من معاني الغروب
كما أن لحظات الشروق جميلة فكذلك لحظات الغروب .. إلا أن اللحظات الأولى يصحبها الأمل والتخطيط ... واللحظات الأخرى يصحبها المحاسبة والندم وشيءٌ من اليأس .. فالشروق لحظات تبث نسائم المستقبل .. والغروب لحظات تبعث ذكريات الماضي.
ما أسرع ما يقضي الغروب على الحياة .. فيكتسي الكون بثوبه الأسود كأن تلك الليلة تندب يومها الماضي.
في تلك الأثناء يتهرب العم حيدر من التأمل لأنه يخاف من أن يُنكى جروحاً لا طاقة له بعذابها .. جئت له في تلك الأثناء؛ وقلت له: حدثني عن الغروب؟ كان مطرق الرأس .. لم يرفع رأسه عند سماع سؤالي، ولكنه قال: الغروب هو الانتهاء .. هو الفراق .. هو الوداع .. وهذه المعاني يصحبها
أثر ظاهر .. ألا ترى ما يصحب الغروب من حمرة الشفق .. والحمرة عذاب .. ألا ترى ما يصحب الغروب من ترانيم الموت .. نعم إنه موت يوم وانقضاء عهد .. فكم من أعمار ختمها غروب .. وكم من دول أسقطها غروب .. وكم من صداقة ومحبة أذهبها غروب..
الغروب يا بني موت الأمل .. والأمل هو الحياة .. ثم سكت .. نظرت إليه وقلت: بماذا يذكرك الغروب؟ فأخذته رجفة عجيبة ظننت أنها خروج روحه .. ثم قال: يذكرني بحياة انتهت .. بسعادة ولذة انقضت .. يذكرني بأيام مضت .. ولكن آلامها بقت.
يذكرني الغروب بصديق كنتُ أعز ما أملكه .. أصارع به الحياة فهو سلاحي في معتركها .. كان رفيقي الذي لا أفارقه إلا وتمنيت لقاءه .. وأظنه كان كذلك .. ثم جاء الغروب .. جاء زمنه .. فأغرب بوجهه عني فتغيرت بسمته إلى عبوس .. تغير باطنه فتغير على أثره ظاهره .. لقد كان الغروب تعساً ومراً .. ثم سكت.
سألته قائلاً: يا عم حيدر ما هي أسباب ذلك الفراق؟
نظر إليَّ بعينه التي لم يبق منها إلا اسمها؛ وقال: الوشاة .. الوشاة كثير .. أولئك الذين لا يعجبهم أن تبقى الصداقة المخلصة تُحلق رايتها .. فما يزالون يثيرون الشبهة والشكوك حتى يحدث الغروب .. فتغرب النفوس أولاً من جرّاء تلك الريح المهلكة التي تنبعث من قلوبهم النجسة المريضة .. ثم تغرب الأجساد تبعاً للنفوس تنقاد حيث تُقاد.
وكذلك الميل .. فالنفس جُبلت على أنها تميل عن من قرب.. وتطلب من بَعُد .. فلذلك أحب العاشقون من بَعُد عنهم .. وأشد البُعد بُعد النفوس مع قرب الأجساد .. ألم تسمع قائلهم وهو يتعذب ويقول:
وأشد ما ألفيت من ألم الجوى
قرب الحبيب وما إليه وصولُ
كالعيس في البيداء يقتلها الظمأ
والماء فوق ظهورها محمولُ
قرب الحبيب وما إليه وصولُ
كالعيس في البيداء يقتلها الظمأ
والماء فوق ظهورها محمولُ
ثم سكت.
فسألته: وما صفات الصديق الوفي؟
قال: هو الذي يرافقك في عسرك قبل يسرك .. وفي تعبك قبل راحتك .. وهو الذي تدمع عيناه لحزنك قبل أن تبكي أنت .. وتعلو الفرحة وجهه قبل أن تضحك أنت .. الصديق هو الذي لا يسألك عما أخذته ولا لما أخذته .. هو الذي يقاسمك همومك .. ولا يُخفي شيئاً عنك .. يُقدرك في حضورك .. ويذب عن عرضك في غيابك .. يُضحي بماله ونفسه من أجلك .. هذا هو الصديق الرضي والخل الوفي.
ثم سكت هنيهة وقال: لعلك تسأل ما الفرق بين الصديق والحبيب؟
الصديق هو رفيقك الذي يسير معك .. وقد يكون ذلك في حب أو لا .. عن مصلحة أو توافق درس .. أو هدف معين .. أو حتى خُلقٍ كان حسناً أو سيئاً .. أو مبدءٍ كان صواباً أو خطأً.
أما الحبُّ فقد يكون من طرف أومن طرفين .. فلا يشترط فيه الرفقة .. فقد يحب الإنسان من لا يحبه .. أو من لا يعلم بحبه .. وقد يحب من لم يره .. أو من مرة واحدة .. هذا هو الفرق .. وما أحلى الحياة برفقة صديقٍ محب ..
نظرت إليه؛ وقلت له: يا عم حيدر ما هي الصداقة الواهية؟ قال: هي التي تقوم على مصلحة سواء كان مالاً سرعان ما يفنى .. فيفنى كل شيء بعده .. أو أي غرض دنيوي .. فكم من صديق غاب وقت الضيق .. وهذا صديق المصلحة .. وهذه الصداقة أوهى من بيت العنكبوت.
قلت له : وما هو أسو صديق؟ قال: الصديق الذي يتكلف في صداقته هذا أسوأ صديق .. يغرك ظاهره وتقهرك حقيقته... لذلك قال الشاعر الحكيم:
إذا كان المرءُ لا يرعاك إلا تكلفاً
فدعه ولا تكثر عليه التأسفا
ففي الناس أبدالٌ وفي الترك راحةٌ
وفي القلب صبرٌ للحبيب وإن جفا
فدعه ولا تكثر عليه التأسفا
ففي الناس أبدالٌ وفي الترك راحةٌ
وفي القلب صبرٌ للحبيب وإن جفا
وأخذ يردد الأبيات ويبكي ..
تركته حتى سكن ثم قال لي: لا تقلق لقد حان وقت الصفاء .. إنها صلاة المغرب التي لولاها لمت .. إنها ساعات الصفاء .. ولحظات المناجاة .. ثم انتصب العم حيدر في عبادة ربه.











تعليق