لاجئ هنا وهناك
كل شيء تغير أمام ناظريه، وفي دواخله، فمنذ أيام أعلنت مفوضية اللاجئين العودة الطوعية – كما يسمونها – للاجئين، وأصبح عليهم العودة إلى ارتريا.
لم يكن إدريس – ذلك الشاب الصغير – بالذي يعي معنى العودة، فهو من مواليد كسلا، فيها ولد ونشأ وترعرع . واليوم وبعد تسع عشرة سنة يترك الأرض التي يعرفها، ملئ عينيه مما حوله من المناظر، وأخذ يعيد شريط الذكريات..
مر على خاطره طفولته الأولى، عندما كان طفلاً يلعب في طرقات كسلا مع صديقه أحمد الذي لا يفارق مخيلته، أحبا بعضهما أشد ما يحب صاحب صاحبه، لم يكن يرى فرقاً بينهما، تذكر حين كانا صبيان يلعبان بالطين عند نزول الأمطار، ويتقاذفان به، وعندما كانا في الخلوة يمسكان الألواح، ويرددان آيات القرآن بنغمة تتناسق مع حركة أجسامهما، وتذكر جلوسهما على المنضدة الصغيرة في فصول الدراسة الأولية، صور الطفولة تمر على ذاكرته، صور حلوة بريئة لا تعرف التزوير، إنها أبجديات الحياة.
فراق الأرض التي يعرفها ذكره بفراق صديقه الذي أحبه، ياله من يوم لا يُنسى، يومها جاء أحمد بوجه ليس بوجه الطفل الصادق، وتحدث بلسان ليس بلسان الفطرة الصافية، جاء يحمل رأي غيره، طلب منه أن لا يسير معه؛ لأن والده أمره بذلك. نظر إليه إدريس نظرة استغراب وقال: لماذا؟! هل حدث مني شيء؟ تحير أحمد في الجواب، ووضع عيناه في الأرض، ولم يزد على قوله: والدي قال: إنك من اللاجئين، أليس كذلك؟ قال إدريس بصوت تصحبه الحيرة: نعم أنا لأجي، وأهلي من إرتريا، والحرب ألجئت والدي إلى السودان، وماذا في ذلك؟! أطرق أحمد رأسه وسار، ومنذ ذلك اليوم تفارقا.
لم يفهم عقله الصغير يومها شيئاً، إلا أنه أحس بضعف نفسه، عاد إلى منزله بحركة يائس، ارتمى على فراشه، مازال يرن في أذنيه صوت والدته تناديه من أجل العشاء، رفع صوته: لا أريد، أنا شبعان. أسرعت أمه إليه، وضعت يدها على جبهته لتتأكد من حرارة جسمه، سألته: هل تحس بألم يا بني؟ أجابها بالنفي.
استطاعت أمه أن تعرف منه كل شيء، كان إدريس يومها يجهش بالبكاء، كما تدمع عيناه اليوم ويحترق قلبه، أخبرته أمه بالظروف التي مرت بهم بالقتل والتعذيب والاضطهاد، أخبرته بهجرتهم الاضطرارية، ذكرت له أن الهجرة ليست عيباً، بل شرفاً فيه معنى الإتباع، فالرسول صلى الله عليه وسلم هاجر من بلده مكة إلى المدينة، حكت له يومها كيف استقبل الأنصار الرسول الكريم بترانيم الترحاب، وأعلمته أن صديقه أحمد ليس من كسلا، بل مهاجراً لها من الشمال، وأنشدت له بصوتها العذب ويدها تداعب خصال شعره:
طلع البدر علينا من ثنيات الوداع
كم كان فراق أحمد صعباً عليه، ولكنه علم فيما بعد أن الزمن كان جديراً بأن يفرق بينهما، أحمد اليوم طالب جامعي، وهو مجرد عامل، لم يستطع أن يواصل دراسته الأولية؛ فظروف أسرته الصعبة أجبرته على طلب القوت والمعاش.
ما زال يتعجب من كلمات أمه التي كانت بلسماً لقلبه الصغير، فهو يعرف أن أمه أمية لا تقرأ ولا تكتب؛ فمن أين لها ذلك الكلام؟! لقد استطاعت أمه أن تزيل كثيراً من أحزانه، لكنها لم تستطع أن تخرج من قلبه وقع كلمة لاجئ، ولذلك كان يتحاشى ذكر وطنه الأصلي عندما يُسأل عن وطنه، ويكتفي بالانتساب إلى كسلا، فكثير من الناس اليوم يرى أن كلمة لاجئ تنتسب إلى قاموس الشتائم، فالانتساب لشرف الهجرة يكون في مجتمع الأنصار، ثم لماذا لا يصح له وهو ابن الشرق القريب أن ينتسب لكسلا، بينما ينتسب لها ابن الشمال؟!
مل الانتظار فالسيارات التي ستقلهم لم تصل بعد، سار ببطء إلى المقبرة المجاورة، وقف على قبرها، ذرفت عيناه دموعاً حارة سقت تلك التربة الطاهرة، ما زال يذكر جدته فاطمة رحمها الله، كانت تحكي له دائماً عن بطولات أهله وشرفهم، وعن جده الأول الذي قدم من جزيرة العرب، حكت له عن الفروسية، عن الكرم، حدثته عن الأرض، كانت تزرع في قلبه بذور الخير، جعلته يحب وطنه، ما زال عبق رائحة البن المحمص والبخور في أنفاسه، مع كل صباح ومساء، ومع كل فنجان قهوة كانت ترفع يديها داعية أن يكتب الله لها الموت في وطنها، لا في بلد الغربة، ولكنها الأقدار والآجال، يا ترى أما زالت جدته تحس بالغربة في قبرها؟ هكذا تسآءل، استغفر الله، ورفع يديه يدعو لها بالرحمة.
السيارات المعدة لنقل اللاجئين وصلت، الأمتعة نُقلت إلى سيارات النقل بأرقام معينة، بينما ركب العائدون في باصات (النيسان)، بعد أن ذاقوا مرارة النسيان، نظر إلى والده يودع جيرانه متجلداً، بينما رأى والدته تبكي، أما مشاعره هو فتردد، ما زال يتذكر كلام جدته في وصف وطنها، وكلام أمه في وصف الحرب التي أخرجت أهله، شوق وخوف، إقبال وإدبار.
وسارت قافلة العودة، التي لم يعرف معناها، جبال التاكا[1] تسير معه، لا تريد فراقه، يراها عن بُعد، شريط الذكريات يعاوده، شيئاً فشيئاً تتلاشى صورة الجبال، حاول أن ينسى كل ما تركه خلف ظهره، لكنه لم يستطع، فكل شيء يذكره بما تركه.
وهناك حيث تقع الحدود المزعومة، المرسومة في الخرائط، تُبصر مهزلة الزمان، رفع صوته قائلاً: أعلى هذه تقع الحروب؟! لم يرد عليه أحد ممن معه، فكلهم غارقٌ في خواطره.
وصل إدريس إلى حيث أُريد له ، لم يرَ فرقاً، السماء هي السماء، والأرض هي الأرض، الجبال تحاكي التاكا أو يحاكيها، حتى صورة المعسكر لم تتغير، معاني الغربة تلوح من جديد، أيكون لاجئاً هنا كما كان هناك؟! إذاً فأين وطنه الذي عاد إليه؟!
[1] _ جبال في كسلا، لها منظر خلاب رائع.







...



تعليق