قصة ، من : علي محمد الغريب
هذه امرأة ملعونة لا تلد إلا الإناث "تفووو" .. قالها مرتضى البوستجي لنفسه ثم انزوى في ركن من الدار، وجلس القرفصاء واضعاً يديه على رأسه كمن ينتظر طامة. النساء تروح وتجيء أمامه بين غرفة نومه وسائر المنافع في عجلة غير عادية. القابلة تأمر وتنهي:
- ماء فاتر. قطعة قماش مبلل.. تحركي يا بليدة!
- حاضر يا حاجة سيدة.
كانت أذنه مع النساء في غرفة الولادة، وذهنه شارد هناك مع مصير هذا القادم، والعالم على أبواب حرب مدمرة، فالمذيعون والصحفيون الذين لا يثق في كلامهم كثيراً قالوا إن العالم قبل 11 سبتمبر 2001 غير العالم بعد 11 سبتمبر 2001، لكنه مضطر لتصديقهم هذه المرة على الأقل؛ لأنهم نقلوا هذا الكلام عن مسؤولين رأى بنفسه الشر في عيونهم على الشاشة.
ماذا سيفعل إذا أتت أنثى؟ سيكون مكبلاً بسبع بلاو هن بناته!.. آه لو جاء الولد لتغيرت الدنيا، ولكان سنداً له وربما حمل عنه حقيبة الخطابات التي هدت قوته، وترغمه على التعامل مع نساء البلدة وصبيانها! زفر حانقا وتذكر زملاءه في المركز الذين حولهم البريد الإلكتروني إلى كائنات مكتبية تحتسي الشاي وتنتف فروة الخلق!
- تباً لك أيتها القرية المتخلفة، أنت والتي ستلد العبء السابع بعد قليل.
أخرج سيجارة أجنبية اشتراها من دكان "أبو صديري" وراح ينفث دخانها في كثافة ـ كالتي تخرج من مؤخرة دراجته النارية ـ وهو مستغرقا في أفكاره، التي قطعها صوت قادم من مسجد القرية يدعو الناس لأخذ حذرهم من الإرهابيين الذين قد يخطفون أبناءهم أو يسممون مواشيهم.
وصله الصوت متقطعاً بفعل هواء العصاري، مختلطاً بقرقرة دجاجة.. انتصب فجأة ثم تهللت أساريره وهتف:
- أمريكا .. أمريكا .. سأسميها أمريكا. الدنيا ليس بها فقر الدنيا بها قلة رأي، والذي لا تحتاج وجهه اليوم ستحتاج قفاه غداً. هل نضرب الدنيا لو لم يأت الولد؟ هذه القادمة التي أسميتها مصيبة ستكون مفتاح فرج عليك وكل أهل البلد التعساء. اصح يا مرتضى أمريكا توعدت ستين دولة أنت وأولادك وقريتك بعض مواطنيها. لن ينجو أحد من شر أمريكا.
قلب الأمر .. فكر فيه جيداً، ثم سحب "قلة" الماء وتمضمض وبصق على التراب فثار الغبار.. فرك يديه وشرع في دعاء ملح يرجو الله أن يكون القادم أنثي!
- كل الناس تجاوبت مع مصيبة أمريكا وقدمت فروض الولاء والطاعة إلا أنا وبناتي. لِمَ لا أكون كغيري .. هل أنا ناقص يد أو رجِل؟ لا تتأخر عن الواجب يا مرتضى. لتكن أمريكا إذن. وما أكثر أصحاب الفضائيات الذين يسترقون السمع. سأفتح لهم داري .. من الباب الكبير حتى باب الزريبة؛ ليصوروا على الطبيعة.
كل هذه الأفكار شجعته على استخراج سيجارة جديدة كافأ نفسه بها. جلس مرة أخرى يتخيل التصريحات المتوالية على صفحات الجرائد ومحطات التلفزيون:
- الرئيس بوش يحذر قواته من تعرض أمريكا الصغيرة وأخواتها ووالديها وجيرانها لأي أذى أثناء القصف.
-المسؤولون الأمريكيون تعهدوا بتوفير كل سبل الأمن والرعاية لأمريكا الصغيرة وأهلها.
- وزير الصحة الأمريكي يأمر بفتح مستودعات الحليب والغذاء لأمريكا الصغيرة.
- والد أمريكا يشكر الرئيس بوش؛ وبوش يدعوه لزيارته في البيت الأبيض.
زغرودة مدوية انطلقت لتقطع حبل أفكاره.. ألقى السيجارة الأجنبية غالية الثمن في عصبية ثم نهض وفركها بقدمه صارخاً في القابلة:
- أعوذ بالله منك أيتها الحدأة .. كنت على وشك لقاء بوش يا امرأة!
- مبارك يا سي مرتضى جاءك ولد مثل القمر.
دارت به الأرض وانقلبت حساباته، فها هو الولد قد جاء بعدما انتظره سنوات وسنوات، وعندما عدل عن لهفته وهيأ نفسه لاستقبال الأنثى جاءه الولد ليكون عبئاً حقيقياً عليه!
وبالرغم من إحساسه بالورطة التي حلت مع قدوم الولد، فقد أيقظ الخبر حلمه الكامن في صدره ونشط الأمل في نفسه، وطغى فرحه بالولد على كل الأحداث، وكاد أن يلقي عنه كل أفكاره والتمرد عليها، لكنه هتف في نفسه:
- لا .. أنت أعقل من هذا يا مرتضى .. العالم مقبل على حرب وأنت وأولادك أضعف خلق الله. طالما حذرت الناس من الويل القادم ولم تبخل عليهم بآرائك أتنصحهم وتنسى نفسك؟ بئس الناصح أنت!
فكر .. تردد .. أخرج سيجارة ثالثة .. أخذ منها نفساً عميقاً .. صاح فسمعه كل من بالدار:
- عبد أمريكا .. سأسميه عبد أمريكا .. هذا احسن لأكون صدت عصفورين بحجر واحد. رزقت ما تمنيت وهيأت نفسي للخطر القادم.
أخرج سيجارة رابعة أشعلها من الثالثة، وجلس إلى الجدار يُعدل عناوين الأخبار التي تخيلها قبل قليل، يغير الضمائر ويسقطها على عبد أمريكا الصغير
هذه امرأة ملعونة لا تلد إلا الإناث "تفووو" .. قالها مرتضى البوستجي لنفسه ثم انزوى في ركن من الدار، وجلس القرفصاء واضعاً يديه على رأسه كمن ينتظر طامة. النساء تروح وتجيء أمامه بين غرفة نومه وسائر المنافع في عجلة غير عادية. القابلة تأمر وتنهي:
- ماء فاتر. قطعة قماش مبلل.. تحركي يا بليدة!
- حاضر يا حاجة سيدة.
كانت أذنه مع النساء في غرفة الولادة، وذهنه شارد هناك مع مصير هذا القادم، والعالم على أبواب حرب مدمرة، فالمذيعون والصحفيون الذين لا يثق في كلامهم كثيراً قالوا إن العالم قبل 11 سبتمبر 2001 غير العالم بعد 11 سبتمبر 2001، لكنه مضطر لتصديقهم هذه المرة على الأقل؛ لأنهم نقلوا هذا الكلام عن مسؤولين رأى بنفسه الشر في عيونهم على الشاشة.
ماذا سيفعل إذا أتت أنثى؟ سيكون مكبلاً بسبع بلاو هن بناته!.. آه لو جاء الولد لتغيرت الدنيا، ولكان سنداً له وربما حمل عنه حقيبة الخطابات التي هدت قوته، وترغمه على التعامل مع نساء البلدة وصبيانها! زفر حانقا وتذكر زملاءه في المركز الذين حولهم البريد الإلكتروني إلى كائنات مكتبية تحتسي الشاي وتنتف فروة الخلق!
- تباً لك أيتها القرية المتخلفة، أنت والتي ستلد العبء السابع بعد قليل.
أخرج سيجارة أجنبية اشتراها من دكان "أبو صديري" وراح ينفث دخانها في كثافة ـ كالتي تخرج من مؤخرة دراجته النارية ـ وهو مستغرقا في أفكاره، التي قطعها صوت قادم من مسجد القرية يدعو الناس لأخذ حذرهم من الإرهابيين الذين قد يخطفون أبناءهم أو يسممون مواشيهم.
وصله الصوت متقطعاً بفعل هواء العصاري، مختلطاً بقرقرة دجاجة.. انتصب فجأة ثم تهللت أساريره وهتف:
- أمريكا .. أمريكا .. سأسميها أمريكا. الدنيا ليس بها فقر الدنيا بها قلة رأي، والذي لا تحتاج وجهه اليوم ستحتاج قفاه غداً. هل نضرب الدنيا لو لم يأت الولد؟ هذه القادمة التي أسميتها مصيبة ستكون مفتاح فرج عليك وكل أهل البلد التعساء. اصح يا مرتضى أمريكا توعدت ستين دولة أنت وأولادك وقريتك بعض مواطنيها. لن ينجو أحد من شر أمريكا.
قلب الأمر .. فكر فيه جيداً، ثم سحب "قلة" الماء وتمضمض وبصق على التراب فثار الغبار.. فرك يديه وشرع في دعاء ملح يرجو الله أن يكون القادم أنثي!
- كل الناس تجاوبت مع مصيبة أمريكا وقدمت فروض الولاء والطاعة إلا أنا وبناتي. لِمَ لا أكون كغيري .. هل أنا ناقص يد أو رجِل؟ لا تتأخر عن الواجب يا مرتضى. لتكن أمريكا إذن. وما أكثر أصحاب الفضائيات الذين يسترقون السمع. سأفتح لهم داري .. من الباب الكبير حتى باب الزريبة؛ ليصوروا على الطبيعة.
كل هذه الأفكار شجعته على استخراج سيجارة جديدة كافأ نفسه بها. جلس مرة أخرى يتخيل التصريحات المتوالية على صفحات الجرائد ومحطات التلفزيون:
- الرئيس بوش يحذر قواته من تعرض أمريكا الصغيرة وأخواتها ووالديها وجيرانها لأي أذى أثناء القصف.
-المسؤولون الأمريكيون تعهدوا بتوفير كل سبل الأمن والرعاية لأمريكا الصغيرة وأهلها.
- وزير الصحة الأمريكي يأمر بفتح مستودعات الحليب والغذاء لأمريكا الصغيرة.
- والد أمريكا يشكر الرئيس بوش؛ وبوش يدعوه لزيارته في البيت الأبيض.
زغرودة مدوية انطلقت لتقطع حبل أفكاره.. ألقى السيجارة الأجنبية غالية الثمن في عصبية ثم نهض وفركها بقدمه صارخاً في القابلة:
- أعوذ بالله منك أيتها الحدأة .. كنت على وشك لقاء بوش يا امرأة!
- مبارك يا سي مرتضى جاءك ولد مثل القمر.
دارت به الأرض وانقلبت حساباته، فها هو الولد قد جاء بعدما انتظره سنوات وسنوات، وعندما عدل عن لهفته وهيأ نفسه لاستقبال الأنثى جاءه الولد ليكون عبئاً حقيقياً عليه!
وبالرغم من إحساسه بالورطة التي حلت مع قدوم الولد، فقد أيقظ الخبر حلمه الكامن في صدره ونشط الأمل في نفسه، وطغى فرحه بالولد على كل الأحداث، وكاد أن يلقي عنه كل أفكاره والتمرد عليها، لكنه هتف في نفسه:
- لا .. أنت أعقل من هذا يا مرتضى .. العالم مقبل على حرب وأنت وأولادك أضعف خلق الله. طالما حذرت الناس من الويل القادم ولم تبخل عليهم بآرائك أتنصحهم وتنسى نفسك؟ بئس الناصح أنت!
فكر .. تردد .. أخرج سيجارة ثالثة .. أخذ منها نفساً عميقاً .. صاح فسمعه كل من بالدار:
- عبد أمريكا .. سأسميه عبد أمريكا .. هذا احسن لأكون صدت عصفورين بحجر واحد. رزقت ما تمنيت وهيأت نفسي للخطر القادم.
أخرج سيجارة رابعة أشعلها من الثالثة، وجلس إلى الجدار يُعدل عناوين الأخبار التي تخيلها قبل قليل، يغير الضمائر ويسقطها على عبد أمريكا الصغير
