لذة الموت
(كل بداية .. لا بد لها من نهاية) .. قالها العم حيدر .. وهو متمعن في تلك الشجرة التي يبست أغصانها .. وذبلت أوراقها .. وجرى الموت فيها مجرى الحياة .. فأحالها من نضارة وبهاء .. وزهو وجمال .. إلى منظر مهان وعرش خاوي.
حسبتُ حزن العم حيدر على جهدٍ بذله في سُقيا وتهذيب .. ولكنه كان يفكر في الموت .. ذلك الاسم الذي يرهب ذكره .. يفرق الأحبة .. ويقتل الأمل .. يحزن النفوس .. ويجري المآقي .. يوقظ الغافل حين لا ينفع الإيقاظ .. مصيبةٌ تهون عندها المصائب .. وفراقٌ يلذ عنده كل فراق.
سيل خواطري المتدفق يقطعه صوت العم حيدر وهو يتأوه ويقول : يا بني إن للجمال عقوبة .. فالوردة الجميلة المزهرة أول وردة تقطف لتموت .
قلت له : ألا تخاف الموت؟.
ضحك ضحكة المتعجب ثم قال : في زمني الأول عندما كانت الحياة مقبلة علي .. والآمال تحدو بي .. كنت أخافه .. لأني كنت أرى فيه موت الأمل .. وانتهاء الحياة .. أما اليوم وقد عشتُ حتى سئمت .. ووجدت كل ما تمنيت .. أصبح الموت عندي نهاية لا بد منها.. كنا في صغرنا نؤمل أن نكبر ونصبح رجالاً .. وهكذا ينقلنا الأمل من هدف إلى آخر .. حتى يصبح الموت هو الغائب المنتظر .. والقريب البعيد .. والمرجو المخاف ..
أصبحت اليوم أشتاق للموت لأنه نعمة ورحمة .. ولولا أن كتبه الله علينا لتمنيناه .. لأن حياتنا على ظهر البسيطة ليست داراً تستحق الخلود ..
يا بني كل شيء في الحياة يحكي قصة الموت .. اخضرار الأوراق وبهائها إيذان باصفرارها وسقوطها .. وكل عزة حال فيها يحكي زوالاً مرتقباً .. فهذه الشمس تكرر الحكاية .. ألا تراها إذا توسطت كبد السماء زالت .. ولكن تبلد الحس فلا نفقه المواعظ الحية فينا..
أينما تكونوا يدرككم الموت
.. ثم دمعت عيناه وقال: لـولا بناتي وسيئاتي ... لكنتُ مشتاقاً ليوم مماتي
نعم فلولا خطايا جنتها جوارحي .. وبنت لي تحتاج إلى العطف والرحمة لعجلتُ إليك ربي لترضى.
ثم رفع بصره إلى السماء يلهث بالثناء والدعاء .. سبحانك يا رحيم .. اللهم كما رحمت يتمي فأرحم ضعفي .. وكما يسرت حياتي فيسر مماتي .. ثم أخذته رعدة الخائف .. تركته يتأمل ..
وحال بيننا بُعدُ المكان .. وطول العهد ..
وفي ضحى أحد الأيام .. وبينما العم حيدر يصنع زاده .. نظر إلى بصلة أمامه .. فتذكر بها نفسه .. وهل أحقر من بصل عند طباخين ؟ ومع ذلك لا غنى لهم عنها .. وكذلك هو .. يعيش وحيداً لا يعرف الناس قدره .. قطع خواطره .. وأخذ السكين ليقطع بصلته .. ولكن كان الموت أسرع فقطع أنفاسه ..
الموت نقادٌ على كفه ... دراهم يختار منها الجياد.










تعليق