السؤال: أي عبقري - بل أي غبي - صنع كل تلك الأزمات في الشرق الأوسط؟
الأميركيون يعالجون كل شيء إما بالجراحة العسكرية أو بالجراحة الدبلوماسية، أو حتى بغسل اليدين، على الأقل انفقوا ملايين الساعات الدبلوماسية على مدى نصف القرن المنصرم دون طائل، لابد ان يكون هناك سبب اكبر من كل السياسات الاميركية، نحاول ان نفتش في زوايا أزمة المنطقة عن السبب·
أزمة في العراق، وأزمة مع السوريين الذين تؤكد كل الدلائل على انهم باتوا في منطقة الخطر، وأزمة مع ايران التي بات مؤكدا انها لن تصنع القنبلة لأنها تدرك العواقب الكارثية، لذلك التجاذب لاستنزاف المواقف ليس أكثر·
إطلالة بانورامية من أورينت برس على تلك الأزمات:
حين تنظر من واشنطن الى الشرق الأوسط: أي عبقري صنع كل هذه الأزمات؟ تجد مَن يقاطعك في الحال·· بل أي غبي؟
في كل منطقة اخرى من العالم، جرى أو يجري احتواء الأزمات، أو اخمادها، أو تعليبها، أو ارجاؤها، أو حلها بطبيعة الحال، وان كانت الأزمات عادة اكبر من حلولها حتى انه أبرمت منذ عهد البابا جوليان الثاني في مطلع القرن السادس عشر وحتى انشاء عصبة الأمم في القرن الفائت 4 آلاف معاهدة واتفاقية ذهبت جميعها ادراج الرياح·
ولكن هناك كل الأزمات إما انها تبتعد عن الضوء أو انها تبتعد عن النار، في المنطقة، كل أزمة تندلع تبدو وكأنها تظل مفتوحة الى الأبد، وإذا ما تمت معالجتها بطريقة ما، تظل قاب قوسين أو أدنى من أن تنفجر ثانية·
هذا قد يعود الى الاحتياطي اللاهوتي الذي يتجاوز خيال المنطقة (ألم تظهر كل الأديان بل وكل الماورائيات هنا بدءاً من الميتولوجيا السومرية وانتهاء بالميتولوجيا الفرعونية؟)، وايضا قد يعود الى الاحتياطي النفطي الذي يتجاوز واقع المنطقة، لنلاحظ كم التهمت الأزمات والحروب التي لا طائل تحتها كل تلك الثروات، الباب مشرّع دوما على مصراعيه·
·· هنا يتدخل الشيطان
مَن يستطيع أن يصدّق ان الولايات المتحدة، وبكل ثقلها، وبكل جنونها الدبلوماسي أو العسكري، لم تتمكن من تسوية الصراع بين الفلسطينيين والإسرائيليين، ووزيرة الخارجية الأميركية السابقة مادلين أولبرايت وصلت الى حد التساؤل: الى أي حد يتدخل الشيطان في هذه الأزمة؟ ، هذا مجرد هروب ميتافيزيقي ساذج، الاسرائيليون عقدوا معاهدة سلام مع مصر وانسحبوا من شبه جزيرة سيناء، عقدوا معاهدة سلام مع الأردن وقايضوا ارضا بأرض كما انهم خرجوا من جنوب لبنان بفعل المطرقة العسكرية، وكادوا يبرمون معاهدة سلام مع سوريا لولا بعض الأمتار على ضفاف بحيرة طبريا، عندما يتعلق الأمر بفلسطين تنقلب الصورة تماما·
من الصعب ان يدخل في الوعي (أو اللاوعي) السياسي (أو الايديولوجي) الاسرائيلي هذا المشهد: دولة فلسطينية على تماس مع الدولة اليهودية، غريب ان يعلنوا خشيتهم من ان يبتلعنا الفلسطينيون كما يقول أحد قادة المستوطنين ابرايم شولامي مع انهم يفاخرون علنا بالترسانة التوراتية، وسرا، بالترسانة النووية·
المشكلة ليست هنا اولبرايت تحدثت عن مليون ساعة من الدبلوماسية ذهبت سدى، آخرون يقدمون ارقاما اكبر بكثير، المشكلة في ان الولايات المتحدة لم تتمكن من ان ترغم الدولة العبرية على التقهقر قيد انملة في الموضوع الفلسطيني، بالطبع هناك مَن يعود بالذاكرة الى العام 1956 وحملة السويس، حين أرغم الرئيس دوايت ايزنهاور ديفيد بن غوريون ومعه موشي دايان على الانسحاب من سيناء، بكى ''دايان لأن الصحراء جزء لا يتجزأ من اسرائيل الكبرى، ولأن التواجد على ضفاف قناة السويس هو أشبه ما يكون بالتواجد على تخوم القاهرة، مرة اخرى، ما ينطبق على المصريين، حتى ولو كانوا بقيادة جمال عبدالناصر ، لا ينطبق على الفلسطينيين، ودون ان يبقى سراً ان ارييل شارون نفسه اتهم ليفي اشكول و غولدا مائير و موشي دايان بالحماقة بل وبالتواطؤ، وكاد يتهمهم بالخيانة، لأنهم، وعقب حرب الايام الستة في العام 1967 لم يبادورا الى ترحيل كل فلسطينيي الضفة الغربية، ولأنهم لم يصنعوا غزة البديلة في سيناء·
اللعب الجهنمي
الآن وصل رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس الى واشنطن، لاحظوا ماذا حصل، الدبابات الاسرائيلية توغلت رغم الهدنة، في بعض مناطق غزة، واضح ان حكومة ارييل شارون تبغي الالتفاف على أي نتائج يمكن ان تسفر عنها محادثات المسؤول الفلسطيني مع الرئيس جورج دبليو بوش في البيت الأبيض، هكذا تنحصر مهمة عباس في اطفاء الحرائق الاخيرة، لا مجال للبحث في جوهر المسألة، فالأولوية هي لمنع الأحداث من التفاعل، هذا اسلوب اسرائيلي بات معروفا تماما، ذلك اللعب الجهنمي بالوقت، تابعوا مذكرات او تصريحات القادة الاسرائيليين، عقب مؤتمر مدريد في خريف العام ،1991 لم يتردد اسحق شامير في القول انه كان يريد ان يماطل لمدة عشر سنوات في المفاوضات الى حين تتآكل كليا اعصاب (وطلبات) المفاوض الفلسطيني، اخطأ شامير ، ان التسويف تجاوز عشر سنوات وتناوب عليه اسحق رابين ، وشمعون بيريس، وبنيامين نتنياهو وايهود باراك واخيرا ارييل شارون، اما اين اصبح اتفاق اوسلو، على الأقل ابتلعته خارطة الطريق، اين اصبحت خارطة الطريق؟ ذاك الدبلوماسي الروسي الذي يقول بسخرية مرّة: لقد ضلت طريقها ·
لكن الرئيس جورج دبليو بوش تعهد، وعبر الرؤية التي طرحها بإقامة الدولة الفلسطينية قبل انتهاء ولايته الثانية، الذين يتابعون الايقاع الاسرائيلي يلاحظون، وبالعين المجردة، ان ارييل شارون يريد القفز فوق جورج دبليو بوش، هذا ما يؤكده مسؤولون فلسطينيون، على رأسهم زعيم حركة فتح فاروق القدومي الذي لا يثق البتة بأن السياق التفاوضي الراهن بكل عثراته يمكن ان يفضي الى نتيجة حقيقية، دائماً الأمور تعود الى نقطة الصفر·
المفاوضات·· والنيران
إذا كان الانسحاب من قطاع غزة يتطلب كل ذلك الوقت، وكل ذلك الجهد، فكم يتطلب الانسحاب من مستوطنات الضفة الغربية وحيث جدار الفصل يمتد ليخترق المناطق المحيطة بمدينة القدس؟
المفاوضات بواسطة النيران (الأبدية)
رئيس لجنة الشؤون الخارجية والأمن في الكنيست النائب الليكودي يوفال شتاينتس دعا الى شن حملة السور الواقي رقم 2 في غزة للحيلولة دون حركة المقاومة الإسلامية (حماس) والسيطرة على القطاع·
الأمور تذهب الى ابعد من ذلك·· المطلوب من الرئيس محمود عباس ان يشن حربا كاسحة ضد حماس وحركة الجهاد الإسلامي لاجتثاثهما عسكريا وسياسيا، هذا كما ان المفاوضات لا يمكن ان تستقيم بالنسبة الى المسائل الفلسطينية الأخرى الا بعد تدمير حزب الله في لبنان، دائما تتناسل الشروط الاسرائيلية، يسخر مسؤول فلسطيني في مخيم عين الحلوة: قد يشترطون غدا ان نأتيهم برأس أسامة بن لادن·· ·
مفاوضات العالم الآخر
هذا ليس غريباً ابدا لمن تابع الطريق الدبلوماسي الذي يسلكه الاسرائيليون، الطريق الى اللاشيء، وآمنون كابيلوك اعتبر اننا قد نكمل مفاوضات الحل النهائي في العالم الآخر ، مع اشارته الى ان اليهودية قطعت علاقتها مع العالم الآخر بنفي وجوده·
الأزمة العراقية اكثر ملامسة للوجوه في واشنطن، انك تجدها في كل مكان، ازمة أميركية بكل ما تعنيه الكلمة، لا ريب اننا أمام قوة عسكرية قادرة على خوض الحروب على سطح كواكب أخرى، ولكن ألا يقول برنت سكروكرفتاننا نحاول ان نسبر أغوار كل الكواكب الأخرى، ولكن ما هو حجم الجهود التي نبذلها لكي نفهم كوكبنا؟ ·
قوة عسكرية أسطورية، وهشاشة سياسية تكاد تكون اسطورية فعلاً، مقال في لوس انجلوس تايمس: حادثة غرق في نهر دجلة ، الغريق، بطبيعة الحال، هو الامبراطورية الاميركية، صورة مذهلة وواقعية ايضا، الاميركيون يغرقون، يفترض بالآخرين، كل الآخرين، ان يغرقوا معهم·
اللافت انهم يعتبرون ان دمشق تحوّلت الى غرف عمليات لمعظم أحداث العنف التي تجري، والى حد القول ان الأراضي السورية استضافت مؤتمرا لجماعة أحمد الخلايلة (أبومصعب الزرقاوي) الذي تفصله عن دمشق مسافات سياسية وايديولوجية كبيرة، لا معطيات حسية توضع بين يدي الإعلاميين وحتى الدبلوماسيين، ولكن هناك قناعة لدى الجميع بأن السوريين متورطون، وبأنهم يقاتلون الولايات المتحدة، عبر الأراضي العراقية، مع ان سفيرا عربيا في واشنطن يقول لنا ان السوريين يقاتلون من اجل دقيقة اتصال ، ولو عبر الأقمار الاصطناعية مع ادارة الرئيس بوش ·
النظرة الى العاصمة السورية اخطر بكثير من ان يتم التغاضي عنها، ان الكثيرين في واشنطن يتحدثون عن الاحتمالات الحساسة جدا، فلابد من تصحيح الأوضاع في دمشق ، وبعدما أخفقت كل المساعي وكل الضغوط وكل التهديدات في ثني السوريين عن التدخل في العراق، وايضا عن التدخل في لبنان·
لابد ان تسأل: هل دقت الساعة السورية في واشنطن؟ ، الواضح ان ثمة شيئاً ما يعد ضد السوريين، لا معلومات دقيقة، لكن هذا هو المناخ العام داخل الادارة، قد لا يحتاج الأمر الى خيارات عسكرية، واللافت ان وسائل الإعلام الاميركية تعاطت باهتمام مع اعلان رفعت الأسد شقيق الرئيس الراحل حافظ الأسد، اعتزامه العودة الى بلاده بعد سنوات النفي الطويلة لـممارسة العمل السياسي مع ابناء الشعب السوري لإقامة مجتمع العدالة والحرية والمساواة، والناطق باسمه قال انه ذاهب الى سوريا لتحقيق الوحدة الوطنية لأن الوضع هناك خطير·
تساؤلات كثيرة في الأوساط الإعلامية السورية حول خلفيات وأبعاد رغبة الأسد وفي هذا الوقت بالذات الذي تتصاعد فيه الحملة الاميركية على دمشق وعلى ذلك النحو الكثيف·
التعامل التلفزيوني
كل المساعي التي بذلت حتى الآن لم تقترن بأي نتيجة، فللأميركيين شروطهم التي يقول السوريون انها شروط واقعية، خرجوا من لبنان، وأصبح ملف حزب الله في يد السلطة اللبنانية التي هي، في الوقت الحاضر، سلطة انتقالية بانتظار اجراء الانتخابات النيابية وتشكيل حكومة جديدة بعد العشرين من يونيو الجاري، نافين ان يكون هناك وجود استخباراتي سوري في لبنان، وهم يسألون: ما هو المنطق في أن يبقى مثل هذا الوجود؟ وما هو السبب؟، أما بالنسبة الى العراق، فهناك تأكيد بأن السلطات السورية تبذل قصارى جهدها من أجل منع التسلل، ثم ان الولايات المتحدة تمتلك وسائل متطورة جداً للمراقبة، فلماذا لا تحول دون هذا التسلل في حال حصوله، مع استعداد دمشق للتعاون، لكن الاميركيين يتعاملون تلفزيونيا معنا، فيما المطلوب ان تدرس المسائل بجدية ودقة على الأرض، وهذا ما أوضحناه لـريتشارد ارميتاج حين زارنا، وتم الاتفاق على خطوات عملية، لكن الجانب الأميركي لم يتعاون، ولم يبذل جهوداً حقيقية في هذا المجال، حسبما يقول مصدر سوري مسؤول·ولكن هناك مسألتين يجري التداول بشأنهما في واشنطن، كلام خطير حول معلومات ستوضع بين يدي لجنة التحقيق في قضية اغتيال رئيس الحكومة اللبناني الراحل رفيق الحريري وقائلو هذا الكلام يضيفون ان تلك المعلومات ستكون بمستوى الزلزال الذي رافق عملية الاغتيال، يتوقف الكلام هنا، ولكن ليشير مسؤولون في الادارة الى ان الأبواب ستظل موصدة الى ان تنتهي لجنة التحقيق التي يرأسها الألماني ديتليف ميليس صاحب الباع الشهير في الوصول الى اقصى مكان في بيت العنكبوت·
الكل بات يعرف ان هناك مَن يذكر اسماء معينة، حتى وان استبق تحقيقات لجنة التحقيق، وبالطبع، فإن مسألة على هذا المستوى من الحساسية قد تخضع للتسييس المنظم ولأغراض دقيقة ومهمة·
حزب الله
المسألة الثانية هي حزب الله، القرار الأميركي هو حل الجناح العسكري للحزب، ودون أي بحث آخر، ونائب وزير الخارجية الأميركية روبرت زوليك قال ان الحزب سيبدأ يشعر بالضغط المحلي من اللبنانيين بنزع أسلحته، وتساءل: هل سيأخذ الطريق السياسي أم طريق الميليشيات؟ أعتقد انه ستكون هناك ضغوط عليه للتخلي عن الطريق المسلح، هذا فيما كان نائب مساعد وزيرة الخارجية سكوت كاربنتر يقول ان واشنطن تراقب تحركات القوات السورية للتأكد من انها لن تعود·· ونحن كمجتمع دولي علينا التأكد من ان الانسحاب السوري ليس مؤقتا أو قصيرا·· كما اننا نحتاج الى التأكد من منع الاغراء على العودة من الباب الخلفي او الباب الجانبي أو القبو، أو السطح، أو أية نافذة تُركت مفتوحة·
كاربنتر الذي رأى ان قرار مجلس الأمن الدولي رقم 1959 ينص بوضوح على ضرورة نزع أسلحة الجماعات في لبنان، وجه كلمات لاذعة لايران، متهماً اياها بتحويل ملايين الدولارات شهريا الى حزب الله قائلا انه يسعى الى اسقاط نظام الحكم في لبنان بالقوة، هذا ليضيف ان الادارة ستستمر في الضغط بشدة على كل من سوريا وايران لوقف تمويل الحزب الذي سيبقى على لائحتنا الإرهابية·
هذا الكلام تزامن أو تداخل مع تحذير وزيرة الخارجية كوندوليزا رايس النظام في سوريا بأن هذه ليست بمنأى عن التغييرات في الشرق الأوسط، لتضيف: نحن قلقون، خصوصا من تصرفها لناحية حدودها، والدعم الذي تقدمه للإرهابيين على ما يبدو على الأراضي السورية، أي دعماً مالياً للارهاب الذي يمكن ان يأتي من سوريا·
وقالت رايس التي يتردد في زوايا الحزب الجمهوري انها قد تكون مرشحة للانتخابات الرئاسية في العام 2008 لتصبح أول رئيسة سوداء للولايات المتحدة انه حان الوقت لتأخذ سوريا بالاعتبار انها، وبكل وضوح، متأخرة عما يجري في المنطقة·
تلك التصريحات أو المواقف المتلاحقة التي تصدر عن واشنطن حيال سوريا ليست طبيعية ابدا، انها تعيد الى الذاكرة الحملة التي شُنت على بغداد قبل الدخول اليها، هناك في عاصمة الرشيد كان التذرع بأسلحة الدمار الشامل التي ثبت عدم وجودها، ولكن ليثبت ان في رأس ادارة الرئيس بوش مشروع الشرق الأوسط الكبير، وهنا في عاصمة الأمويين التذرع بالتدخلات في كل الاتجاهات وعبر كل الملفات التي تعني الولايات المتحدة، وتكاد دمشق تصرخ بأعلى صوتها بأنها ابتعدت عن كل هذه الملفات، وان المطلوب منها يتجاوز ما يطرح الآن في العلن، هذا صحيح، فالأميركيون يريدون من سوريا شيئا آخر: ابرام معاهدة سلام مع اسرائيل بمواصفات معينة سبق للسوريين ورفضوها، فإذا كان ذلك مستحيلا بالنسبة الى النظام، عليه ان يساعد، وبكل الوسائل، على تفكيك الترسانة العسكرية لـحزب الله من خلال الضغوط، كما من خلال منع وصول أي اعتدة للحزب عبرها، وبالتالي عدم اثارة اي ضجيج في حال دفع لبنان الى توقيع اتفاقية أمنية مع الدولة العبرية إذا كان يتعذر، في الوقت الحاضر، ابرام اتفاقية سياسية، وإن كانت الأولوية لمثل هذه الاتفاقية·
لا شيء هنا يتعلق بمرتفعات الجولان التي لا يمكن ان يتخلى ارييل شارون عنها، أو عن الجزء الأكبر منها، وهذا ما يثير تعجب الدبلوماسي المخضرم ادوارد جيرجيان الذي يسأل عن طبيعة تلك التسوية التي تقوم على مبدأ كل شيء لأحد الطرفين ولا شيء للطرف الآخر·
أيها السوريون·· تنازلوا
الأزمة السورية - الإسرائيلية أزمة اخرى، والذين اطلعوا على خارطة الطريق، وعلى ما ورد فيها بالنسبة الى المسارين التفاوضيين اللبناني والسوري يلاحظون ان ما ورد انما هو من باب العتب، ودون أي اشارة الى الأرض السورية، مع الإقرار بالالتباس الذي يحيط بموضوع مزارع شبعا·ومع ذلك، فإن السوريين الذين يحتل الاسرائيليون أراضيهم هم الذين يجب ان يتنازلوا، وهنا في واشنطن كثيرون مقتنعون بأن لدمشق، ورغم حالة الضعف الشديد التي تعيشها حاليا، خطوطا حمراء لا يمكن ان تتخطاها ابدا، ومهما كان حجم الضغوط وريتشارد مورفي الدبلوماسي المعروف، يسأل، بكل بساطة: هل اذا قام نظام بديل في سوريا يستطيع تلبية الطلبات الاميركية؟ ولنفترض انه يلبي، فالسؤال التالي: كم يستطيع اي نظام ان يعيش اذا فعل هذا؟ماذا عن الأزمة الأميركية - الإيرانية؟ هنا ايضا بوابة كبرى للخطر الكبير، في الغرف الداخلية للادارة، وُضعت كل الاحتمالات العسكرية على الطاولة، لا مجال البتة لكي تصبح القنبلة بين يدي آيات الله، هذا الموقف نقل الى الدول الأوروبية التي تتولى الوساطة، والمعتدلون داخل الادارة، وهم قلّة قليلة، يقولون ان طهران ملتزمة عدم الاقتراب من الخط الأحمر لأنها تعرف العواقب الكارثية لذلك، ولكن لابد من المناورة باتجاه هدف ما، أي هدف؟ شيء ما يشبه·· حرب الاستنزاف·
مواقف وظلال·· هذا عنوان كتاب يعده الآن برنت سكروكرفت مستشار الأمن القومي في عهد الرئيس جورج دبليو بوش، مَن يقرأ المواقف عليه أن يقرأ الظلال ايضا، اذا استطاع الى ذلك سبيلاً!
الأميركيون يعالجون كل شيء إما بالجراحة العسكرية أو بالجراحة الدبلوماسية، أو حتى بغسل اليدين، على الأقل انفقوا ملايين الساعات الدبلوماسية على مدى نصف القرن المنصرم دون طائل، لابد ان يكون هناك سبب اكبر من كل السياسات الاميركية، نحاول ان نفتش في زوايا أزمة المنطقة عن السبب·
أزمة في العراق، وأزمة مع السوريين الذين تؤكد كل الدلائل على انهم باتوا في منطقة الخطر، وأزمة مع ايران التي بات مؤكدا انها لن تصنع القنبلة لأنها تدرك العواقب الكارثية، لذلك التجاذب لاستنزاف المواقف ليس أكثر·
إطلالة بانورامية من أورينت برس على تلك الأزمات:
حين تنظر من واشنطن الى الشرق الأوسط: أي عبقري صنع كل هذه الأزمات؟ تجد مَن يقاطعك في الحال·· بل أي غبي؟
في كل منطقة اخرى من العالم، جرى أو يجري احتواء الأزمات، أو اخمادها، أو تعليبها، أو ارجاؤها، أو حلها بطبيعة الحال، وان كانت الأزمات عادة اكبر من حلولها حتى انه أبرمت منذ عهد البابا جوليان الثاني في مطلع القرن السادس عشر وحتى انشاء عصبة الأمم في القرن الفائت 4 آلاف معاهدة واتفاقية ذهبت جميعها ادراج الرياح·
ولكن هناك كل الأزمات إما انها تبتعد عن الضوء أو انها تبتعد عن النار، في المنطقة، كل أزمة تندلع تبدو وكأنها تظل مفتوحة الى الأبد، وإذا ما تمت معالجتها بطريقة ما، تظل قاب قوسين أو أدنى من أن تنفجر ثانية·
هذا قد يعود الى الاحتياطي اللاهوتي الذي يتجاوز خيال المنطقة (ألم تظهر كل الأديان بل وكل الماورائيات هنا بدءاً من الميتولوجيا السومرية وانتهاء بالميتولوجيا الفرعونية؟)، وايضا قد يعود الى الاحتياطي النفطي الذي يتجاوز واقع المنطقة، لنلاحظ كم التهمت الأزمات والحروب التي لا طائل تحتها كل تلك الثروات، الباب مشرّع دوما على مصراعيه·
·· هنا يتدخل الشيطان
مَن يستطيع أن يصدّق ان الولايات المتحدة، وبكل ثقلها، وبكل جنونها الدبلوماسي أو العسكري، لم تتمكن من تسوية الصراع بين الفلسطينيين والإسرائيليين، ووزيرة الخارجية الأميركية السابقة مادلين أولبرايت وصلت الى حد التساؤل: الى أي حد يتدخل الشيطان في هذه الأزمة؟ ، هذا مجرد هروب ميتافيزيقي ساذج، الاسرائيليون عقدوا معاهدة سلام مع مصر وانسحبوا من شبه جزيرة سيناء، عقدوا معاهدة سلام مع الأردن وقايضوا ارضا بأرض كما انهم خرجوا من جنوب لبنان بفعل المطرقة العسكرية، وكادوا يبرمون معاهدة سلام مع سوريا لولا بعض الأمتار على ضفاف بحيرة طبريا، عندما يتعلق الأمر بفلسطين تنقلب الصورة تماما·
من الصعب ان يدخل في الوعي (أو اللاوعي) السياسي (أو الايديولوجي) الاسرائيلي هذا المشهد: دولة فلسطينية على تماس مع الدولة اليهودية، غريب ان يعلنوا خشيتهم من ان يبتلعنا الفلسطينيون كما يقول أحد قادة المستوطنين ابرايم شولامي مع انهم يفاخرون علنا بالترسانة التوراتية، وسرا، بالترسانة النووية·
المشكلة ليست هنا اولبرايت تحدثت عن مليون ساعة من الدبلوماسية ذهبت سدى، آخرون يقدمون ارقاما اكبر بكثير، المشكلة في ان الولايات المتحدة لم تتمكن من ان ترغم الدولة العبرية على التقهقر قيد انملة في الموضوع الفلسطيني، بالطبع هناك مَن يعود بالذاكرة الى العام 1956 وحملة السويس، حين أرغم الرئيس دوايت ايزنهاور ديفيد بن غوريون ومعه موشي دايان على الانسحاب من سيناء، بكى ''دايان لأن الصحراء جزء لا يتجزأ من اسرائيل الكبرى، ولأن التواجد على ضفاف قناة السويس هو أشبه ما يكون بالتواجد على تخوم القاهرة، مرة اخرى، ما ينطبق على المصريين، حتى ولو كانوا بقيادة جمال عبدالناصر ، لا ينطبق على الفلسطينيين، ودون ان يبقى سراً ان ارييل شارون نفسه اتهم ليفي اشكول و غولدا مائير و موشي دايان بالحماقة بل وبالتواطؤ، وكاد يتهمهم بالخيانة، لأنهم، وعقب حرب الايام الستة في العام 1967 لم يبادورا الى ترحيل كل فلسطينيي الضفة الغربية، ولأنهم لم يصنعوا غزة البديلة في سيناء·
اللعب الجهنمي
الآن وصل رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس الى واشنطن، لاحظوا ماذا حصل، الدبابات الاسرائيلية توغلت رغم الهدنة، في بعض مناطق غزة، واضح ان حكومة ارييل شارون تبغي الالتفاف على أي نتائج يمكن ان تسفر عنها محادثات المسؤول الفلسطيني مع الرئيس جورج دبليو بوش في البيت الأبيض، هكذا تنحصر مهمة عباس في اطفاء الحرائق الاخيرة، لا مجال للبحث في جوهر المسألة، فالأولوية هي لمنع الأحداث من التفاعل، هذا اسلوب اسرائيلي بات معروفا تماما، ذلك اللعب الجهنمي بالوقت، تابعوا مذكرات او تصريحات القادة الاسرائيليين، عقب مؤتمر مدريد في خريف العام ،1991 لم يتردد اسحق شامير في القول انه كان يريد ان يماطل لمدة عشر سنوات في المفاوضات الى حين تتآكل كليا اعصاب (وطلبات) المفاوض الفلسطيني، اخطأ شامير ، ان التسويف تجاوز عشر سنوات وتناوب عليه اسحق رابين ، وشمعون بيريس، وبنيامين نتنياهو وايهود باراك واخيرا ارييل شارون، اما اين اصبح اتفاق اوسلو، على الأقل ابتلعته خارطة الطريق، اين اصبحت خارطة الطريق؟ ذاك الدبلوماسي الروسي الذي يقول بسخرية مرّة: لقد ضلت طريقها ·
لكن الرئيس جورج دبليو بوش تعهد، وعبر الرؤية التي طرحها بإقامة الدولة الفلسطينية قبل انتهاء ولايته الثانية، الذين يتابعون الايقاع الاسرائيلي يلاحظون، وبالعين المجردة، ان ارييل شارون يريد القفز فوق جورج دبليو بوش، هذا ما يؤكده مسؤولون فلسطينيون، على رأسهم زعيم حركة فتح فاروق القدومي الذي لا يثق البتة بأن السياق التفاوضي الراهن بكل عثراته يمكن ان يفضي الى نتيجة حقيقية، دائماً الأمور تعود الى نقطة الصفر·
المفاوضات·· والنيران
إذا كان الانسحاب من قطاع غزة يتطلب كل ذلك الوقت، وكل ذلك الجهد، فكم يتطلب الانسحاب من مستوطنات الضفة الغربية وحيث جدار الفصل يمتد ليخترق المناطق المحيطة بمدينة القدس؟
المفاوضات بواسطة النيران (الأبدية)
رئيس لجنة الشؤون الخارجية والأمن في الكنيست النائب الليكودي يوفال شتاينتس دعا الى شن حملة السور الواقي رقم 2 في غزة للحيلولة دون حركة المقاومة الإسلامية (حماس) والسيطرة على القطاع·
الأمور تذهب الى ابعد من ذلك·· المطلوب من الرئيس محمود عباس ان يشن حربا كاسحة ضد حماس وحركة الجهاد الإسلامي لاجتثاثهما عسكريا وسياسيا، هذا كما ان المفاوضات لا يمكن ان تستقيم بالنسبة الى المسائل الفلسطينية الأخرى الا بعد تدمير حزب الله في لبنان، دائما تتناسل الشروط الاسرائيلية، يسخر مسؤول فلسطيني في مخيم عين الحلوة: قد يشترطون غدا ان نأتيهم برأس أسامة بن لادن·· ·
مفاوضات العالم الآخر
هذا ليس غريباً ابدا لمن تابع الطريق الدبلوماسي الذي يسلكه الاسرائيليون، الطريق الى اللاشيء، وآمنون كابيلوك اعتبر اننا قد نكمل مفاوضات الحل النهائي في العالم الآخر ، مع اشارته الى ان اليهودية قطعت علاقتها مع العالم الآخر بنفي وجوده·
الأزمة العراقية اكثر ملامسة للوجوه في واشنطن، انك تجدها في كل مكان، ازمة أميركية بكل ما تعنيه الكلمة، لا ريب اننا أمام قوة عسكرية قادرة على خوض الحروب على سطح كواكب أخرى، ولكن ألا يقول برنت سكروكرفتاننا نحاول ان نسبر أغوار كل الكواكب الأخرى، ولكن ما هو حجم الجهود التي نبذلها لكي نفهم كوكبنا؟ ·
قوة عسكرية أسطورية، وهشاشة سياسية تكاد تكون اسطورية فعلاً، مقال في لوس انجلوس تايمس: حادثة غرق في نهر دجلة ، الغريق، بطبيعة الحال، هو الامبراطورية الاميركية، صورة مذهلة وواقعية ايضا، الاميركيون يغرقون، يفترض بالآخرين، كل الآخرين، ان يغرقوا معهم·
اللافت انهم يعتبرون ان دمشق تحوّلت الى غرف عمليات لمعظم أحداث العنف التي تجري، والى حد القول ان الأراضي السورية استضافت مؤتمرا لجماعة أحمد الخلايلة (أبومصعب الزرقاوي) الذي تفصله عن دمشق مسافات سياسية وايديولوجية كبيرة، لا معطيات حسية توضع بين يدي الإعلاميين وحتى الدبلوماسيين، ولكن هناك قناعة لدى الجميع بأن السوريين متورطون، وبأنهم يقاتلون الولايات المتحدة، عبر الأراضي العراقية، مع ان سفيرا عربيا في واشنطن يقول لنا ان السوريين يقاتلون من اجل دقيقة اتصال ، ولو عبر الأقمار الاصطناعية مع ادارة الرئيس بوش ·
النظرة الى العاصمة السورية اخطر بكثير من ان يتم التغاضي عنها، ان الكثيرين في واشنطن يتحدثون عن الاحتمالات الحساسة جدا، فلابد من تصحيح الأوضاع في دمشق ، وبعدما أخفقت كل المساعي وكل الضغوط وكل التهديدات في ثني السوريين عن التدخل في العراق، وايضا عن التدخل في لبنان·
لابد ان تسأل: هل دقت الساعة السورية في واشنطن؟ ، الواضح ان ثمة شيئاً ما يعد ضد السوريين، لا معلومات دقيقة، لكن هذا هو المناخ العام داخل الادارة، قد لا يحتاج الأمر الى خيارات عسكرية، واللافت ان وسائل الإعلام الاميركية تعاطت باهتمام مع اعلان رفعت الأسد شقيق الرئيس الراحل حافظ الأسد، اعتزامه العودة الى بلاده بعد سنوات النفي الطويلة لـممارسة العمل السياسي مع ابناء الشعب السوري لإقامة مجتمع العدالة والحرية والمساواة، والناطق باسمه قال انه ذاهب الى سوريا لتحقيق الوحدة الوطنية لأن الوضع هناك خطير·
تساؤلات كثيرة في الأوساط الإعلامية السورية حول خلفيات وأبعاد رغبة الأسد وفي هذا الوقت بالذات الذي تتصاعد فيه الحملة الاميركية على دمشق وعلى ذلك النحو الكثيف·
التعامل التلفزيوني
كل المساعي التي بذلت حتى الآن لم تقترن بأي نتيجة، فللأميركيين شروطهم التي يقول السوريون انها شروط واقعية، خرجوا من لبنان، وأصبح ملف حزب الله في يد السلطة اللبنانية التي هي، في الوقت الحاضر، سلطة انتقالية بانتظار اجراء الانتخابات النيابية وتشكيل حكومة جديدة بعد العشرين من يونيو الجاري، نافين ان يكون هناك وجود استخباراتي سوري في لبنان، وهم يسألون: ما هو المنطق في أن يبقى مثل هذا الوجود؟ وما هو السبب؟، أما بالنسبة الى العراق، فهناك تأكيد بأن السلطات السورية تبذل قصارى جهدها من أجل منع التسلل، ثم ان الولايات المتحدة تمتلك وسائل متطورة جداً للمراقبة، فلماذا لا تحول دون هذا التسلل في حال حصوله، مع استعداد دمشق للتعاون، لكن الاميركيين يتعاملون تلفزيونيا معنا، فيما المطلوب ان تدرس المسائل بجدية ودقة على الأرض، وهذا ما أوضحناه لـريتشارد ارميتاج حين زارنا، وتم الاتفاق على خطوات عملية، لكن الجانب الأميركي لم يتعاون، ولم يبذل جهوداً حقيقية في هذا المجال، حسبما يقول مصدر سوري مسؤول·ولكن هناك مسألتين يجري التداول بشأنهما في واشنطن، كلام خطير حول معلومات ستوضع بين يدي لجنة التحقيق في قضية اغتيال رئيس الحكومة اللبناني الراحل رفيق الحريري وقائلو هذا الكلام يضيفون ان تلك المعلومات ستكون بمستوى الزلزال الذي رافق عملية الاغتيال، يتوقف الكلام هنا، ولكن ليشير مسؤولون في الادارة الى ان الأبواب ستظل موصدة الى ان تنتهي لجنة التحقيق التي يرأسها الألماني ديتليف ميليس صاحب الباع الشهير في الوصول الى اقصى مكان في بيت العنكبوت·
الكل بات يعرف ان هناك مَن يذكر اسماء معينة، حتى وان استبق تحقيقات لجنة التحقيق، وبالطبع، فإن مسألة على هذا المستوى من الحساسية قد تخضع للتسييس المنظم ولأغراض دقيقة ومهمة·
حزب الله
المسألة الثانية هي حزب الله، القرار الأميركي هو حل الجناح العسكري للحزب، ودون أي بحث آخر، ونائب وزير الخارجية الأميركية روبرت زوليك قال ان الحزب سيبدأ يشعر بالضغط المحلي من اللبنانيين بنزع أسلحته، وتساءل: هل سيأخذ الطريق السياسي أم طريق الميليشيات؟ أعتقد انه ستكون هناك ضغوط عليه للتخلي عن الطريق المسلح، هذا فيما كان نائب مساعد وزيرة الخارجية سكوت كاربنتر يقول ان واشنطن تراقب تحركات القوات السورية للتأكد من انها لن تعود·· ونحن كمجتمع دولي علينا التأكد من ان الانسحاب السوري ليس مؤقتا أو قصيرا·· كما اننا نحتاج الى التأكد من منع الاغراء على العودة من الباب الخلفي او الباب الجانبي أو القبو، أو السطح، أو أية نافذة تُركت مفتوحة·
كاربنتر الذي رأى ان قرار مجلس الأمن الدولي رقم 1959 ينص بوضوح على ضرورة نزع أسلحة الجماعات في لبنان، وجه كلمات لاذعة لايران، متهماً اياها بتحويل ملايين الدولارات شهريا الى حزب الله قائلا انه يسعى الى اسقاط نظام الحكم في لبنان بالقوة، هذا ليضيف ان الادارة ستستمر في الضغط بشدة على كل من سوريا وايران لوقف تمويل الحزب الذي سيبقى على لائحتنا الإرهابية·
هذا الكلام تزامن أو تداخل مع تحذير وزيرة الخارجية كوندوليزا رايس النظام في سوريا بأن هذه ليست بمنأى عن التغييرات في الشرق الأوسط، لتضيف: نحن قلقون، خصوصا من تصرفها لناحية حدودها، والدعم الذي تقدمه للإرهابيين على ما يبدو على الأراضي السورية، أي دعماً مالياً للارهاب الذي يمكن ان يأتي من سوريا·
وقالت رايس التي يتردد في زوايا الحزب الجمهوري انها قد تكون مرشحة للانتخابات الرئاسية في العام 2008 لتصبح أول رئيسة سوداء للولايات المتحدة انه حان الوقت لتأخذ سوريا بالاعتبار انها، وبكل وضوح، متأخرة عما يجري في المنطقة·
تلك التصريحات أو المواقف المتلاحقة التي تصدر عن واشنطن حيال سوريا ليست طبيعية ابدا، انها تعيد الى الذاكرة الحملة التي شُنت على بغداد قبل الدخول اليها، هناك في عاصمة الرشيد كان التذرع بأسلحة الدمار الشامل التي ثبت عدم وجودها، ولكن ليثبت ان في رأس ادارة الرئيس بوش مشروع الشرق الأوسط الكبير، وهنا في عاصمة الأمويين التذرع بالتدخلات في كل الاتجاهات وعبر كل الملفات التي تعني الولايات المتحدة، وتكاد دمشق تصرخ بأعلى صوتها بأنها ابتعدت عن كل هذه الملفات، وان المطلوب منها يتجاوز ما يطرح الآن في العلن، هذا صحيح، فالأميركيون يريدون من سوريا شيئا آخر: ابرام معاهدة سلام مع اسرائيل بمواصفات معينة سبق للسوريين ورفضوها، فإذا كان ذلك مستحيلا بالنسبة الى النظام، عليه ان يساعد، وبكل الوسائل، على تفكيك الترسانة العسكرية لـحزب الله من خلال الضغوط، كما من خلال منع وصول أي اعتدة للحزب عبرها، وبالتالي عدم اثارة اي ضجيج في حال دفع لبنان الى توقيع اتفاقية أمنية مع الدولة العبرية إذا كان يتعذر، في الوقت الحاضر، ابرام اتفاقية سياسية، وإن كانت الأولوية لمثل هذه الاتفاقية·
لا شيء هنا يتعلق بمرتفعات الجولان التي لا يمكن ان يتخلى ارييل شارون عنها، أو عن الجزء الأكبر منها، وهذا ما يثير تعجب الدبلوماسي المخضرم ادوارد جيرجيان الذي يسأل عن طبيعة تلك التسوية التي تقوم على مبدأ كل شيء لأحد الطرفين ولا شيء للطرف الآخر·
أيها السوريون·· تنازلوا
الأزمة السورية - الإسرائيلية أزمة اخرى، والذين اطلعوا على خارطة الطريق، وعلى ما ورد فيها بالنسبة الى المسارين التفاوضيين اللبناني والسوري يلاحظون ان ما ورد انما هو من باب العتب، ودون أي اشارة الى الأرض السورية، مع الإقرار بالالتباس الذي يحيط بموضوع مزارع شبعا·ومع ذلك، فإن السوريين الذين يحتل الاسرائيليون أراضيهم هم الذين يجب ان يتنازلوا، وهنا في واشنطن كثيرون مقتنعون بأن لدمشق، ورغم حالة الضعف الشديد التي تعيشها حاليا، خطوطا حمراء لا يمكن ان تتخطاها ابدا، ومهما كان حجم الضغوط وريتشارد مورفي الدبلوماسي المعروف، يسأل، بكل بساطة: هل اذا قام نظام بديل في سوريا يستطيع تلبية الطلبات الاميركية؟ ولنفترض انه يلبي، فالسؤال التالي: كم يستطيع اي نظام ان يعيش اذا فعل هذا؟ماذا عن الأزمة الأميركية - الإيرانية؟ هنا ايضا بوابة كبرى للخطر الكبير، في الغرف الداخلية للادارة، وُضعت كل الاحتمالات العسكرية على الطاولة، لا مجال البتة لكي تصبح القنبلة بين يدي آيات الله، هذا الموقف نقل الى الدول الأوروبية التي تتولى الوساطة، والمعتدلون داخل الادارة، وهم قلّة قليلة، يقولون ان طهران ملتزمة عدم الاقتراب من الخط الأحمر لأنها تعرف العواقب الكارثية لذلك، ولكن لابد من المناورة باتجاه هدف ما، أي هدف؟ شيء ما يشبه·· حرب الاستنزاف·
مواقف وظلال·· هذا عنوان كتاب يعده الآن برنت سكروكرفت مستشار الأمن القومي في عهد الرئيس جورج دبليو بوش، مَن يقرأ المواقف عليه أن يقرأ الظلال ايضا، اذا استطاع الى ذلك سبيلاً!
الاتحاد
