حقيقة الأدب
لم أكن أحب الشعر ولا النثر ولا الأدب .. ولكني عرفتُ الشعر من إنشاد العم حيدر .. ذلك الإنشاد الجميل الذي يُهيج النفس .. كان إنشاده بالفارسية .. لم أكن أفهم ما يقول .. لكنه كان يطربني طرباً عجيباً كأنني كنت أعرف معناه .. ومع ذلك لا أستطيع أن أعبر عن ذلك المعنى .. عرفتُ حينئذٍ أن الشعر هو وليد المشاعر .. والنثر هو المشاعر التي لا تنثر .. المشاعر المدفونة المخفية .. التي لم تولد بعد .. وحتى عند ولادتها تموت ..
كلماتنا بالحب تقتل حبنا إن الكلام يموت حين يُقال
عرفت أن الأدب هو تعبير يُحدِثُ تغييراً .. هو التعبير الذي يُغير مشاعر السامع .. يُهيجها فتطرب وقت الطرب .. وتحزن وقت الحزن .. وتضحك وقت الضحك ..
هذه معاني عرفتها من إنشاد العم حيدر .. عرفتها من اهتزازات جسده .. من نبرة صوته..
دخلتُ عليه مرة وهو ينشد نشيداً جميلاً بالفارسية .. وقفتُ استمع له .. أحسستُ أني في دوَّامة من الريح نخوض بي الدنيا .. الدنيا التي عرفها هو .. لقد عشتُ ما عاشه .. وذقتُ ما ذاقه .. فسرعان ما استمطرت كلماته عيني .. كما شغلت قلبي قبل ذلك ..
وعندما انتهى من إنشاده سألته عن المعنى .. نظر إليّ وقال: يابني أنت تعرف المعنى.. ولكن تسألني عن اللفظ .. ازددتُ حينذاك يقيناً بحكمته .. طلبتُ منه أن يعيد إنشاده .. فرجّعها بصوته الجميل كقيثارة قديمة تنوح على ماضيها ..
نظرتُ إليه وقلت له: يا عم حيدر أنت أديب .. علمني كيف أكون مثلك؟
قال: أنا لستُ بشاعر فلستُ أعرف ما هو الشعر أصلاً ...
لكني أعرف أن الإنسان إذا جعل لسانه آلة قلبه عبر لسانه بموسيقى رائعة يسميها الناس شعراً وغناءً وأدباً .. وأسميها أحزاناً وألماً ..
إن القلب المجروح يضخُّ الدم المشوب بالأحزان .. وهي عبق الحياة المتجدد .. نعم لولا الأحزان ما تكلمت أفواه الشعراء .. ولا سطرت أقلامهم .. ولما تألمت قلوبهم وتقرحت عيونهم قبل ذلك .. لولا الأحزان ما عرف المرء الفرحة .. ولا عرف الراحة .. وهل تُعرف اللذة إلا عند فقدها .. يا بني تحدث عما في نفسك من مشاعر وحقائق حينئذٍ تُسمى أديباً وشاعراً..
قلتُ له: يا عم حيدر حدثتني عن الحزن وجعلته أدباً ؟ وأنا لم أجرب ما جربته فكيف أعبر عنه؟
يا بني اكتب عن واقعك .. تكلم عن المعاني .. عن الجمال .. الجمال كلمة وسعت معاني وألفاظ .. لعظمتها لم تسعها قلوب الناس .. فأخذوا ببعض معانيها وتركوا الكثير.. الجمال هو مرآة النفس الصافية..
يا بني يزعم الأدباء أن الخيال هو قالب الحقيقة .. وأنه لولا الخيال لما أثر الأدب في الناس .. وهذا زعم باطل .. الحقيقة يابني هي المؤثرة .. هي نور تعرفه الفطرة .. فتنقاد النفوس لذلك النور .. لأنها تعرف أنه خرج من قلب عشق فَتَغزَّل .. أو فارَقَ فَرَثَى .. أو أُعجِبَ فَمَدَحَ .. أو كَرِهَ فَهَجَا .. وهذا كله ثمرة الحقيقة .. أما الخيال فهو سعةٌ مع ضيق .. وأماني بلا ظلال..
هذا هو الأدب عندي .. أن تؤدب نفسك أولاً فلا تقول إلا الصدق والواقع وحينئذٍ أُسميك أديباً .. هذا ما أراه يا ولدي.
نظرت إليه وقلت: يا عم حيدر من أين لك هذا الكلام؟
قال: لقد أعجبك لأنه صدق .. كم من كُتبٍ ألفت في الأدب لا تؤثر في قرائها ولا سامعيها مع أن أربابها يتكلفون من الأساليب ما يجعل الحليم محتاراً .. وكم من ركيك اللفظ مع صدق المعنى يهز المشاعر .. فتُذْرَفُ الدموع .. ويتوجع القلب..
يا بني هذه حقيقة الأدب .. الأدب الذي عرفته أنا .. أخبرتك به لأنك سألتني عنه .. ولولا ذلك ما أخبرتك .. ثم عاد من جديد ينشد بصوته الجميل تلك الكلمات المعبرة التي تهز القلوب هزاً ..








تعليق