
بعد مضي قرابة العام على تشكيل الحكومة الحالية برئاسة فؤاد السنيورة، يعتقد معارضو هذه الحكومة أن لا سبب مقنعاً لاستمرارها على قيد الحياة السياسية، وإن هناك العديد من الأسباب الوجيهة التي تفرض رحيلها اليوم قبل الغد. بالطبع، لا تبدو "الاكثرية" راهناً في وارد الاستجابة لرغبة خصومها في تغيير الحكومة واستبدالها بأخرى تحمل عنوان "الاتحاد الوطني"، أولاً لانها ستسعى جاهدة إلى عدم التفريط ب"المكاسب" التي توفرها لها التركيبة الوزارية القائمة والتي لن تحتفظ بها بالتأكيد في أي تركيبة جديدة، وثانياً لأنها تظن ان دمشق تقف خلف الحملة لإسقاط الحكومة على خلفية الرغبة في تعطيل او أقله تأخير تشكيل المحكمة الدولية.
يدرك خصوم هذه "الأكثرية" ان معركتهم لإسقاط الحكومة غير سهلة وان فريق 14 آذار ليس جمعية لمنح التبرعات السياسية، ولكنهم يعتقدون ان الوقت حليفهم وأن كل يوم يمر من شأنه ان يستنزف أكثر فأكثر مصداقية الحكومة التي أثبتت عجزها في كل المجالات، وإذ يسلّم هؤلاء بان إسقاط الحكومة بالضربة القاضية ينتظر التوقيت المناسب بعدما توفّرت جميع الشروط الموضوعية لرحيلها، يستغربون قول الرئيس فؤاد السنيورة إن حكومته باقية ما دامت ثقة المجلس النيابي فيها قائمة، لافتين الانتباه الى انه لم يحصل منذ الاستقلال أن سقطت أي من الحكومات الـ69 في مجلس النواب نتيجة سحب الثقة منها، بل إن كل الحكومات التي تغيّرت كانت تحوز على أكثرية المجلس عند رحيلها.
أما القول بأنه من المبكر المطالبة برحيل حكومة يقارب عمرها العام، فيردّ عليه معارضوها بالإشارة إلى أن العمر الوسطي للحكومات في لبنان لا يتعدّى التسعة أشهر، عدا عن ان فترة السماح هي في العادة ستة أشهر ولا يوجد ما يبرر تمديدها لانسداد أفق هذه الحكومة وشعور اللبنانيين بأنها أصبحت "مستهلكة" وقاصرة عن إعطائهم وعداً بغد أفضل، فكيف بأن تفي به، وهي التي لم تنجح في إقفال أي من الملفات التي فتحتها بدءاً من العلاقة مع سوريا مروراً بالورقة الاقتصادية وصولاً الى رئاسة الجمهورية وسلاح المقاومة.
وإذا كان البعض في فريق 14 آذار وخارجه يخشون من ان يؤدي إسقاط الحكومة الى "الفراغ"، مع احتمال تعذر الاتفاق على بديل عنها، يؤكد المتحمسون لرحيلها ان هذا القلق غير مبرر، لانه سبق للبنان ان مرّ في ظروف أسوأ في الماضي من دون ان يقع "الفراغ"، ويستشهد هؤلاء بزلزال اغتيال الرئيس الحريري وما تلاه من استقالة لحكومة الرئيس عمر كرامي، وسط انقسام حاد بين اللبنانيين في تلك الفترة كان أشدّ مما يسود حالياً، وبرغم ذلك تمّ "ابتكار" حكومة الرئيس نجيب ميقاتي.
ويشدّد أصحاب هذا الرأي على ان الدول الكبرى لا تسمح بحدوث "الفراغ"، لانه قد يشرّع أبواب لبنان أمام الفوضى التي سيستفيد منها بالدرجة الاولى تنظيم القاعدة، لا حزب الله، كما يفترض بعض المحللين. وهنا، تتداول الاوساط صاحبة هذه المقاربة معلومات مفادها ان الملك السعودي عبدالله أبلغ بعض زواره اللبنانيين أن "السيد حسن نصرالله هو في مكانة ابننا، وان حزب الله يُعدّ ضمانة من ضمانات الاستقرار في لبنان..".
وتبقى المحكمة الدولية التي تعتبر "الاكثرية" ان إجهاضها يمثل الهدف الفعلي للحملة الساعية الى تغيير الحكومة التي قطعت شوطاً بعيداً على طريق تأمين شروط ولادة المحكمة، في حين يرى خصومها ان هذا الطرح تمويه للحقيقة، لان المتحاورين بمختلف أطيافهم كانوا قد أجمعوا على مبدأ تأليف المحكمة ذات الطابع الدولي ومن بين هؤلاء الثنائي الشيعي الموجود في الحكومة الحالية أصلاً، والذي كان قد جمّد مفعول تحفظاته السابقة، اما المعني المباشر بالانضمام الى حكومة اتحاد وطني وهو التيار الوطني الحر فلا مشكلة لديه مع المحكمة الدولية.
ما هي الدوافع الحقيقية الكامنة إذاً خلف الدفاع المستميت لقوى 14 آذار عن الحكومة الحالية ورفض أي مساس بها؟
حسب قراءة المتحمسين لتغييرها، فإن الدوافع العميقة التي تدفع "الغالبية الحاكمة" الى التمسك بالحكومة التي تملك فيها أكثرية الثلثين تتراوح بين الاحتمالات الآتية:
تمرير المزيد من التعيينات الادارية، على قاعدة الاستئثار والهيمنة، خصوصاً مع شغور قرابة 50 مركزاً من أصل .140
إقرار مشروع قانون الانتخاب وفق مصالح الأكثرية الحاكمة.
إمكان تمرير نصوص "ملتبسة" في اتفاقية إنشاء المحكمة ذات الطابع الدولي قد لا تراعي شروط السيادة والقوانين اللبنانية.
ويرى الداعون الى رحيل الحكومة بأسرع وقت ممكن ان ربط دعوتهم بأمر عمليات سوري إنما يعكس تحكم "العقدة السورية" بفريق 14 آذار الذي ما زال يتصرف وكأن دمشق لم تترك لبنان بعد، بينما هي أصبحت، في واقع الامر، لا مبالية بكل التفاصيل الداخلية التي كانت تهتم بها في الماضي بحكم توليها إدارة الملف اللبناني.
مقابل هذه الحماسة لتغيير الحكومة، يؤكد أحد وزراء "الاكثرية" أن المعطيات الراهنة تدلّ بشكل قاطع على ان لا تغيير وزارياً في المدى المنظور، لافتاً الانتباه الى ان مصير حكومة السنيورة مرتبط باستحقاق المحكمة الدولية وهي لن ترحل قبل إنجاز هذه الاستحقاق. ويشير الوزير المذكور إلى ان إسقاط الحكومة في مثل هذه الظروف ينطوي على مغامرة غير محسوبة، لان أحداً لا يضمن حتمية النجاح في إيجاد بديل عنها، منبهاً الى ان أي فراغ وزاري سيجعل البلد أمام حكومة تصريف أعمال لا تملك صلاحيات التفاوض على اتفاقية المحكمة الدولية والتوقيع عليها، وهذا ما ليس وارداً السماح به.
ولا ينكر "الوزير الأكثري" ان فريق 14 آذار غير مستعد للتضحية بأكثرية الثلثين التي بحوزته حالياً في مجلس الوزراء، ليس لاستخدامها من أجل ترجيح كفته في المسائل الداخلية وإنما ل"حماية" مشروع المحكمة الدولية، لان أكثرية الثلثين هذه تشكّل "صمام أمان" للمحكمة التي لا مجال للمساومة عليها.
وفي إشارة لافتة للانتباه، يعتبر المصدر الوزاري أن ضمّ العماد ميشال عون الى حكومة اتحاد وطني لن يكون بالضرورة لمصلحة تعزيز الاستقرار السياسي وزيادة إنتاجية الحكومة المفترضة، لأن عون سينقل المعارضة إلى داخل مجلس الوزراء، الأمر الذي من شأنه ان يمزق خيوط الانسجام التي تمكن الوزراء الحاليون من نسجها في إطار فريق عمل واحد، خلافاً لما كان عليه الوضع في السابق عندما كانت هناك مجموعة حكومات في حكومة واحدة.


تعليق