حمد الماجد*
امتزج شعور كثير من السعوديين بعد أحداث مدينة الرس الإرهابية الأخيرة، بشعور متباين يخلط بين الفرح والخوف.. والألم والأمل.
الفرح بأن الإرهاب تلقى مرة أخرى، ضربة موجعة بعد يومين من المقاومة الشرسة جعلت كل السعوديين يضعون أيديهم على قلوبهم، والخوف من أن هذه المواجهة الأمنية الناجحة لفلول العنف والتدمير مجرد معركة لحرب قد تطول مع الإرهاب، فبعد مقتل قائد «القاعدة» في السعودية عبد العزيز المقرن، تصور البعض أن الإرهاب قد تلقى الضربة القاضية، إلى أن تبين بعد أحداث القنصلية الأمريكية في جدة ثم أحداث الرس الأخيرة وما بينهما من أحداث أمنية، أن السعوديين قد كسبوا معارك في حرب، وسجلوا نقاط انتصار في مواجهة، ولم تخمد بعد نار الإرهاب.
نار الإرهاب ستخمد جذوتها وينطفئ لهيبها، حين يكف صنفان من الناس عن النفخ في لهيبها: صنف ينظر ويؤصل ومن منطلقات دينية للإرهاب بالتصريح أو بالتلميح.. بالإشارة أو بالعبارة، أو حتى بالسكوت، فالسكوت في نهاية الأمر موقف! وحسب علمي فهؤلاء وبعد أن انكشف الوجه القبيح للإرهابيين وحين وجه المتطرفون سهامهم وحرابهم إلى خاصرة المجتمع السعودي بكيانه ومؤسساته ومقدراته ومكتسباته، يظلون من وجهة نظري ندرة بين العلماء الشرعيين وطلاب العلم، سواء منهم من يعمل في أجهزة الدولة الرسمية أو يمارسون نشاطهم العلمي والفكري خارجها، هؤلاء وهؤلاء يحتاجون إلى تطوير آلياتهم في التخاطب، لا أقول مع الإرهابيين، لأن هؤلاء أشعلوا نار الحرب، ودمروا جسور العودة ويصعب عليهم التراجع، ولكن أقصد مئات بل ألوف الشباب المستهدفين من هؤلاء المفسدين في الأرض، الذين يستغلون عواطفهم الإسلامية وإحباطهم ومشاكلهم وتذمرهم من أوضاع مجتمعاتهم، لإيقاعهم في شراك العنف باسم الجهاد والجريمة باسم التغيير. فأسلوب الوقاية أو ما يمكن أن نسميه، تجاوزا، بالجرعات الاستباقية أشد وأمضى على المدى البعيد من أسلوب التخدير والمهدئات الآنية.
ومن النافخين في نار الإرهاب مجموعة من مشايخ التطرف الهاربين أو الذين قضوا نحبهم أو الذين لا تزال تطوقهم أسوار السجون، والمشكل هنا أن التقنيات الحديثة ووسائل الاتصال وخاصة الكمبيوتر والإنترنت والتي يبدع الإرهابيون في استغلالها هيأت مناخا خصبا يرتعون فيه ويسوّقون لبضاعتهم، فمنظرو الإرهاب وشيوخه سواء ماتوا أو سجنوا، فأقوالهم على الشبكة العنكبوتية مخدومة، ونظرياتهم مدعومة، يجدها بغاتها والمخدوعون بها في أي زمان ومكان وبأية لغة حية.
أما الصنف الآخر فهو من ينفخ في نار الإرهاب بدعوى إطفائها، ويرشها بالبنزين بزعم إخمادها، كلما أوقد المتطرفون نارا للإرهاب، أشعلوها بلهيب أقلامهم، لا يفرقون بين معتدل ومتشدد.. ولا بين متوسط ومتطرف.. ولا بين مسهل ومتساهل.. وكلما تمايزت صفوف الإرهابيين عن صفوف الغيورين على دينهم وأوطانهم المسالمين في مجتمعاتهم، جرهم هؤلاء إلى خانة الإرهاب قسرا وغلبوا سوء الظن وخبث الطوية وتكلفوا معرفة النوايا وما تخفي الصدور، والأخطر في أطروحات هؤلاء أنهم وهم يحاولون علاج الإرهاب يخلطون بين شعائر الإسلام ومظاهر التطرف، ويتخبطون في دراسة ظاهرة الإرهاب بما يعزز فكرته ويروج لمعتنقيه، ولعلكم قد قرأتم عن الذي حشر الخليفة الراشد أبا بكر، رضي الله عنه، في زمرة الرعيل الأول من (التكفيريين) في معرض تحليله للأصول التاريخية للتفجير والتكفير، مثل هذا الطرح المتطرف ينقل المعتدلين إلى خانة التشدد، والمتوسطين إلى دائرة التطرف، فيوسعون بتطرف أطروحاتهم رقعة المتعاطفين مع الإرهاب ويخدمونه، بل إن مثل هذا الأسلوب الاستفزازي يوفر مناخا خصبا للتكفيريين والتفجيريين لغسل أدمغة الشباب وإقناعهم أن مواجهاتهم العنيفة نوع من (الجهاد) والنهي عن المنكر ضد مؤسسات ـ بزعمهم ـ تحارب الإسلام وشعائره وقادته ورموزه.
وتظل أزمة المثقفين المعالجين لظاهرة الإرهاب في وجود أصوات نشاز تمارس (المكارثية) البغيضة فتمتحن الناس في وطنيتهم ومواقفهم ونواياهم وولائهم لدينهم ومجتمعاتهم فتخلق أجواء متوترة تبعث على اليأس والإحباط وتشل الهمم التي صدقت في معالجة أزمة التطرف والإرهاب، هؤلاء أيضا يسهمون في تعزيز التطرف وتوسيع دائرته، ولا بد أن يدركوا أنهم في المسار الخطأ لا فرق بين من صنف نفسه منهم متدينا أو ليبراليا، أو جعل نفسه فوق مستوى الجاذبية الفكرية، فما أحوج الوطن وهو يواجه حربه الضروس مع الإرهاب على الصعيد الأمني والفكري، أن يتصدى لها كل فئات المجتمع وأطيافه الفكرية، من غير تخوين ولا تسلق ولا إقصاء ولا استعداء.
* كاتب سعودي
امتزج شعور كثير من السعوديين بعد أحداث مدينة الرس الإرهابية الأخيرة، بشعور متباين يخلط بين الفرح والخوف.. والألم والأمل.
الفرح بأن الإرهاب تلقى مرة أخرى، ضربة موجعة بعد يومين من المقاومة الشرسة جعلت كل السعوديين يضعون أيديهم على قلوبهم، والخوف من أن هذه المواجهة الأمنية الناجحة لفلول العنف والتدمير مجرد معركة لحرب قد تطول مع الإرهاب، فبعد مقتل قائد «القاعدة» في السعودية عبد العزيز المقرن، تصور البعض أن الإرهاب قد تلقى الضربة القاضية، إلى أن تبين بعد أحداث القنصلية الأمريكية في جدة ثم أحداث الرس الأخيرة وما بينهما من أحداث أمنية، أن السعوديين قد كسبوا معارك في حرب، وسجلوا نقاط انتصار في مواجهة، ولم تخمد بعد نار الإرهاب.
نار الإرهاب ستخمد جذوتها وينطفئ لهيبها، حين يكف صنفان من الناس عن النفخ في لهيبها: صنف ينظر ويؤصل ومن منطلقات دينية للإرهاب بالتصريح أو بالتلميح.. بالإشارة أو بالعبارة، أو حتى بالسكوت، فالسكوت في نهاية الأمر موقف! وحسب علمي فهؤلاء وبعد أن انكشف الوجه القبيح للإرهابيين وحين وجه المتطرفون سهامهم وحرابهم إلى خاصرة المجتمع السعودي بكيانه ومؤسساته ومقدراته ومكتسباته، يظلون من وجهة نظري ندرة بين العلماء الشرعيين وطلاب العلم، سواء منهم من يعمل في أجهزة الدولة الرسمية أو يمارسون نشاطهم العلمي والفكري خارجها، هؤلاء وهؤلاء يحتاجون إلى تطوير آلياتهم في التخاطب، لا أقول مع الإرهابيين، لأن هؤلاء أشعلوا نار الحرب، ودمروا جسور العودة ويصعب عليهم التراجع، ولكن أقصد مئات بل ألوف الشباب المستهدفين من هؤلاء المفسدين في الأرض، الذين يستغلون عواطفهم الإسلامية وإحباطهم ومشاكلهم وتذمرهم من أوضاع مجتمعاتهم، لإيقاعهم في شراك العنف باسم الجهاد والجريمة باسم التغيير. فأسلوب الوقاية أو ما يمكن أن نسميه، تجاوزا، بالجرعات الاستباقية أشد وأمضى على المدى البعيد من أسلوب التخدير والمهدئات الآنية.
ومن النافخين في نار الإرهاب مجموعة من مشايخ التطرف الهاربين أو الذين قضوا نحبهم أو الذين لا تزال تطوقهم أسوار السجون، والمشكل هنا أن التقنيات الحديثة ووسائل الاتصال وخاصة الكمبيوتر والإنترنت والتي يبدع الإرهابيون في استغلالها هيأت مناخا خصبا يرتعون فيه ويسوّقون لبضاعتهم، فمنظرو الإرهاب وشيوخه سواء ماتوا أو سجنوا، فأقوالهم على الشبكة العنكبوتية مخدومة، ونظرياتهم مدعومة، يجدها بغاتها والمخدوعون بها في أي زمان ومكان وبأية لغة حية.
أما الصنف الآخر فهو من ينفخ في نار الإرهاب بدعوى إطفائها، ويرشها بالبنزين بزعم إخمادها، كلما أوقد المتطرفون نارا للإرهاب، أشعلوها بلهيب أقلامهم، لا يفرقون بين معتدل ومتشدد.. ولا بين متوسط ومتطرف.. ولا بين مسهل ومتساهل.. وكلما تمايزت صفوف الإرهابيين عن صفوف الغيورين على دينهم وأوطانهم المسالمين في مجتمعاتهم، جرهم هؤلاء إلى خانة الإرهاب قسرا وغلبوا سوء الظن وخبث الطوية وتكلفوا معرفة النوايا وما تخفي الصدور، والأخطر في أطروحات هؤلاء أنهم وهم يحاولون علاج الإرهاب يخلطون بين شعائر الإسلام ومظاهر التطرف، ويتخبطون في دراسة ظاهرة الإرهاب بما يعزز فكرته ويروج لمعتنقيه، ولعلكم قد قرأتم عن الذي حشر الخليفة الراشد أبا بكر، رضي الله عنه، في زمرة الرعيل الأول من (التكفيريين) في معرض تحليله للأصول التاريخية للتفجير والتكفير، مثل هذا الطرح المتطرف ينقل المعتدلين إلى خانة التشدد، والمتوسطين إلى دائرة التطرف، فيوسعون بتطرف أطروحاتهم رقعة المتعاطفين مع الإرهاب ويخدمونه، بل إن مثل هذا الأسلوب الاستفزازي يوفر مناخا خصبا للتكفيريين والتفجيريين لغسل أدمغة الشباب وإقناعهم أن مواجهاتهم العنيفة نوع من (الجهاد) والنهي عن المنكر ضد مؤسسات ـ بزعمهم ـ تحارب الإسلام وشعائره وقادته ورموزه.
وتظل أزمة المثقفين المعالجين لظاهرة الإرهاب في وجود أصوات نشاز تمارس (المكارثية) البغيضة فتمتحن الناس في وطنيتهم ومواقفهم ونواياهم وولائهم لدينهم ومجتمعاتهم فتخلق أجواء متوترة تبعث على اليأس والإحباط وتشل الهمم التي صدقت في معالجة أزمة التطرف والإرهاب، هؤلاء أيضا يسهمون في تعزيز التطرف وتوسيع دائرته، ولا بد أن يدركوا أنهم في المسار الخطأ لا فرق بين من صنف نفسه منهم متدينا أو ليبراليا، أو جعل نفسه فوق مستوى الجاذبية الفكرية، فما أحوج الوطن وهو يواجه حربه الضروس مع الإرهاب على الصعيد الأمني والفكري، أن يتصدى لها كل فئات المجتمع وأطيافه الفكرية، من غير تخوين ولا تسلق ولا إقصاء ولا استعداء.
* كاتب سعودي