الحرب الباردة تعود من بوابة التعاون الروسي - السوري عادت «الحرب الباردة» إلى الساحة العالمية، مؤذنة بانقياد العالم وتمحوره مجددا حول قطبين كبيرين: غربي، تتزعمه الولايات المتحدة الأميركية، وشرقي تتزعمه روسيا، وذلك بعد أن تفردت واشنطن بقيادة هذا العالم، أو الإمساك بزمامه والتصرف بمقدراته، منذ مطلع تسعينيات القرن الماضي، إثر انهيار منظومة الاتحاد السوفييتي.
وهذه الحرب، التي سيدخل معها العالم في مرحلة جديدة، وبالغة الأهمية بالنسبة لمستقبل كل القضايا الساخنة أو الباردة التي يعيشها، في الإمكان تلمسها من خلال الحرب الروسية الجورجية الراهنة، وما رافقها من أتفاق أميركي بولندي، على نشر جزء من منظومة «الدرع الصاروخي» الأميركي على الأراضي البولندية، ورد دمشق عليه بالاقتراح على موسكو نشر منظومة صواريخ باليستية (من طراز «إسكندر» وغيره)، على الأراضي السورية.
ففي زمن الاتحاد السوفييتي السابق، كانت هناك مواقع تشكل مرتكزات للقوتين العُظميين في كل بقاع التوتر في العالم، بحيث إن الاتحاد السوفييتي كان متكَّأ أوروبا الشرقية، ومصر عبدالناصر، وسورية والمقاومة الفلسطينية (التي كانت موسكو تدعمها بالسلاح) وكوريا الشمالية وفيتنام الشمالية، وكوبا الواقعة قبالة السواحل الأميركية. أما متكأ الولايات المتحدة، فكان منطقة عمل حلف «الناتو»، و«القاعدة الأميركية الكبرى» في المنطقة، وهي إسرائيل.
وبعد انهيار الاتحاد السوفييتي، توافر لواشنطن موقع القوة الأوحد في العالم، الذي تحول بكل دوله وشعوبه ساحة مفتوحة أمام القوة الأميركية العظمى، ودفعت الدول الصغيرة التي كانت متحالفة مع الاتحاد السوفييتي السابق، ثمن انكشاف الغطاء السياسي والعسكري عنها، وأصبحت من الضعف ما أغرى الأميركيين بفرض شروطهم، غير القابلة للنقاش لتغيير الأنظمة أو مصادرتها.
وكانت سورية البلد النموذج، الذي استُفرد طوال عقدين من الزمن منذ التسعينيات، بعدما اضطرت المقاومة الفلسطينية عبر الرئيس الراحل ياسر عرفات يومها، إلى الدخول في اتفاقات أوسلو برعاية وضغط أميركيين.
وبعدما انحاز العرب جميعا، تحت عنوان الاعتدال، إلى المشروع الأميركي، والموافقة على السلام وفق المبادرة العربية للسلام، التي اقترحها العاهل السعودي عبدالله بن عبدالعزيز، وأقرتها قمة بيروت العربية في مارس (آذار) 2002، وجدت سورية نفسها طريدة مباشرة وضحية مباشرة لانهيار المنظومة الاشتراكية، المتمثلة بالاتحاد السوفييتي، ولم يبق إلى جانبها إلا إيران، كدولة محاصرة ومهددة بالقوة العسكرية الأميركية خصوصا، والغربية عموما، فضلا عن المقاومة اللبنانية والفلسطينية.
وبعدما استرجع الروس جزءا من قوتهم، محاولين حجز مكان لأنفسهم في السياسة الدولية، راح الأميركيون يبالغون في التعامل معهم بفوقية، بحيث أسقطوا عنهم صفة «الندية»، وكذلك صفة «القوة العظمى»، وراحوا يتعاملون معهم بالطريقة التي يتعاملون بها مع دول العالم الثالث، فوقعوا في خطئهم الإستراتيجي، عبر تشجيعهم جورجيا على استفزاز روسيا، ولكن بأدوات وقفازات إسرائيلية، حيث دخل الإسرائيليون دائرة الخطأ، حول حجمهم وقدراتهم وسلوكهم الخاطئ في التعويض عن خسارتهم في لبنان، بأن حاولوا لعب دور إقليمي بالقفز في اتجاه العراق وإيران، وعبر دور دولي بمساعدتهم جورجيا تسليحا وتخطيطا عبر الضباط الإسرائيليين، على مواجهة القوة العسكرية الروسية، ما وفَّر للروس فرصة ذهبية للانقضاض والثأر من العقدين الماضيين، وإعادة إثبات قوة ترسانتهم العسكرية والسياسية وإظهارها، والإعلان أن زمن الهدوء قد انتهى.
وفي هذه الأثناء، استطاعت سورية أن تلتقط اللحظة الذهبية المناسبة، لإعادة الربط الإستراتيجي مع روسيا، وإظهار أنه ليس حاجة سورية بمقدار ما هو حاجة روسية، لإشعار الأميركيين أن روسيا لن تبقى في مرحلة الدفاع عن أراضيها وسيادتها، في دول البلقان وآسيا الوسطى، بعدما خسرت معركة كوسوفو، وإنما في استطاعتها نقل المعركة إلى عقر دار السياسة الأميركية في الشرق الأوسط، ووديعتها الأمنية والسياسية المتمثلة بإسرائيل، ما سيوفر للروس مقومات تفاوض ليس من «اللحم الحي الروسي»، وإنما في ملفات أُخرى، ولاسيما أنهم يستطيعون توسيع قاعدتهم البحرية في مدينة طرطوس السورية، لتحقيق الوجود الدائم في البحر الأبيض المتوسط، وعبر السلاح الروسي، ولاسيما منه الصاروخي البري «إسكندر» أو الجوي «سي ـ 300»، بحيث سيكون في استطاعة سورية وحلفائها من المقاومتين اللبنانية والفلسطينية، إشغال القوة الإسرائيلية وإعادتها إلى قواعدها في فلسطين المحتلة، وإلى حجمها الطبيعي المحلي وإلغاء الدور الدولي لإسرائيل، وهذا ما سيفتح صفحة جديدة في الجغرافيا السياسية الدولية، التي ستكون من نتائجها الأولية:
أولا- تبعثر القوة الأميركية وتشتتها، وإضعافها في أماكن وجودها.
ثانيا- إعطاء هامش مناورة كبير لإيران، وإبعادها عن كأس الضربة العسكرية، سواء الأميركية أو الإسرائيلية.
ثالثا- إعطاء ضمان سياسي وعسكري لسورية يشابه (إن لم يكن أكثر) ما كانت عليه سورية في زمن الاتحاد السوفييتي، مع إضافة جديدة هي رغبة الروس في الثأر من الاستفزاز والتطاول الإسرائيلي عليهم، الأمر الذي سيساعد السوريين على اغتنام كثير من أنواع الأسلحة الروسية الجديدة المتطورة، من حيث الكم والنوع، وكذلك من حيث التسهيلات.
رابعا- إن المنطقة ستكون على أعتاب شرق أوسط جديد، مخالف لما كانت تتمناه الولايات المتحدة الأميركية، أو تسعى إلى صناعته، إذ سيصبح للروس فيه، ليس موطئ قدم فقط، وإنما ساحة للمناورة ولـ«الصيد السياسي» العالمي من جديد.
على أن ساحة لبنان والمنطقة، ستكون في ضوء التعاون الروسي السوري المتجدد، في مواجهة التحالف الأميركي الإسرائيلي الدولي، أمام احتمالين، أولهما الدخول في توازن رعب تنجم عنه حرب باردة، لا تخلو من أن تشهد بعض الس**** التكتيكية، من حين إلى آخر، على بعض جبهات الأزمات المحلية والإقليمية والدولية، بما يؤدي إلى مفاوضات تصوغ تسويات لهذه الأزمات.
أما الاحتمال الثاني، فهو نشوب حروب استباقية لـ«حروب حسم»، قد يلجأ إليها بعضهم، في زمن تغيير الدول والتحالفات، على عدد من الجبهات، والتي قد يكون منها لبنان الذي لا يزال منقسما، على المستوى السياسي، إلى معسكرين لكل منهما حلفاؤه الإقليميون والدوليون.
وهذه الحرب، التي سيدخل معها العالم في مرحلة جديدة، وبالغة الأهمية بالنسبة لمستقبل كل القضايا الساخنة أو الباردة التي يعيشها، في الإمكان تلمسها من خلال الحرب الروسية الجورجية الراهنة، وما رافقها من أتفاق أميركي بولندي، على نشر جزء من منظومة «الدرع الصاروخي» الأميركي على الأراضي البولندية، ورد دمشق عليه بالاقتراح على موسكو نشر منظومة صواريخ باليستية (من طراز «إسكندر» وغيره)، على الأراضي السورية.
ففي زمن الاتحاد السوفييتي السابق، كانت هناك مواقع تشكل مرتكزات للقوتين العُظميين في كل بقاع التوتر في العالم، بحيث إن الاتحاد السوفييتي كان متكَّأ أوروبا الشرقية، ومصر عبدالناصر، وسورية والمقاومة الفلسطينية (التي كانت موسكو تدعمها بالسلاح) وكوريا الشمالية وفيتنام الشمالية، وكوبا الواقعة قبالة السواحل الأميركية. أما متكأ الولايات المتحدة، فكان منطقة عمل حلف «الناتو»، و«القاعدة الأميركية الكبرى» في المنطقة، وهي إسرائيل.
وبعد انهيار الاتحاد السوفييتي، توافر لواشنطن موقع القوة الأوحد في العالم، الذي تحول بكل دوله وشعوبه ساحة مفتوحة أمام القوة الأميركية العظمى، ودفعت الدول الصغيرة التي كانت متحالفة مع الاتحاد السوفييتي السابق، ثمن انكشاف الغطاء السياسي والعسكري عنها، وأصبحت من الضعف ما أغرى الأميركيين بفرض شروطهم، غير القابلة للنقاش لتغيير الأنظمة أو مصادرتها.
وكانت سورية البلد النموذج، الذي استُفرد طوال عقدين من الزمن منذ التسعينيات، بعدما اضطرت المقاومة الفلسطينية عبر الرئيس الراحل ياسر عرفات يومها، إلى الدخول في اتفاقات أوسلو برعاية وضغط أميركيين.
وبعدما انحاز العرب جميعا، تحت عنوان الاعتدال، إلى المشروع الأميركي، والموافقة على السلام وفق المبادرة العربية للسلام، التي اقترحها العاهل السعودي عبدالله بن عبدالعزيز، وأقرتها قمة بيروت العربية في مارس (آذار) 2002، وجدت سورية نفسها طريدة مباشرة وضحية مباشرة لانهيار المنظومة الاشتراكية، المتمثلة بالاتحاد السوفييتي، ولم يبق إلى جانبها إلا إيران، كدولة محاصرة ومهددة بالقوة العسكرية الأميركية خصوصا، والغربية عموما، فضلا عن المقاومة اللبنانية والفلسطينية.
وبعدما استرجع الروس جزءا من قوتهم، محاولين حجز مكان لأنفسهم في السياسة الدولية، راح الأميركيون يبالغون في التعامل معهم بفوقية، بحيث أسقطوا عنهم صفة «الندية»، وكذلك صفة «القوة العظمى»، وراحوا يتعاملون معهم بالطريقة التي يتعاملون بها مع دول العالم الثالث، فوقعوا في خطئهم الإستراتيجي، عبر تشجيعهم جورجيا على استفزاز روسيا، ولكن بأدوات وقفازات إسرائيلية، حيث دخل الإسرائيليون دائرة الخطأ، حول حجمهم وقدراتهم وسلوكهم الخاطئ في التعويض عن خسارتهم في لبنان، بأن حاولوا لعب دور إقليمي بالقفز في اتجاه العراق وإيران، وعبر دور دولي بمساعدتهم جورجيا تسليحا وتخطيطا عبر الضباط الإسرائيليين، على مواجهة القوة العسكرية الروسية، ما وفَّر للروس فرصة ذهبية للانقضاض والثأر من العقدين الماضيين، وإعادة إثبات قوة ترسانتهم العسكرية والسياسية وإظهارها، والإعلان أن زمن الهدوء قد انتهى.
وفي هذه الأثناء، استطاعت سورية أن تلتقط اللحظة الذهبية المناسبة، لإعادة الربط الإستراتيجي مع روسيا، وإظهار أنه ليس حاجة سورية بمقدار ما هو حاجة روسية، لإشعار الأميركيين أن روسيا لن تبقى في مرحلة الدفاع عن أراضيها وسيادتها، في دول البلقان وآسيا الوسطى، بعدما خسرت معركة كوسوفو، وإنما في استطاعتها نقل المعركة إلى عقر دار السياسة الأميركية في الشرق الأوسط، ووديعتها الأمنية والسياسية المتمثلة بإسرائيل، ما سيوفر للروس مقومات تفاوض ليس من «اللحم الحي الروسي»، وإنما في ملفات أُخرى، ولاسيما أنهم يستطيعون توسيع قاعدتهم البحرية في مدينة طرطوس السورية، لتحقيق الوجود الدائم في البحر الأبيض المتوسط، وعبر السلاح الروسي، ولاسيما منه الصاروخي البري «إسكندر» أو الجوي «سي ـ 300»، بحيث سيكون في استطاعة سورية وحلفائها من المقاومتين اللبنانية والفلسطينية، إشغال القوة الإسرائيلية وإعادتها إلى قواعدها في فلسطين المحتلة، وإلى حجمها الطبيعي المحلي وإلغاء الدور الدولي لإسرائيل، وهذا ما سيفتح صفحة جديدة في الجغرافيا السياسية الدولية، التي ستكون من نتائجها الأولية:
أولا- تبعثر القوة الأميركية وتشتتها، وإضعافها في أماكن وجودها.
ثانيا- إعطاء هامش مناورة كبير لإيران، وإبعادها عن كأس الضربة العسكرية، سواء الأميركية أو الإسرائيلية.
ثالثا- إعطاء ضمان سياسي وعسكري لسورية يشابه (إن لم يكن أكثر) ما كانت عليه سورية في زمن الاتحاد السوفييتي، مع إضافة جديدة هي رغبة الروس في الثأر من الاستفزاز والتطاول الإسرائيلي عليهم، الأمر الذي سيساعد السوريين على اغتنام كثير من أنواع الأسلحة الروسية الجديدة المتطورة، من حيث الكم والنوع، وكذلك من حيث التسهيلات.
رابعا- إن المنطقة ستكون على أعتاب شرق أوسط جديد، مخالف لما كانت تتمناه الولايات المتحدة الأميركية، أو تسعى إلى صناعته، إذ سيصبح للروس فيه، ليس موطئ قدم فقط، وإنما ساحة للمناورة ولـ«الصيد السياسي» العالمي من جديد.
على أن ساحة لبنان والمنطقة، ستكون في ضوء التعاون الروسي السوري المتجدد، في مواجهة التحالف الأميركي الإسرائيلي الدولي، أمام احتمالين، أولهما الدخول في توازن رعب تنجم عنه حرب باردة، لا تخلو من أن تشهد بعض الس**** التكتيكية، من حين إلى آخر، على بعض جبهات الأزمات المحلية والإقليمية والدولية، بما يؤدي إلى مفاوضات تصوغ تسويات لهذه الأزمات.
أما الاحتمال الثاني، فهو نشوب حروب استباقية لـ«حروب حسم»، قد يلجأ إليها بعضهم، في زمن تغيير الدول والتحالفات، على عدد من الجبهات، والتي قد يكون منها لبنان الذي لا يزال منقسما، على المستوى السياسي، إلى معسكرين لكل منهما حلفاؤه الإقليميون والدوليون.


تعليق