جريدة الوطن السعودية
واشنطن: أحمد عبدالهادي
تبرهن قصة الضابط الإسرائيلي الذي اعتقل في واشنطن متلبساً بحيازة أسلحة ومتفجرات وخلال تسلمه مزيداً منها ثم ما لبث أن أفرج عنه بكفالة مالية على أن هناك خللاً حقيقياً يكتنف التعامل القانوني في الولايات المتحدة مع القضايا المشابهة.
إذ كان الحال سيختلف تماماً لو كانت جنسية ذلك الضابط سعودية أو باكستانية أو إيرانية أو مصرية أو لبنانية أو سورية.
ويرجع هذا الخلل في جزء منه على الأقل إلى أمر يعكسه حوار دار أخيراً في اللجنة الفرعية لشؤون الإرهاب الدولي ومنع انتشار أسلحة الدمار الشامل التابعة لمجلس النواب الأمريكي.
وشارك في الحوار من جهة الإدارة اثنان من المسؤولين الكبار، الأول هو محامي وزارة الخارجية، أي المسؤول عن صياغة نظرتها القانونية، ويدعي فيليب زيلكو، والثاني هو مدير المركز الوطني لمكافحة الإرهاب، وهو "الهيئة العليا" التي تشرف على تعقب الإرهابيين وتنسق بين الأجهزة الأمريكية المختلفة بهذا الصدد، ويدعى مدير ذلك المركز جون برينان.
ففي الجزء الأولى من الاجتماع الذي عقد في 12 من الشهر الجاري قال زيلكو بوضوح: إنه ليس لدينا تعريفاً عاماً للإرهاب في الأمم المتحدة أو في إدارتنا هنا (في الولايات المتحدة). وردت العضوة الديمقراطية بيتي ماكولم بدهشة حقيقية: نحن نخوض الآن مياهاً عميقة إذا كنا حتى الآن لا نعرف ما هو تعريف الإرهاب... ولكن لماذا؟". ولم يرد زيلكو.
وفي الجزء الثاني من الاجتماع، وكان زيلكو موجوداً بعد عرض عضو الكونجرس اللبناني الأصل - والجمهوري أيضاً - ديريل عيسى قصة ما حدث معه حين أعد متطرفون في رابطة الدفاع اليهودية مؤامرة محكمة لتفجير مكتبه، إلا أن مكتب التحقيقات أحبط المؤامرة قبل تنفيذها.
وقال عيسى: ولكن لماذا لم توجه إلى هؤلاء الأشخاص تهمة الإرهاب؟. ورد برينان قائلاً: أود أن أذكر أولاً أن لدينا تعريفاً للإرهاب، فالإرهاب هو عمل العنف الموجه ضد مدنيين في أكثر من بلد واحد.
وسأل عيسى - بطبيعة الحال - عن المقصود بعبارة أكثر من بلد واحد، وحين فسَّر برينان الماء بالماء كمال يقولون، أي حين أعاد العبارة كما هي بصياغات مختلفة قال ديريل عيسى: لقد كان السبب في عدم اتهام من تآمروا لقتلي هو أنهم يحملون الجنسيتين الإسرائيلية والأمريكية في آن معاً. ولأنهم أمريكيون فإنهم لم يتهموا بالإرهاب بسبب أن عمليتهم اقتصرت على الولايات المتحدة.
أليس كذلك؟ لقد كان هذا هو السبب.
بعد ذلك اقترح رئيس اللجنة إدوارد رويس أن تشرع اللجنة بالتفاوض مع أجهزة الأمن والأجهزة الحكومية لوضع تعريف للإرهاب، إلا أن الأمر ظل يتردد في الأذهان بعد انتهاء الجلسة، فقد قال زيلكو أولاً إنه لا وجود لدى الحكومة الأمريكية تعريف موحد للإرهاب بينما قدم له برينان تعريفاً آثار ضحك بعض الحاضرين، إذ إن هناك أمريكيين اعتقلوا بتهمة الإرهاب لم يكن آخرهم تيموثي ماكفاي الذي فجر بناية حكومية في أوكلاهوما سيتي في أبريل 1995م وقتل 270 مدنياً أمريكياً.
إلا أن صدق زيلكو "وتخريجات" برينان استكملها موقف حدث بعد ذلك حين سئل الناطق بلسان الخارجية ريتشارد باوتشر يوم الاثنين الماضي عن الحوار الدائر لتعريف الإرهاب فقال باختصار إن أكثره بلا قيمة. وأضاف باوتشر أن وضع قنبلة في مقهى أو تفجير سوق أو تفجير باص يحمل أطفالاً هو عمل إرهابي تنبغي إدانته.
وهكذا فإننا نقف في مواجهة ثلاثة مواقف مختلفة تأتي من حكومة واحدة... الأول: هو أنه لا يوجد لدى هذه الحكومة - وهي في ذروة حربها ضد الإرهاب تعريف متفق عليه لهذا الإرهاب الذي تحاربه. والثاني: هو أن الإرهاب عمل من أعمال العنف موجه ضد مدنيين في أكثر من بلد واحد حسب قول برينان. والثالث: هو أن الحوار حول تعريف الإرهاب بلا قيمة.
إنها مرونة اختيارية إن جاز التعبير، ذلك أن تعريف برينان لا يجعل من الحادث الإرهابي الأخير في مصر مثلاً عملاً إرهابياً، بل إنه لا يجعل من إضافة حماس أو حزب الله على قوائم الإرهاب، عملاً مفهوماً. إذ إنهما يمارسان إرهابهما ـ إذا أسمينا مقاومتهما للاحتلال إرهاباً ـ داخل أراضيها.
ولكن كيف - حقاً - يمكن لبلد هائل الحجم مثل الولايات المتحدة بما فيه من ساسة ومفكرين واستراتيجيين وقانونيين وأساتذة، ألا يتفق على تعريف الإرهاب، في ذروة حربه ضد الإرهاب؟ وثمة أسباب لذلك.
واشنطن: أحمد عبدالهادي
تبرهن قصة الضابط الإسرائيلي الذي اعتقل في واشنطن متلبساً بحيازة أسلحة ومتفجرات وخلال تسلمه مزيداً منها ثم ما لبث أن أفرج عنه بكفالة مالية على أن هناك خللاً حقيقياً يكتنف التعامل القانوني في الولايات المتحدة مع القضايا المشابهة.
إذ كان الحال سيختلف تماماً لو كانت جنسية ذلك الضابط سعودية أو باكستانية أو إيرانية أو مصرية أو لبنانية أو سورية.
ويرجع هذا الخلل في جزء منه على الأقل إلى أمر يعكسه حوار دار أخيراً في اللجنة الفرعية لشؤون الإرهاب الدولي ومنع انتشار أسلحة الدمار الشامل التابعة لمجلس النواب الأمريكي.
وشارك في الحوار من جهة الإدارة اثنان من المسؤولين الكبار، الأول هو محامي وزارة الخارجية، أي المسؤول عن صياغة نظرتها القانونية، ويدعي فيليب زيلكو، والثاني هو مدير المركز الوطني لمكافحة الإرهاب، وهو "الهيئة العليا" التي تشرف على تعقب الإرهابيين وتنسق بين الأجهزة الأمريكية المختلفة بهذا الصدد، ويدعى مدير ذلك المركز جون برينان.
ففي الجزء الأولى من الاجتماع الذي عقد في 12 من الشهر الجاري قال زيلكو بوضوح: إنه ليس لدينا تعريفاً عاماً للإرهاب في الأمم المتحدة أو في إدارتنا هنا (في الولايات المتحدة). وردت العضوة الديمقراطية بيتي ماكولم بدهشة حقيقية: نحن نخوض الآن مياهاً عميقة إذا كنا حتى الآن لا نعرف ما هو تعريف الإرهاب... ولكن لماذا؟". ولم يرد زيلكو.
وفي الجزء الثاني من الاجتماع، وكان زيلكو موجوداً بعد عرض عضو الكونجرس اللبناني الأصل - والجمهوري أيضاً - ديريل عيسى قصة ما حدث معه حين أعد متطرفون في رابطة الدفاع اليهودية مؤامرة محكمة لتفجير مكتبه، إلا أن مكتب التحقيقات أحبط المؤامرة قبل تنفيذها.
وقال عيسى: ولكن لماذا لم توجه إلى هؤلاء الأشخاص تهمة الإرهاب؟. ورد برينان قائلاً: أود أن أذكر أولاً أن لدينا تعريفاً للإرهاب، فالإرهاب هو عمل العنف الموجه ضد مدنيين في أكثر من بلد واحد.
وسأل عيسى - بطبيعة الحال - عن المقصود بعبارة أكثر من بلد واحد، وحين فسَّر برينان الماء بالماء كمال يقولون، أي حين أعاد العبارة كما هي بصياغات مختلفة قال ديريل عيسى: لقد كان السبب في عدم اتهام من تآمروا لقتلي هو أنهم يحملون الجنسيتين الإسرائيلية والأمريكية في آن معاً. ولأنهم أمريكيون فإنهم لم يتهموا بالإرهاب بسبب أن عمليتهم اقتصرت على الولايات المتحدة.
أليس كذلك؟ لقد كان هذا هو السبب.
بعد ذلك اقترح رئيس اللجنة إدوارد رويس أن تشرع اللجنة بالتفاوض مع أجهزة الأمن والأجهزة الحكومية لوضع تعريف للإرهاب، إلا أن الأمر ظل يتردد في الأذهان بعد انتهاء الجلسة، فقد قال زيلكو أولاً إنه لا وجود لدى الحكومة الأمريكية تعريف موحد للإرهاب بينما قدم له برينان تعريفاً آثار ضحك بعض الحاضرين، إذ إن هناك أمريكيين اعتقلوا بتهمة الإرهاب لم يكن آخرهم تيموثي ماكفاي الذي فجر بناية حكومية في أوكلاهوما سيتي في أبريل 1995م وقتل 270 مدنياً أمريكياً.
إلا أن صدق زيلكو "وتخريجات" برينان استكملها موقف حدث بعد ذلك حين سئل الناطق بلسان الخارجية ريتشارد باوتشر يوم الاثنين الماضي عن الحوار الدائر لتعريف الإرهاب فقال باختصار إن أكثره بلا قيمة. وأضاف باوتشر أن وضع قنبلة في مقهى أو تفجير سوق أو تفجير باص يحمل أطفالاً هو عمل إرهابي تنبغي إدانته.
وهكذا فإننا نقف في مواجهة ثلاثة مواقف مختلفة تأتي من حكومة واحدة... الأول: هو أنه لا يوجد لدى هذه الحكومة - وهي في ذروة حربها ضد الإرهاب تعريف متفق عليه لهذا الإرهاب الذي تحاربه. والثاني: هو أن الإرهاب عمل من أعمال العنف موجه ضد مدنيين في أكثر من بلد واحد حسب قول برينان. والثالث: هو أن الحوار حول تعريف الإرهاب بلا قيمة.
إنها مرونة اختيارية إن جاز التعبير، ذلك أن تعريف برينان لا يجعل من الحادث الإرهابي الأخير في مصر مثلاً عملاً إرهابياً، بل إنه لا يجعل من إضافة حماس أو حزب الله على قوائم الإرهاب، عملاً مفهوماً. إذ إنهما يمارسان إرهابهما ـ إذا أسمينا مقاومتهما للاحتلال إرهاباً ـ داخل أراضيها.
ولكن كيف - حقاً - يمكن لبلد هائل الحجم مثل الولايات المتحدة بما فيه من ساسة ومفكرين واستراتيجيين وقانونيين وأساتذة، ألا يتفق على تعريف الإرهاب، في ذروة حربه ضد الإرهاب؟ وثمة أسباب لذلك.

