لماذا ينسي زعماؤنا إرث لورنس

Collapse
X
 
  • الوقت
  • عرض
Clear All
new posts
  • دعاءالخليج
    عضو متميز
    • Oct 2004
    • 10404

    #1

    لماذا ينسي زعماؤنا إرث لورنس

    لماذا ينسي زعماؤنا إرث لورنس
    (موضوع قرأته .. اتمنى ان ينال رضاكم)

    عندما يتعرض توني بلير إلى الانتقاد بسبب دوره في الحرب على العراق، فانه إما أن يفزع إلى الماضي أو أن يستشرف المستقبل. وقد بدأ الغزو فكرة طيبة في حينه، أو على الأقل "دعوا التاريخ ليكون القاضي الذي سيحكم عليّ"، كما قال، واتركوا الحاضر على حدة.
    وبأخذه على محمل كلامه، فقد فكرت توجيه دعوة إلى التاريخ، وجاء التاريخ عجوزاً متمتعة بصحة جيدة: مطوية الأكمام وتدحرج عصاً بين يديها. لكنها تشكو من ضغط العمل. ولا يمر شهر من دون تسريب جزء من حكاية عراقية أو ذكريات توضع على طاولة مطبخها.
    ومن بين كافة الألغاز، فان اغلب ما يتم الاستشهاد به هو أن العراق "كان عملية غزو كبيرة. تبا للاحتلال" فأبطال الحرب ومنتقدوها على حد سواء محتارون. فبالنسبة لأصدقاء أميركا الاستغلاليين في بريطانيا، يقدم الاحتلال الفوضوي لهم فرصة للخروج. وكأن البنتاغون قد أفسد المجد الناجم عن إسقاط صدام. والمضمون هو أنه لو تولى البريطانيون المسؤولية لكان العراق الآن يتمتع بديمقراطية مستقلة تفيض بالنفط.
    ولعل أعمدة الحكمة السبعة للورنس العرب تعتبر أطروحة مقدسة لهذا البحث. إذ إن احتلاله لدمشق في عام 1918 إنما يمثل تشابها مثيراً للعجب مع ما حصل في بغداد عام 2003. حيث أقدم على اندفاعة عبر الصحراء مستبقا جيش اللنبي مثلما استبقت قوات المارينز الاميركية قوات المشاة. وعند وصوله إلى المدينة بسيارة "رولز رويس" وجد المدينة وقد دبت فيها الفوضى بعد أن ترك الألمان والأتراك المتقهقرون مذبحة، وانهار النظام والقانون. وكانت فصائل محلية تقاتل لفرض السيطرة والاستيلاء على من سيتولى السلطة في ظل وعد (كذوب) من حلفائهم بالحصول على حكم ذاتي.
    وقد فهم لورنس في الحال، رغم شعوره بالإعياء أن عليه تعيين حاكم عسكري سوري ورئيس شرطة حتى يضمن الدعم المحلي. وطلب من كل المسؤولين، مهما كانت درجة ولائهم أن يلتحقوا بمراكز عملهم في الحال. وأرسل مهندسين لإصلاح إمدادات المياه وكهربائيين لإنارة الشوارع مع إرخاء الليل سدوله كإشارة إلى انه ما زال يسيطر على الأمور. كما عمل على ضمان استمرار إمدادات الغذاء، حتى انه تفقد شخصيا المستشفى الذي كان يعج بالجنود القتلى وآخرين يحتضرون. وكانت حصيلة زيارته تلك الأوج الدرامي "للأعمدة السبعة".
    وكتب احد المساعدين البريطانيين، وهو الكولونيل ستيرلينغ، عن عطلة نهاية الأسبوع تلك قائلا "كان يجب التفكير في ألف شيء وشيء. لكن لورنس لم يشعر بالضياع ولو لمرة واحدة. كان يقابل أي خروج على النظام برصاصة. كما عرف أيضا بان هذا لن يكون مجرد لحظة مجد عابرة. لقد أراد للأمير فيصل أن يحكم المنطقة العربية الجديدة، لكنه عندما سأله احد العرب عما إذا كانت قوات اللنبي ستأتي أجاب: "بالتأكيد، لكن المحزن هو أنها ربما لا تغادر بعد ذلك".
    لكن شيئاً من "الألف شيء وشيء" التي كانت لدى لورنس لم ينجز في بغداد على مدى ثلاث سنوات تقريباً، ناهيك عن ثلاثة أيام. ذلك أن الأخطاء الأولى التي تمثلت في التسامح مع موجة النهب، والتسريح الجماعي للجنود ومسؤولي حزب البعث كانت موضع تحليل مؤلفين متنوعين من أمثال بوب ودورد وبول اونيل وريتشارد كلارك وجورج بيكر ولاري دياموند وآلان ديفيد فيليبرن. وقد اجمعوا كلهم على خسارة العراق.
    إن كل شيء يظهر انه لم يكن هناك نقص في خطط الاحتلال. فخطة وزارة الخارجية كانت كبيرة حتى ضمت ألفي صفحة، وكلفت خمسة ملايين دولار أميركي، وشارك في إعدادها خمسة وسبعون من كبار المتخصصين الغربيين في الشؤون العربية، بالإضافة إلى مائتين وأربعين عراقيا. لكن دونالد رامسفيلد مزقها لأنها في رأيه كانت مزعجة وبطيئة وتطلبت عدداً كبيراً من القوات. وقد فضل رامسفيلد تأكيدات ديك تشيني وبول وولفويتز على أن من الممكن تنصيب احمد الجلبي في بغداد وتركه لتولي الأمور هناك. وقد اشتم رامسفيلد وجود واشنطن تتلاطمها الأمواج في مهمة لا ترمي إلى بناء أمة وإنما لبناء إمبراطورية. لقد أراد إن يرش على العراق بعضاً من ديمقراطية نخبة البنتاغون ثم يغادره.
    إن رسالة هذه الكتب هي انه مع ذهاب الولايات المتحدة إلى الحرب، فإن جيوش واشنطن الإيديولوجية كانت تتنازع حول نواياها. وكان من الممكن أن تحظى خطة وزارة الخارجية بحجم كاف من الدعم المحلي لفتح طريق نحو الاستقرار. لكنني اشك في ذلك. لقد حاول بول "جيري" بريمر تبعاً لذلك بعث الروح فيها، ولكن الذي حدث على الأثر هو أن رؤية المحافظين البديلة حول ترك الجلبي يغرق أو يطفو ربما كانت تشكل طريقاً أسرع نحو إقامة حكم ذاتي. وكما حدث فعلاً، فان إجمالي القضمة كان أكبر مما تستطيع واشنطن مضغه. إذ تطلب الأمر إحياء فكرة "عبء الرجل الأبيض" التي لم تستطع الديمقراطية الاميركية أن تتحملها. فالاميركيون لن يقبلوا بفكرة "أبق أبناءك في المنفى لخدمة احتياجات أسراك" إذ إنهم سيصابون بالملل ويعودون للوطن.
    ومنذ اللحظة التي أعلن فيها جورج بوش عن تحقيق النصر في العراق، اختار الرأي العام الاميركي الخروج. وفيما شاهد بريمر منطقة نفوذه تتحول إلى فوضى، كان يشاهد واشنطن وهي تفقد الاهتمام.
    وعندما حاول اعتقال مقتدى الصدر "الذي كان لورنس ليعلقه على عمود إنارة"، فان المارينز رفضوا ذلك. إذ إنهم لم يريدوا مزيدا من الخسائر. وجرى منع إمداد بريمر بقوات لحفظ الأمن وفرض القانون، فهام على وجهه يعيد تجهيز المستشفيات ويسك الأوراق النقدية ويشتري محاصيل الغذاء ويعيد بناء البنية التحتية، وقد جاء كل ذلك متأخرا. متأخرا ليس في العراق وإنما في واشنطن. وكانت صيحة البيت الأبيض دائما هي نفس الصيحة "يا جيري، لماذا كل هذا التأخير".
    وسرعان ما كان رامسفيلد يخطط للهرب من أفغانستان ليغرق فيها في النهاية بلير المخدوع دائما وأبدا. وكان آخر شيء أراده هو التزام طويل الأمد في العراق. وبالنسبة له، فإن العدو هو الشخص الذي تجده وتحاربه وتنساه. وليس سوى المحافظين الجدد وبلير يشعرون بالحاجة لأن تجعل من عدوك صديقا. لكن رامسفيلد ليس إمبرياليا، وهذه الحرب هي حرب رامسفيلد. أما بريمر فهو، لورنس الذي جاء متأخرا، فعلق.
    في كل هذه الكتب فان دولة العراق تبدو فكرة تجريدية بعيدة. ويكمن الدليل في إهمال واشنطن العرضي لإرثها القومي. وما زلت لا أستطيع التصديق بأن أي شخص اعتقد على نحو عقلاني بأن صدام كان يشكل تهديدا لأمن الغرب. وكما يروي التاريخ، فان مجتمع الاستخبارات قد اضطر إلى الخضوع لأوامر ألجأته إلى "تنافر معرفي" في كل من واشنطن ولندن لتقديم أكاذيب حول جدوى الحرب. أما الهدف الفعلي فهو المجد، والذي ظل يشكل لعقود إغواء للبسالة العسكرية الاميركية.
    أما ما لم يتطرق المؤلفون إلى شرحه فهو مسألة الكلب الذي لم ينبح في الليل. فلطالما "صنع" البريطانيون العراق دائما. وقد وضع المستعربون في وزارة الخارجية البريطانية النفس في لورنس منذ ولادته. وعليه، فإن المرء يتساءل: أين كانت بريطانيا في كل هذه النقاشات عندما كانت النتيجة شديدة الحساسية على سياستها الخارجية؟
    وهنا، يقف التاريخ منتظراً بشغف مذكرات جيرمي غيرينستوك التي لا تخضع للرقيب. ويجب أن يكون الحكم الفاصل هو أن بريطانيا عانت في عام 2003 من نوبة ما بعد ال*******، والتي تحددت كلية تقريبا في داوننغ ستريت. ما قاد لندن إلى تقديم دعم لم يتم التفكير فيه للجناح المسيطر في واشنطن بوش. وقد أهملت اهتمام الغرب الاستراتيجي في ميزان السنة والشيعة في الشرق الأوسط. كما غضت بصرها عن القاعدة التي تقول بأن لا شيء يجب أن يعزز مكانة إيران أو يعطي الغطاء لنزعة حب الانتقام عند الأكراد. أما بالنسبة لصدام، فكان يجب على الأقل استبداله بزعيم علماني قوي لدرجة كافية تمكنه من السيطرة على كل العراق.
    إن شيئاً من هذا القبيل لم يحدث، إذ إن كل هذا النوع من الدهاء السياسي قد ضاع في حرب واشنطن الأهلية، والتي أحسن وصفها كل من ودوارد وفيليبس. والحقيقة هي أن أميركا افتقرت إلى الانضباط الذاتي والثقة في بناء الدولة، ناهيك عن بناء الإمبراطورية. وربما يقوم رامسفيلد بقصف كل من يدخل مدى الرؤية عنده. لكن أي شخص يعتقد بأن أميركا ترغب، أو تقدر على أن تكون قوة إمبريالية، يستطيع أن يجد السلوى في تلك المسودات الأولى للتاريخ. ذلك أن الإمبراطوريات ليست للمتململين والمترددين.
    وربما يعقب لورنس الآن بأن الجيوش الإمبريالية عندما تصل، فإن "المحزن هو أنها ربما لن تغادر". وهو خطأ يبدو أن أميركا لن ترتكبه على الأرجح.

مواضيع مرتبطة

Collapse

جاري العمل...