بسم الله الرحمن الرحيم
’’ فتوى الإمام الشنقيطي في مثل نازلة العراق ‘‘
الحمد لله رب العالمين، الذي فقَّه من أراد به خيراً في الدين، و رفع درجات أهل العلم بين الناس أجمعين، و أشهد أن لا إله إلاّ الله وحده لا شيرك له ، و أشهد أنَّ محمَّداً عبده و رسوله الذي ورَّث العلم للعلماء العاملين ، صلَّى الله عليه و على آله و صحبه و من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين و سلَّم تسليماً.
أمَّا بعد؛ فلا يخفى ما حلَّ بأرض الرَّافدين من فتنٍ مُتلاحقة، و مِحنٍ مُتسابقة، فتن يُرقِّق بعضها البعض، فعبَّاد الصَّليب قد احتلّوا الأرض، و استباحوا العِرض، مع ما عليه أهل الإسلام من تفرُّقٍ و شتات ، و تطرُّفٍ و انفلات ، و لله الأمر من قبل و من بعد.
لمثل هذا يموت القلب من كمدٍ *** إن كان في القلب إسلام و إيمان.
و مع هذا الواقع الأليم، و الخطب الجسيم ، فلا تأخذ بك العاطفة ـ أخي الحميم ـ، إلى سلوك السبل غير المشروعة ؛ التي تُخالف منهج السلف الصالح ، فما تسلَّط علينا العدو إلاّ بذنوبنا ـ و أكبر الذنوب الشرك ـ، ولن يَرفع الله عنَّا هذا الذلّ إلاّ بالرجوع إلى ديننا الحنيف، و لن يَصلح أمر آخر هذه الأمَّة إلاّ بما صَلُح به أوَّلها.
فمن يأتي اليوم لمحالجة الواقع بغير المنهج الرباني فلا يُنتظر منه ـ و ربِّ الكعبة ـ إلاّ الفشل و الالخسران، و هو في الحقيقة غاشٌّ للمسلمين ، إذ لم ينصح لهم، و لم يُرشدهم إلى ما فيه صلاحهم في الدين و الدنيا، و من غشَّنا فليس منَّا.
وحتَّى تعلم الحق من الباطل قارن بين ضَرَر الشرك في بلاد العراق و بين ضرر العدو المحتل، و لا شك أنَّك ستُوفَّق إلى الجواب الصحيح إن أنت فَقهت المنهج السلفي ، و هذا الميزان ـ و أيم الله ـ لهو الميزان الحق عند أهل الصدق، و الله الموفق.
و الحمد لله الذي جعل بقايا من أهل العلم يَدعون من ضلَّ إلى الهدى، و يصبرون منهم على الأذى، يُحيون بكتاب الله الموتى، و يُبصِّرون بنور الله أهل العمى، فما أحسن أثرهم على الناس، و أقبح أثر الناس عليهم ، يَنفون عن كتاب الله تحريف الغالين، و انتحال المبطلين، و تأويل الجاهلين؛ الذين عقدوا لواء البدعة، و أطلقوا عِقال الفتنة، يتكلمون بالمتشابه و الزخرف من الكلام، ويخدعون جهَّال الناس بما يُشبِّهون عليهم ، فنعوذ بالله من فتن المضليِّن.
و لن تغيب عن بالي، و لن تندَّ عن ذهني تلك الحملة الشَّعواء، و الغزوة النَّكراء التي شنَّها أهل الفتن و الأهواء على فضيلة الشيخ الفقيه عبد المحسن بن ناصر العبيكان ـ حفظه الله و رعاه ـ، لا لشيءٍ إلاَّ لأنَّه نطق بالحقِّ في زمنٍ قلَّ فيه الناطق بالحق الناصح للخلق ، فأعلى الله له مناراً، وأخمد لعدوِّه ناراً.
و قد وقفتُ أخي المحبّ على كلامٍ علميٍّ لأحد العلماء الأعلام في مثل نازلة العراق الجريح ـ فكَّه الله ـ ، و هو الشيخ العلاّمة الفقيه المفسِّر الأصولي محمد الأمين بن محمد المختار الشنقيطي الجكني ـ رحمه الله تعالى ـ ( ت 1393هـ )، والذي وصفه سماحة الشيخ العلاّمة المفتي الأكبر محمد بن إبراهيم آل الشيخ ـ رحمه الله تعالى ـ (ت1389هـ) بقوله (( مُلئ علماً من رأسه إلى أخمص قدميه ))، كما في ’’ إتحاف النبلاء بسير العلماء ‘‘ (1/145).
فعليك بقراءة هذه الفتوى بعين التجرُّد و الإنصاف، داعياً الله أن يُريك الحق حقاًّ و الباطل باطلاً ، فالتوفيق بيد الله ـ سبحانه و تعالى ـ ، و من يتحرًّ الخير يُعطه، و من يتوَقَّ الشرَّ يُوقه.
قال العلاّمة الشيخ محمد الأمين الشنقيطي ـ رحمه الله ـ ، في كتابه النفيس ’’ رحلة الحج إلى بيت الله الحرام ‘‘ (ص91ـ93):
تولية المسلم على المسلم إذا كانت صادرة من غير مسلم متغلب ؛ منعقدة أم لا ؟
(( إنَّ المؤمنين الذين تغلَّب عليهم الكفَّار باحتلال بلادهم إذا أمكنهم الانضمام إلى سلطانٍ إسلاميٍّ وجب عليهم ذلك، و لم يجز لهم موالاة الكفار و أحرى توليتهم، لأنَّ موالاة المسلمين للكفار مع القدرة على موالاة المسلمين تتضمَّن الفتنة و الفساد الكبير بنصِّ القرآن العظيم، و هو قوله ـ تعالى ـ (( إلاَّ تفعلوه تكن فتنةٌ في الأرض و فسادٌ كبيرٌ )) [ الأنفال :73]، و قد قال ـ تعالى ـ (( و من يتولهَّم منكم فإنَّه منهم إنَّ الله لا يهدي القوم الظالمين )) [ المائدة:51].
و أمَّا إن كان المسلمون الذين تغلَّب عليهم الكفَّار لا صريخ لهم من المسلمين يستنقذهم بضمِّهم إليه، فمُوالاتهم للكفَّار بالظاهر دون الباطن لدفع ضررهم جائزةٌ لنصِّ القرآن العظيم، و هو قوله ـ تعالى ـ (( لا يتَّخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين و من يفعل ذلك فليس من الله في شيءٍ إلاّ أن تتَّقوا منهم تُقاة )) [ آل عمران : 28].
و كذلك توليتهم بعض المسلمين على بعضٍ في الجاري على أصل مذهب مالك و من وافقه ؛ من أنَّ شرع من قبلنا شرعٌ لنا، إن ثبتَ بشرعنا إلاَّ لدليلٍ يقتضي النَّسخ.
و إيضاح ذلك أنَّ نبي الله يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم ـ عليهم و على نبيِّنا الصلاة و السلام ـ طلب التَّولية من ملك مصر و انعقدت له منه و هو كافر، كما قال ـ تعالى ـ حكايةً عنه (( قال اجعلني على خزائن الأرض إنِّي حفيظٌ عليمٌ )) [يوسف:55]، فلو كانت التَّولية من يد الكافر المتغلِّب حراماً غير مُنعقدة لما طلبها هذا النبيُّ الكريم ابن الكريم ابن الكريم ابن الكريم من يد الكافر، و لما انعقدت منه و يوسف من الرُّسل الذين ذكرهم الله ـ تعالى ـ في سورة الأنعام بقوله (( و من ذريَّته داود و سليمان و أيُّوب و يوسف)) [الأنعام:84]، و قد أُمر نبيُّنا ـ صلّى الله عليه و على آله و سلّم ـ بالاقتداء بهم حيث قال بعد ذِكرهم ـ عليه و عليهم صلوات الله و سلامه ـ ((أولئك الذين هدى الله فبهُداهم اقتدِه )) [ الأنعام:90]، و أَمر نبيِّنا ـ صلّى الله عليه و على آله و سلّم ـ بالاقتداء بهم أمرٌ لنا؛ لأنَّ الخطاب الخاص بالنبيِّ ـ صلّى الله عليه و على آله و سلّم ـ يتناول الأمَّة من جهة الحكم، للأنَّه قُدوتهم إلاَّ ما ثبتت فيه الخاصية بالدليل ، على ما ذهب إليه أكثر المالكية، و هو ظاهر قول مالك ... )).
و بعد أن ساق مذاهب الأئمة الأربعة في هذه المسألة الأصولية قال ـ رحمه الله ـ :
(( الدَّليل من القرآن العظيم ظاهرٌ للجاري على أصول الأئمَّة الثلاثة مالك و أبي حنيفة و أحمد دون الجاري على أصول الإمام الشافعي ـ رحم الله الجميع و رضي عنهم و أرضاهم ـ، دالٌّ على أنَّ خطابه ـ صلّى الله عليه و على آله و سلّم ـ يتناول أمَّته من جهة الحكم إلاَّ لدليلٍ على الخُصوص، و ذلك كقوله ـ تعالى ـ (( يا أيُّها النبيُّ إذا طلَّقتم النساء فطلِّقوهنَّ لعِدَّتهنَّ )) [الطلاق:1]، فلو كانت الأمَّة غير داخلة تحت قوله ( يا أيّها النبيّ ) لما أتى ـ تعالى ـ بصيغة الجمع في قوله ( طلّقتم )،و في قوله ( فطلّقوهن ) ،و في قوله (( و أحصوا العِدَّة و اتَّقوا الله ربَّكم لا تُخرجوهنَّ ))، و لقال (طلَّقتَ النساء ) بالإفراد فيه و فيما بعده... )) إلى آخر استدلالاته على هذه المسألة.
ثم شرع ـ رحمه الله ـ في تفصيل القول في مسألة شرع من قبلنا هل هو شرع لنا ؟
و بعد أن سرد أقوال أهل العلم و اختلافهم في هذه المسألة قال مرجِّحاً (ص94):
(( الذي ييظهر من هذا الخلاف أنَّ شرع من قبلنا الثابت بشرعنا يكون شرعاً لنا من حيث وروده في شرعنا لا من حيث كونه كان شرعاً لمن قبلنا، لأنَّ الله ـ تعالى ـ أنزل علينا هذا الكتاب العزيز لنعمل بكلِّ ما دلَّ عليه من الأحكام سواء علينا كان شرعاً لمن قبلنا أمْ لا، و الله ـ تعالى ـ ما قصَّ علينا أخبار الماضين إلاَّ لنعتبر بها، فنتجنَّب المُوجب الذي هلك بسببه الهالكون منهم، و نغتنم المُوجب الذي نجا بسببه النَّاجون منهم، و قد قال ـ تعالى ـ (( لقد كان لكم في قَصَصِهم عبرةٌ لأولي الألباب )) [سوسف:111]، و الآيات الدَّالة على الاعتبار بأحوال الماضين كثيرة جداًّ...)).
و لعلَّه من نافلة القول التذكير بأنَّ كلام الشيخ الشنقيطي ـ رحمه الله ـ كان في وقت ضُعفٍ و انكسار، فأكثر البلاد الإسلامية تَرزح تحت نيَر ال******* ، فهل يُقال عنه عميل أو شيءٌ من هذا القبيل، سبحانك هذا بهتانٌ عظيم و بلاءٌ وَبيل.
و بعد أخي السنِّيُّ، هل عقلتَ مأخذَ أهل السنَّة، فيما أفتوا به الأمَّة، فعليك بغرزهم ،و لا تحِد عن سبيلهم، فالبركة مع أكابركم.
و أسأل الله العي القدير أن يبُرم لهذه الأمَّة أمر رُشدٍ يُعزُّ فيه أهل الطَّاعة، و يُعافى فيه أهل المعصية ، إنَّ ربي لسميع الدعاء.
و آخر دعوانا إن الحمد لله ربِّ العالمين.
و كتبه /
فريد أبوقرة المرادي ـ ردَّ الله عنه كيد الأعادي ـ . 28 ربيع الأوّل 1426هـ.
’’ فتوى الإمام الشنقيطي في مثل نازلة العراق ‘‘
الحمد لله رب العالمين، الذي فقَّه من أراد به خيراً في الدين، و رفع درجات أهل العلم بين الناس أجمعين، و أشهد أن لا إله إلاّ الله وحده لا شيرك له ، و أشهد أنَّ محمَّداً عبده و رسوله الذي ورَّث العلم للعلماء العاملين ، صلَّى الله عليه و على آله و صحبه و من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين و سلَّم تسليماً.
أمَّا بعد؛ فلا يخفى ما حلَّ بأرض الرَّافدين من فتنٍ مُتلاحقة، و مِحنٍ مُتسابقة، فتن يُرقِّق بعضها البعض، فعبَّاد الصَّليب قد احتلّوا الأرض، و استباحوا العِرض، مع ما عليه أهل الإسلام من تفرُّقٍ و شتات ، و تطرُّفٍ و انفلات ، و لله الأمر من قبل و من بعد.
لمثل هذا يموت القلب من كمدٍ *** إن كان في القلب إسلام و إيمان.
و مع هذا الواقع الأليم، و الخطب الجسيم ، فلا تأخذ بك العاطفة ـ أخي الحميم ـ، إلى سلوك السبل غير المشروعة ؛ التي تُخالف منهج السلف الصالح ، فما تسلَّط علينا العدو إلاّ بذنوبنا ـ و أكبر الذنوب الشرك ـ، ولن يَرفع الله عنَّا هذا الذلّ إلاّ بالرجوع إلى ديننا الحنيف، و لن يَصلح أمر آخر هذه الأمَّة إلاّ بما صَلُح به أوَّلها.
فمن يأتي اليوم لمحالجة الواقع بغير المنهج الرباني فلا يُنتظر منه ـ و ربِّ الكعبة ـ إلاّ الفشل و الالخسران، و هو في الحقيقة غاشٌّ للمسلمين ، إذ لم ينصح لهم، و لم يُرشدهم إلى ما فيه صلاحهم في الدين و الدنيا، و من غشَّنا فليس منَّا.
وحتَّى تعلم الحق من الباطل قارن بين ضَرَر الشرك في بلاد العراق و بين ضرر العدو المحتل، و لا شك أنَّك ستُوفَّق إلى الجواب الصحيح إن أنت فَقهت المنهج السلفي ، و هذا الميزان ـ و أيم الله ـ لهو الميزان الحق عند أهل الصدق، و الله الموفق.
و الحمد لله الذي جعل بقايا من أهل العلم يَدعون من ضلَّ إلى الهدى، و يصبرون منهم على الأذى، يُحيون بكتاب الله الموتى، و يُبصِّرون بنور الله أهل العمى، فما أحسن أثرهم على الناس، و أقبح أثر الناس عليهم ، يَنفون عن كتاب الله تحريف الغالين، و انتحال المبطلين، و تأويل الجاهلين؛ الذين عقدوا لواء البدعة، و أطلقوا عِقال الفتنة، يتكلمون بالمتشابه و الزخرف من الكلام، ويخدعون جهَّال الناس بما يُشبِّهون عليهم ، فنعوذ بالله من فتن المضليِّن.
و لن تغيب عن بالي، و لن تندَّ عن ذهني تلك الحملة الشَّعواء، و الغزوة النَّكراء التي شنَّها أهل الفتن و الأهواء على فضيلة الشيخ الفقيه عبد المحسن بن ناصر العبيكان ـ حفظه الله و رعاه ـ، لا لشيءٍ إلاَّ لأنَّه نطق بالحقِّ في زمنٍ قلَّ فيه الناطق بالحق الناصح للخلق ، فأعلى الله له مناراً، وأخمد لعدوِّه ناراً.
و قد وقفتُ أخي المحبّ على كلامٍ علميٍّ لأحد العلماء الأعلام في مثل نازلة العراق الجريح ـ فكَّه الله ـ ، و هو الشيخ العلاّمة الفقيه المفسِّر الأصولي محمد الأمين بن محمد المختار الشنقيطي الجكني ـ رحمه الله تعالى ـ ( ت 1393هـ )، والذي وصفه سماحة الشيخ العلاّمة المفتي الأكبر محمد بن إبراهيم آل الشيخ ـ رحمه الله تعالى ـ (ت1389هـ) بقوله (( مُلئ علماً من رأسه إلى أخمص قدميه ))، كما في ’’ إتحاف النبلاء بسير العلماء ‘‘ (1/145).
فعليك بقراءة هذه الفتوى بعين التجرُّد و الإنصاف، داعياً الله أن يُريك الحق حقاًّ و الباطل باطلاً ، فالتوفيق بيد الله ـ سبحانه و تعالى ـ ، و من يتحرًّ الخير يُعطه، و من يتوَقَّ الشرَّ يُوقه.
قال العلاّمة الشيخ محمد الأمين الشنقيطي ـ رحمه الله ـ ، في كتابه النفيس ’’ رحلة الحج إلى بيت الله الحرام ‘‘ (ص91ـ93):
تولية المسلم على المسلم إذا كانت صادرة من غير مسلم متغلب ؛ منعقدة أم لا ؟
(( إنَّ المؤمنين الذين تغلَّب عليهم الكفَّار باحتلال بلادهم إذا أمكنهم الانضمام إلى سلطانٍ إسلاميٍّ وجب عليهم ذلك، و لم يجز لهم موالاة الكفار و أحرى توليتهم، لأنَّ موالاة المسلمين للكفار مع القدرة على موالاة المسلمين تتضمَّن الفتنة و الفساد الكبير بنصِّ القرآن العظيم، و هو قوله ـ تعالى ـ (( إلاَّ تفعلوه تكن فتنةٌ في الأرض و فسادٌ كبيرٌ )) [ الأنفال :73]، و قد قال ـ تعالى ـ (( و من يتولهَّم منكم فإنَّه منهم إنَّ الله لا يهدي القوم الظالمين )) [ المائدة:51].
و أمَّا إن كان المسلمون الذين تغلَّب عليهم الكفَّار لا صريخ لهم من المسلمين يستنقذهم بضمِّهم إليه، فمُوالاتهم للكفَّار بالظاهر دون الباطن لدفع ضررهم جائزةٌ لنصِّ القرآن العظيم، و هو قوله ـ تعالى ـ (( لا يتَّخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين و من يفعل ذلك فليس من الله في شيءٍ إلاّ أن تتَّقوا منهم تُقاة )) [ آل عمران : 28].
و كذلك توليتهم بعض المسلمين على بعضٍ في الجاري على أصل مذهب مالك و من وافقه ؛ من أنَّ شرع من قبلنا شرعٌ لنا، إن ثبتَ بشرعنا إلاَّ لدليلٍ يقتضي النَّسخ.
و إيضاح ذلك أنَّ نبي الله يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم ـ عليهم و على نبيِّنا الصلاة و السلام ـ طلب التَّولية من ملك مصر و انعقدت له منه و هو كافر، كما قال ـ تعالى ـ حكايةً عنه (( قال اجعلني على خزائن الأرض إنِّي حفيظٌ عليمٌ )) [يوسف:55]، فلو كانت التَّولية من يد الكافر المتغلِّب حراماً غير مُنعقدة لما طلبها هذا النبيُّ الكريم ابن الكريم ابن الكريم ابن الكريم من يد الكافر، و لما انعقدت منه و يوسف من الرُّسل الذين ذكرهم الله ـ تعالى ـ في سورة الأنعام بقوله (( و من ذريَّته داود و سليمان و أيُّوب و يوسف)) [الأنعام:84]، و قد أُمر نبيُّنا ـ صلّى الله عليه و على آله و سلّم ـ بالاقتداء بهم حيث قال بعد ذِكرهم ـ عليه و عليهم صلوات الله و سلامه ـ ((أولئك الذين هدى الله فبهُداهم اقتدِه )) [ الأنعام:90]، و أَمر نبيِّنا ـ صلّى الله عليه و على آله و سلّم ـ بالاقتداء بهم أمرٌ لنا؛ لأنَّ الخطاب الخاص بالنبيِّ ـ صلّى الله عليه و على آله و سلّم ـ يتناول الأمَّة من جهة الحكم، للأنَّه قُدوتهم إلاَّ ما ثبتت فيه الخاصية بالدليل ، على ما ذهب إليه أكثر المالكية، و هو ظاهر قول مالك ... )).
و بعد أن ساق مذاهب الأئمة الأربعة في هذه المسألة الأصولية قال ـ رحمه الله ـ :
(( الدَّليل من القرآن العظيم ظاهرٌ للجاري على أصول الأئمَّة الثلاثة مالك و أبي حنيفة و أحمد دون الجاري على أصول الإمام الشافعي ـ رحم الله الجميع و رضي عنهم و أرضاهم ـ، دالٌّ على أنَّ خطابه ـ صلّى الله عليه و على آله و سلّم ـ يتناول أمَّته من جهة الحكم إلاَّ لدليلٍ على الخُصوص، و ذلك كقوله ـ تعالى ـ (( يا أيُّها النبيُّ إذا طلَّقتم النساء فطلِّقوهنَّ لعِدَّتهنَّ )) [الطلاق:1]، فلو كانت الأمَّة غير داخلة تحت قوله ( يا أيّها النبيّ ) لما أتى ـ تعالى ـ بصيغة الجمع في قوله ( طلّقتم )،و في قوله ( فطلّقوهن ) ،و في قوله (( و أحصوا العِدَّة و اتَّقوا الله ربَّكم لا تُخرجوهنَّ ))، و لقال (طلَّقتَ النساء ) بالإفراد فيه و فيما بعده... )) إلى آخر استدلالاته على هذه المسألة.
ثم شرع ـ رحمه الله ـ في تفصيل القول في مسألة شرع من قبلنا هل هو شرع لنا ؟
و بعد أن سرد أقوال أهل العلم و اختلافهم في هذه المسألة قال مرجِّحاً (ص94):
(( الذي ييظهر من هذا الخلاف أنَّ شرع من قبلنا الثابت بشرعنا يكون شرعاً لنا من حيث وروده في شرعنا لا من حيث كونه كان شرعاً لمن قبلنا، لأنَّ الله ـ تعالى ـ أنزل علينا هذا الكتاب العزيز لنعمل بكلِّ ما دلَّ عليه من الأحكام سواء علينا كان شرعاً لمن قبلنا أمْ لا، و الله ـ تعالى ـ ما قصَّ علينا أخبار الماضين إلاَّ لنعتبر بها، فنتجنَّب المُوجب الذي هلك بسببه الهالكون منهم، و نغتنم المُوجب الذي نجا بسببه النَّاجون منهم، و قد قال ـ تعالى ـ (( لقد كان لكم في قَصَصِهم عبرةٌ لأولي الألباب )) [سوسف:111]، و الآيات الدَّالة على الاعتبار بأحوال الماضين كثيرة جداًّ...)).
و لعلَّه من نافلة القول التذكير بأنَّ كلام الشيخ الشنقيطي ـ رحمه الله ـ كان في وقت ضُعفٍ و انكسار، فأكثر البلاد الإسلامية تَرزح تحت نيَر ال******* ، فهل يُقال عنه عميل أو شيءٌ من هذا القبيل، سبحانك هذا بهتانٌ عظيم و بلاءٌ وَبيل.
و بعد أخي السنِّيُّ، هل عقلتَ مأخذَ أهل السنَّة، فيما أفتوا به الأمَّة، فعليك بغرزهم ،و لا تحِد عن سبيلهم، فالبركة مع أكابركم.
و أسأل الله العي القدير أن يبُرم لهذه الأمَّة أمر رُشدٍ يُعزُّ فيه أهل الطَّاعة، و يُعافى فيه أهل المعصية ، إنَّ ربي لسميع الدعاء.
و آخر دعوانا إن الحمد لله ربِّ العالمين.
و كتبه /
فريد أبوقرة المرادي ـ ردَّ الله عنه كيد الأعادي ـ . 28 ربيع الأوّل 1426هـ.



تعليق