هذي أول مشاركة لي....
أتمنى نقدها قبل مدحها....
وليكن النقد بناء...
قصة.
(شـعور الأمـاكن)
لقد داعبني الهواء عندما وضعت رجلي على أول درجة من سلم الطائرة, وكان يزداد كلما صعدت أكثر..
كانت برأيي حينئذٍ تمثل نهاية مقطوعة موسيقية تصنّفت
ضمن المأسويات الحياتية أو غبار الأيام الأسود أو بما شئت أن أسميه..
وكان الموقف أشبه برحيل العشيق لعشيقته ليلاً غاضباً وهي تريد إرضاءه... لكن طباعها ولأكن أكثر واقعية....
(تعيــســـــــــة)!...
التفت لأرمق مدينتي نظرة الانتصار,الأخيرة...
شاهدت لونها الرمادي الشاحب ورياحها البطيئة الغبية..
وهي تحمل الأوساخ من مكان لتلقيه في مكان آخر, وقد أشفقت عليها...
شددت على عروة حقيبتي ومن ثم دخلت الطائرة بعدما أعطيت الرجل الواقف على الباب ورقة سماحي لدخول الطائرة.
جلست على مقعدي, وكنت مستاءً بموقعه في المنتصف.
على يميني رجل وهو يبدو أنه من شرق آسيا, وعلى يساري امرأة لا أقدر أن أخمن من أين هي..
أزعجني الرجل وهو يسألني كثيراً عن نفسي محاولاً طرد نفسه من ثرثرة المضيفة التي تشرح طرق السلامة..
وأزعجتني المرأة أيضاً بكثرة مضغها للعلكة, وكثرة حركتها.
بعدما هدأت الأمور في الطائرة، ونام الرجل الذي بجانبي، والمرأة تطالع التلفاز، أخذت المجلة الخاصة بالطائرة، ورأيت مبيعاتهم،... يالهذه الأسعار الباهظة... لماذا هذا الغلاء؟!...
إنها نفس الأشياء التي ألقاها خارج الطائرة، هذا ما أسميه عجائب الدنيا السبعة أو قد تكون العشر أو المئة،لا يهم،
فالناس يشترون الأشياء من الطائرة بثمن غال ولا يشترونها من المحلات بثمنها الأصلي، فقط لأنها من الطائرة!
لا أدري ماذا أفعل الآن بعد أن رميت المجلة غاضباً بجانبي،
خاصةً وأن الرجل الذي بيميني يشخر كثيراً وبصوت عالي، فهو مزعج صاحياً كان أم نائماً...
وأخيراً... انتهت الرحلة، استغرقت ثلاثة ساعات، وكأها ثلاثة أيام... دخلت المطار، كان كبيراً للغاية وفيه أناس كثر وتحركاتهم كثيرة...
لقد كان موقفاً جديداً لي، فبعد ملاحظتي أن أغلب الأشخاص في المطار يرتدون النظارات السوداء الداكنة بأشكال مختلفة، لاحظت أيضاً أنهم لا يعيرونني انتباهاً بعيونهم, فكل واحد في شأن، لا شيء يلاحقني،لا عيون ولا أرجل ولا أصوات، وهذا ما أريده حقاً... إنها المتعة بالنسبة إلي، تفعل ما تشاء دون أن يعيرك أي أحد انتباه...
هذه بداية صفحة جديدة في حياتي، مختلفة كثيراً عن الماضي، أو هذا ما أملته.
استأجرت شقة بسرعة كبيرة وتعرفت على المنطقة التي سوف أعيش فيها بسرعة أيضاً، ونظمت أموري استعداداً لبدء حياتي من جديد يوم غد!...
فتحت خزانتي، ولبست القميص ذو الألوان العديدة، وسروالي الأزرق، وخرجت لأبحث عن أصدقاء...
لم أفكر في يوم بأن الأصدقاء يبحث عنهم، وإنما القدر هو من يجمع الأصدقاء... هذا إيماني...
لكني أريد تغيير حياتي... لذلك أقوم بكل ما هو جديد...
دخلت المطعم وجدت عيونٌ كثيرة تجلس وحيدة... لست ممن يدعون قراءة العيون، لكنني سوف أختار عينان جريئتان...
بحثت كثيراً بين تلك العيون، لكني لم أجد مبتغاي...
بحثت في أماكن عدة... لم أجد شيئاً، فرجعت اليوم الأول خائباً،...
لكنني لم أيأس فبحثت كثيراً حتى وجدت عينان مختلفتان تقفان فوق ذلك الجسر الذي فوق النهر...
اقتربت من صاحب العيان شيئاً فشيئاً حتى وصلت عنده...
قلت: مرحباً
قال: مراحب...
(برأيي، هذا رد تعيس... لكن لنكمل...)...
قلت: أرى نظاراتك على رأسك وليست على عيناك،ففكرت وبحسب انطباعاتي... أنه... أنه ربما يمكن أن يكون في مكانك شيء مختلف...
قال: أقلت في مكانك؟...
قلت: بحسب انطباعاتي عن الأماكن، فهي تؤثر على صاحبها كثيراً...
قال: تؤثر؟...
قلت: إنها... اعتقد... تجعله يشبهها كثيراً... هذا بحسب انطباعاتي...
قال: انطباعاتك؟... الأ تراني مشغول؟
قلت وبحيرة: مشغول؟... أنا أراك واقف تنظر لمياه النهر ولم تحرك ساكن منذ أن رأيتك من بعيد...
( ما أغباني... قلت له إني رأيته من بعيد...)
قال: لا أحب رجال الاستخبارات وواضح أنك منهم...
قلت: لا... إني ( فقاطعني ببرود...) : دعني وشأني... وأغرب عن وجهي...
لقد أصبت بخيبة أمل... يبدو أن الناس هنا مهمومين كثيراً... وليس في بلدي فقط... لا بأس إنها أول محاولة...
في الحقيقة هناك بأس... لأن المحاولات كانت مماثلة،
فشعرت ببرودة المكان الذي أنا فيه...
رابطت في شقتي ثلاثة أيام... لا أخرج ولا ألهو، ولا أفعل شيئاً وإنما أطلب المأكولات والمشروبات بالهاتف وأشاهد التلفاز وبرامجه الكئيبة...
ماهذا الملل الفظيع...
قررت تغيير هذا الروتين، ففتحت خزانتي وأخذت القميص الأسود... لم أستطع أن ألبس شيء ملون... أولم أرغب في ذلك...
ذهبت للمقهى الذي في الزاوية في المبنى المقابل، وطلبت القهوة وحجزت طاولتي خارج المحل أنتظر القهوة...
بعدها سمعت صوتاً من الشرفة في الأعلى... إنه صوت الكمان، إنها آلتي المفضلة...
كانت تشدو بألحان حزينة,تشنجت على الكرسي وثبّتُّ نظراتي... أسمع الألحان وكأنها أنا.. ألحان حزينة تريد البكاء، لكنها لا تستطيع... نظرت إلى ملابسي فشعرت بالتكافل معها، فهي بلونها الأسود تعرّفني بنفسي، وأنا بشعوري الكئيب أحسسهما بدفئي...
أصبحت كل يوم أذهب إلى هذا المقهى وأطلب القهوة التي تبرد دون أن أشربها... أذهب فقط لأسمع ذلك الكمان الحزين...
وكل يوم ألبس الأسود... أغير في ملابسي لكنها تبقى سوداء..
أصبحت ألبس النظارات السوداء الداكنة... وأصبحت لا أعير الناس أي انتباه، لاحظت أنني أصبحت منهم خاصةً بعد مرور أربعين يوماً...
كنت أحاول جاهداً أن أنزل دموعي مع الموسيقى الحزينة...
لكن دموعي جامدة طالما هي داخل هذا الجسد البارد...
رأيت أنني لست الوحيد الذي يقصد المقهى لسماع الكمان وأنينه...أناس كثر يلبسون الأسود ونظاراتهم الداكنة يأتون في ذلك الموعد...
لقد فكرت في مشاكلهم وخمنت ماهي مشكلة كل واحد منهم... فتلك العجوز الثرية، التي تلبس الحلي الكثير ومعطفها الأسود ذو الفرو الكثيف، يبدو أن أولادها ابتعدوا عنها وهي ليست سعيدة حتى لو كانت ثرية...
وهذا الرجل الضخم يبدو أنه طرد من عمله وقد أفلس وتركه الناس بسبب ذلك،.. وهذه المرأة الحسناء مع ابنها ذا العينان البريئتان، يبدو أنها تعرضت لخيانة زوجها...
لقد خمنت مشاكلهم لكني لم أستطع تخمين مشكلتي...
هل هي في الحرب التي تغزو مدينتي؟...
أم هي في وحدتي بين أب وأم منفصلين كل منهما بعيد عن الأخر؟...
أم هي الأموال الطائلة التي أملكها دون عمل يذكر؟... اكتشفت الآن كم هي هذه المدينة تعيسة، فتغير لونها فأصبحت رمادية...
وضعت يدي على صدري لأعد كم عدد نبضات قلبي...
لم أشعر بشيء، وفكرت أنني... ربما أني ميت في الحياة... لا أقدر أن أغير حياتي حتى لو لبست كل الألوان لن تغير شيء..
ولن تتغير حياتي بتغير مكاني، كانت انطباعاتي خاطئة عندما شعرت أن المكان يختلف، وبإختلافه يؤثر على صاحبه...
أصبحت قناعتي أن صاحب المكان هو من يؤثر على المكان ويجعله مختلفاً،لأن كل الأماكن متشابهه...
متشابهة في القلوب السعيدة أو التعيسة... متشابهة في المقاهي التي يقصدها الناس لسماع الألحان الحزينة...
متشابهة في ألوانها الرمادية...ومتشابهة في رياحها الغبية.. تخلصت من نظارتي السوداء...وكان هذا مهماً بالنسبة لي...
جمعت ملابسي في الحقيبة وجمعت الأشياء الأخرى استعداداً
للرحيل... أو للعودة...
ركبت الطائرة، و تفاجأت أنه نفس المكان... ونفس الأشخاص الذين كانوا بجانبي، ونفس ثرثرة تلك المضيفة، وهذه المرة لم أنزعج من أسئلة ذلك الرجل أو تشخيره... ولم تزعجني المرأة بمضغها المستمر للعلكة، ولم أعد أهتم بمبيعات الطائرة...
وذلك بسبب الكمان لحزين..لقد حاول أن يبكي لكنه لم يستطع... أحسست بأنه أرسل لي إشارات أفهمها أنا فقط... أوصاني بالبكاء عنه إذا مات... فأخذت الوصية بمحمل الجد...
مرت الثلاث ساعات بنفس ثقلها وكأنها ثلاثة أيام..
اصطف الطابور خلف الباب لينزل إلى المدينة...
وقفت عند الباب، كنت آخر شخص في الصف القصير...
رجعت إلى المدينة القديمة... عندما نظرت إليها، شعرت بعينها تنظر إلى نظرة الانتصار... وكانت رياحها ساكنة...
خرجت من المطار وأنا أنظر إلى الأسفل، وأسمع أصوات الغربان... التفت وجدت ذلك البستان, فدخلته.... فغمرني ذلك النسيم العليل برياحين الورود والزهور... وأغمضت عيناي، ثم تقدمت أكثر حتى وسط البستان...فوقفت هناك، ثم انحنيت لأمسك الوردة وأشمها... فقدمتها الرياح إلي
فقلت: هذه المدينة ترحب بي... ثم أخذت بالبكاء...
النهاية...
أتمنى نقدها قبل مدحها....
وليكن النقد بناء...
قصة.
(شـعور الأمـاكن)
لقد داعبني الهواء عندما وضعت رجلي على أول درجة من سلم الطائرة, وكان يزداد كلما صعدت أكثر..
كانت برأيي حينئذٍ تمثل نهاية مقطوعة موسيقية تصنّفت
ضمن المأسويات الحياتية أو غبار الأيام الأسود أو بما شئت أن أسميه..
وكان الموقف أشبه برحيل العشيق لعشيقته ليلاً غاضباً وهي تريد إرضاءه... لكن طباعها ولأكن أكثر واقعية....
(تعيــســـــــــة)!...
التفت لأرمق مدينتي نظرة الانتصار,الأخيرة...
شاهدت لونها الرمادي الشاحب ورياحها البطيئة الغبية..
وهي تحمل الأوساخ من مكان لتلقيه في مكان آخر, وقد أشفقت عليها...
شددت على عروة حقيبتي ومن ثم دخلت الطائرة بعدما أعطيت الرجل الواقف على الباب ورقة سماحي لدخول الطائرة.
جلست على مقعدي, وكنت مستاءً بموقعه في المنتصف.
على يميني رجل وهو يبدو أنه من شرق آسيا, وعلى يساري امرأة لا أقدر أن أخمن من أين هي..
أزعجني الرجل وهو يسألني كثيراً عن نفسي محاولاً طرد نفسه من ثرثرة المضيفة التي تشرح طرق السلامة..
وأزعجتني المرأة أيضاً بكثرة مضغها للعلكة, وكثرة حركتها.
بعدما هدأت الأمور في الطائرة، ونام الرجل الذي بجانبي، والمرأة تطالع التلفاز، أخذت المجلة الخاصة بالطائرة، ورأيت مبيعاتهم،... يالهذه الأسعار الباهظة... لماذا هذا الغلاء؟!...
إنها نفس الأشياء التي ألقاها خارج الطائرة، هذا ما أسميه عجائب الدنيا السبعة أو قد تكون العشر أو المئة،لا يهم،
فالناس يشترون الأشياء من الطائرة بثمن غال ولا يشترونها من المحلات بثمنها الأصلي، فقط لأنها من الطائرة!
لا أدري ماذا أفعل الآن بعد أن رميت المجلة غاضباً بجانبي،
خاصةً وأن الرجل الذي بيميني يشخر كثيراً وبصوت عالي، فهو مزعج صاحياً كان أم نائماً...
وأخيراً... انتهت الرحلة، استغرقت ثلاثة ساعات، وكأها ثلاثة أيام... دخلت المطار، كان كبيراً للغاية وفيه أناس كثر وتحركاتهم كثيرة...
لقد كان موقفاً جديداً لي، فبعد ملاحظتي أن أغلب الأشخاص في المطار يرتدون النظارات السوداء الداكنة بأشكال مختلفة، لاحظت أيضاً أنهم لا يعيرونني انتباهاً بعيونهم, فكل واحد في شأن، لا شيء يلاحقني،لا عيون ولا أرجل ولا أصوات، وهذا ما أريده حقاً... إنها المتعة بالنسبة إلي، تفعل ما تشاء دون أن يعيرك أي أحد انتباه...
هذه بداية صفحة جديدة في حياتي، مختلفة كثيراً عن الماضي، أو هذا ما أملته.
استأجرت شقة بسرعة كبيرة وتعرفت على المنطقة التي سوف أعيش فيها بسرعة أيضاً، ونظمت أموري استعداداً لبدء حياتي من جديد يوم غد!...
فتحت خزانتي، ولبست القميص ذو الألوان العديدة، وسروالي الأزرق، وخرجت لأبحث عن أصدقاء...
لم أفكر في يوم بأن الأصدقاء يبحث عنهم، وإنما القدر هو من يجمع الأصدقاء... هذا إيماني...
لكني أريد تغيير حياتي... لذلك أقوم بكل ما هو جديد...
دخلت المطعم وجدت عيونٌ كثيرة تجلس وحيدة... لست ممن يدعون قراءة العيون، لكنني سوف أختار عينان جريئتان...
بحثت كثيراً بين تلك العيون، لكني لم أجد مبتغاي...
بحثت في أماكن عدة... لم أجد شيئاً، فرجعت اليوم الأول خائباً،...
لكنني لم أيأس فبحثت كثيراً حتى وجدت عينان مختلفتان تقفان فوق ذلك الجسر الذي فوق النهر...
اقتربت من صاحب العيان شيئاً فشيئاً حتى وصلت عنده...
قلت: مرحباً
قال: مراحب...
(برأيي، هذا رد تعيس... لكن لنكمل...)...
قلت: أرى نظاراتك على رأسك وليست على عيناك،ففكرت وبحسب انطباعاتي... أنه... أنه ربما يمكن أن يكون في مكانك شيء مختلف...
قال: أقلت في مكانك؟...
قلت: بحسب انطباعاتي عن الأماكن، فهي تؤثر على صاحبها كثيراً...
قال: تؤثر؟...
قلت: إنها... اعتقد... تجعله يشبهها كثيراً... هذا بحسب انطباعاتي...
قال: انطباعاتك؟... الأ تراني مشغول؟
قلت وبحيرة: مشغول؟... أنا أراك واقف تنظر لمياه النهر ولم تحرك ساكن منذ أن رأيتك من بعيد...
( ما أغباني... قلت له إني رأيته من بعيد...)
قال: لا أحب رجال الاستخبارات وواضح أنك منهم...
قلت: لا... إني ( فقاطعني ببرود...) : دعني وشأني... وأغرب عن وجهي...
لقد أصبت بخيبة أمل... يبدو أن الناس هنا مهمومين كثيراً... وليس في بلدي فقط... لا بأس إنها أول محاولة...
في الحقيقة هناك بأس... لأن المحاولات كانت مماثلة،
فشعرت ببرودة المكان الذي أنا فيه...
رابطت في شقتي ثلاثة أيام... لا أخرج ولا ألهو، ولا أفعل شيئاً وإنما أطلب المأكولات والمشروبات بالهاتف وأشاهد التلفاز وبرامجه الكئيبة...
ماهذا الملل الفظيع...
قررت تغيير هذا الروتين، ففتحت خزانتي وأخذت القميص الأسود... لم أستطع أن ألبس شيء ملون... أولم أرغب في ذلك...
ذهبت للمقهى الذي في الزاوية في المبنى المقابل، وطلبت القهوة وحجزت طاولتي خارج المحل أنتظر القهوة...
بعدها سمعت صوتاً من الشرفة في الأعلى... إنه صوت الكمان، إنها آلتي المفضلة...
كانت تشدو بألحان حزينة,تشنجت على الكرسي وثبّتُّ نظراتي... أسمع الألحان وكأنها أنا.. ألحان حزينة تريد البكاء، لكنها لا تستطيع... نظرت إلى ملابسي فشعرت بالتكافل معها، فهي بلونها الأسود تعرّفني بنفسي، وأنا بشعوري الكئيب أحسسهما بدفئي...
أصبحت كل يوم أذهب إلى هذا المقهى وأطلب القهوة التي تبرد دون أن أشربها... أذهب فقط لأسمع ذلك الكمان الحزين...
وكل يوم ألبس الأسود... أغير في ملابسي لكنها تبقى سوداء..
أصبحت ألبس النظارات السوداء الداكنة... وأصبحت لا أعير الناس أي انتباه، لاحظت أنني أصبحت منهم خاصةً بعد مرور أربعين يوماً...
كنت أحاول جاهداً أن أنزل دموعي مع الموسيقى الحزينة...
لكن دموعي جامدة طالما هي داخل هذا الجسد البارد...
رأيت أنني لست الوحيد الذي يقصد المقهى لسماع الكمان وأنينه...أناس كثر يلبسون الأسود ونظاراتهم الداكنة يأتون في ذلك الموعد...
لقد فكرت في مشاكلهم وخمنت ماهي مشكلة كل واحد منهم... فتلك العجوز الثرية، التي تلبس الحلي الكثير ومعطفها الأسود ذو الفرو الكثيف، يبدو أن أولادها ابتعدوا عنها وهي ليست سعيدة حتى لو كانت ثرية...
وهذا الرجل الضخم يبدو أنه طرد من عمله وقد أفلس وتركه الناس بسبب ذلك،.. وهذه المرأة الحسناء مع ابنها ذا العينان البريئتان، يبدو أنها تعرضت لخيانة زوجها...
لقد خمنت مشاكلهم لكني لم أستطع تخمين مشكلتي...
هل هي في الحرب التي تغزو مدينتي؟...
أم هي في وحدتي بين أب وأم منفصلين كل منهما بعيد عن الأخر؟...
أم هي الأموال الطائلة التي أملكها دون عمل يذكر؟... اكتشفت الآن كم هي هذه المدينة تعيسة، فتغير لونها فأصبحت رمادية...
وضعت يدي على صدري لأعد كم عدد نبضات قلبي...
لم أشعر بشيء، وفكرت أنني... ربما أني ميت في الحياة... لا أقدر أن أغير حياتي حتى لو لبست كل الألوان لن تغير شيء..
ولن تتغير حياتي بتغير مكاني، كانت انطباعاتي خاطئة عندما شعرت أن المكان يختلف، وبإختلافه يؤثر على صاحبه...
أصبحت قناعتي أن صاحب المكان هو من يؤثر على المكان ويجعله مختلفاً،لأن كل الأماكن متشابهه...
متشابهة في القلوب السعيدة أو التعيسة... متشابهة في المقاهي التي يقصدها الناس لسماع الألحان الحزينة...
متشابهة في ألوانها الرمادية...ومتشابهة في رياحها الغبية.. تخلصت من نظارتي السوداء...وكان هذا مهماً بالنسبة لي...
جمعت ملابسي في الحقيبة وجمعت الأشياء الأخرى استعداداً
للرحيل... أو للعودة...
ركبت الطائرة، و تفاجأت أنه نفس المكان... ونفس الأشخاص الذين كانوا بجانبي، ونفس ثرثرة تلك المضيفة، وهذه المرة لم أنزعج من أسئلة ذلك الرجل أو تشخيره... ولم تزعجني المرأة بمضغها المستمر للعلكة، ولم أعد أهتم بمبيعات الطائرة...
وذلك بسبب الكمان لحزين..لقد حاول أن يبكي لكنه لم يستطع... أحسست بأنه أرسل لي إشارات أفهمها أنا فقط... أوصاني بالبكاء عنه إذا مات... فأخذت الوصية بمحمل الجد...
مرت الثلاث ساعات بنفس ثقلها وكأنها ثلاثة أيام..
اصطف الطابور خلف الباب لينزل إلى المدينة...
وقفت عند الباب، كنت آخر شخص في الصف القصير...
رجعت إلى المدينة القديمة... عندما نظرت إليها، شعرت بعينها تنظر إلى نظرة الانتصار... وكانت رياحها ساكنة...
خرجت من المطار وأنا أنظر إلى الأسفل، وأسمع أصوات الغربان... التفت وجدت ذلك البستان, فدخلته.... فغمرني ذلك النسيم العليل برياحين الورود والزهور... وأغمضت عيناي، ثم تقدمت أكثر حتى وسط البستان...فوقفت هناك، ثم انحنيت لأمسك الوردة وأشمها... فقدمتها الرياح إلي
فقلت: هذه المدينة ترحب بي... ثم أخذت بالبكاء...
النهاية...





تعليق