الوالد الكريم والشاعر الكبير
            أشكر مرورك .. وهو شرف لي ..
            ولك مني أصدق التحايا العطرة ..
            محبك محمد

            تعليق

            • الكلام الهادف
              عضو فعال
              • Apr 2008
              • 650

              #7
              الرد: لاجئ هنا وهناك

              أخي الكريم الشاعر الحر صقر النوايف
              أشكر مرورك الراقي .. ولك مني أبلغ التحايا ..
              صدقت أخي ..
              محبك محمد

              تعليق

              • الكلام الهادف
                عضو فعال
                • Apr 2008
                • 650

                #8
                الرد: لاجئ هنا وهناك

                أخي الحبيب الغالي الشاعر أبو المعالي
                لك مني أصدق التحايا ..
                وأنا معجب سيدي بما تكتب ..
                بل أعجب متأملاً في حسنه .. وأنتفع من معانيه ورسمه ..
                وكان الله لكم ولنا ..
                محبك محمد

                تعليق

                • ام لجين
                  عضو متألق
                  • May 2008
                  • 2486

                  #9
                  الرد: لاجئ هنا وهناك

                  أستاذي الفاضل الكلام الهادف
                  إن التعليق على ابداعك يحتاج لناقد قديرفد
                  وبماأني لست كذلك فإني أكتفي بشكرك والدعاء لك
                  سعدت بقراءة رائعتك
                  دمت مبدعا

                  تعليق

                  • أسيرالأدب
                    عضو فعال
                    • May 2008
                    • 51

                    #10
                    الرد: لاجئ هنا وهناك

                    إليك محمد
                    وصف دقيق .. وأسلوب بارع في رسم الحقيقة..
                    أسلوبك سيدي هذه المرة جذبني للظهور ثانية ..
                    لا تنسى أهل مكة بشعابها أدرى ...
                    أسير الأدب

                    تعليق

                    • بنت اسكندرية
                      عضو متألق
                      • May 2008
                      • 3909

                      #11
                      الرد: لاجئ هنا وهناك

                      ماذا اقول وقد سبقنى اخوانى واخواتى

                      بابرع الكلمات التى كنت اتمنى التعبير بها واكثر

                      اكرمك الله واعزك ووفقك الى ما يحبة ويرضاة


                      تعليق

                      • الكلام الهادف
                        عضو فعال
                        • Apr 2008
                        • 650

                        #12
                        الرد: لاجئ هنا وهناك

                        أختي الفاضلة الأديبة خنساء
                        أشكر مرورك الرائع .. وكلماتك المشجعة ..
                        وإنما الإنسان بإخوانه يكون.. فلك شكري وامتناني..
                        والسلام..
                        أخوك محمد

                        تعليق

                        • الكلام الهادف
                          عضو فعال
                          • Apr 2008
                          • 650

                          #13
                          الرد: لاجئ هنا وهناك

                          سيدي الأديب الحبيب الغائب الحاضر أسير الأدب
                          أشكر مرورك الراقي .. وكلماتك الرائعة..
                          وصدقت سيدي .. فأنتم أدرى وأعرف..
                          أخي الحبيب كم أفتقدناكم .. فلا تحرمنا منكم ..
                          ودام الحب والود بيننا..
                          والسلام
                          محبك محمد

                          تعليق

                          • الكلام الهادف
                            عضو فعال
                            • Apr 2008
                            • 650

                            #14
                            الرد: لاجئ هنا وهناك

                            الأخت الكريمة الفاضلة بنت الاسكندرية
                            أشكر مرورك الراقي .. وكلماتك الرائعة .. وتشجعيك الجم..
                            ولك مني أبلغ التحايا ..
                            والسلام
                            أخوك محمد

                            تعليق

                            • فراشة شمس
                              عضو متألق
                              • Jan 2007
                              • 2360

                              #15
                              الرد: لاجئ هنا وهناك

                              سلمت يمناك اخي محمد على ماقدمت من جميل الكلام المختصر والذي يحمل في طياتة الكثير

                              لمن اراد ان يتمعن ويفهم .................!!!

                              دمت بحب وود

                              مع اطيب المنى
                              ...:::أصـــــــدق حـزن........ابتســـامه فـــــــــــى عيــن دامعــــة:::.....

                              تعليق

                              • السـراب
                                عضو متميز
                                • Feb 2008
                                • 2705

                                #16
                                الرد: لاجئ هنا وهناك

                                اخي الدكتور محمد

                                يسلمو على هالقصة الجميلة

                                وصحيح اخي، مهما فارق الانسان بلده فتظل عزيزة على قلبه، وليس هناك ما يخجل طالما انه يقتاد من عرق جبينه..

                                دمت اخي بود،،،

                                اخوك/ الســ وحيد ــراب

                                تعليق

                                • الكلام الهادف
                                  عضو فعال
                                  • Apr 2008
                                  • 650

                                  #17
                                  الرد: لاجئ هنا وهناك

                                  أختي الفاضلة الكريمة فراشة شمس
                                  أشكر مرورك الراقي ... وكلماتك الرائعة ..
                                  ولك أبلغ التحايا .. وأخلص الدعاء..
                                  أخوك محمد

                                  تعليق

                                  • الكلام الهادف
                                    عضو فعال
                                    • Apr 2008
                                    • 650

                                    #18
                                    الرد: لاجئ هنا وهناك

                                    أخي الكريم الشاعر الحبيب وحيد (السراب)
                                    أشكر مرورك الراقي وكلماتك الرائعة.
                                    ولك التحية العطرة .. والشوق الصادق..
                                    وسامحني عن التغيب فقد كنت في المدينة النبوية على صاحبها أفضل الصلاة وأتم التسليم..
                                    والسلام
                                    محبك محمد

                                    تعليق

                                    مواضيع مرتبطة

                                    Collapse

                                    جاري العمل...