ربما يكون هذا العنوان غريبا في وقت تستخدم فيه اسرائيل أقصى وسائل البطش والقوة في عدوانها البربري الغاشم ضد الشعب الفلسطيني، وتحصل فيه اسرائيل على الدعم والمساندة الأميركية بأبعادها الشاملة، وتتحدى ارادة المجتمع الدولي برفضها الامتثال لقرارات مجلس الأمن الأخيرة الداعية لسحب قواتها من الأراضي الفلسطينية،
ضاربة عرض الحائط بكل اعتراضات رؤساء دول العالم، واحتجاجات وسخط الشعوب على سياساتها العنصرية وممارساتها النازية، والتي يشاهدها العالم منعكسة في المجازر الوحشية والدموية التي ترتكبها ضد الفلسطينيين العزل في المخيمات والمدن والبلدات بالضفة، والتي تتضاءل أمامها جرائم النازي والفاشيست في أوروبا ابان الحرب العالمية الثانية، ومن قبلهم جرائم التتار والصليبيين في القرنين العاشر والحادي عشر في بلدان المشرق العربي.
ووجه الغرابة هنا هو أن المسئولين الاسرائيليين كانوا منذ شهور قليلة يتحدثون عن أمن اسرائيل، وضرورة تأمين سبل تحقيقه في مفهومه المطلق، ثم يجيء من الاسرائيليين اليوم من يتحدث عن الخطر الذي يتهدد مستقبل الكيان الاسرائيلي ذاته، وليس أمنها فقط!! والأكثر غرابة في هذا الأمر أنه يأتي في وقت تمتلك فيه اسرائيل جميع عناصر القوة العسكرية بأبعادها التقليدية وفوق التقليدية، وفي ظل احتكار نووي مطلق، وتحتل أراضي فلسطينية وسورية ولبنانية، وأن يكون هذا الحديث على ألسنة مفكرين اسرائيليين ويهود أميركيين، ويتصدر هذا السؤال غلاف مجلة أميركية مشهورة بانحيازها لاسرائيل هي (نيوزويك) في عددها بتاريخ 2/4/2002، هناك تقرير خاص موضوعه (مستقبل اسرائيل.. وكيف سيتسنى لها البقاء؟) وهو ما يعني أن هذا الأمر حول مستقبل كيان اسرائيل أصبح لأول مرة وسط كل مظاهر هذه القوة والبطش والغطرسة التي تمارسها أصبح موضع تساؤل داخل اسرائيل وخارجها في الدوائر الحاكمة الداعمة لها، فكيف يتسنى ذلك، وما هي الأسباب التي جعلت كيان اسرائيل ذاته أكثر من أمنها أصبح اليوم موضع مخاوف وقلق من قبل مسئوليها ومفكريها؟!
حرب تأمين الركائز
لماذا حرب اليوم أهم لاسرائيل من حرب 1948؟
في تصريح أخير للجنرال موفاز رئيس الأركان الاسرائيلي قال: «ان الحرب التي تخوضها اسرائيل اليوم أهم لمستقبلها من حرب الاستقلال عام 1948» والذي يعنيه رئيس الأركان الاسرائيلي أن هذه الحرب الدائرة اليوم على الساحة الفلسطينية، والتي لا مقارنة في القوة العسكرية بين طرفيها الاسرائيلي والفلسطيني، تعتبر حرب تأمين ركائز الدولة العبرية التي تتعرض لأول مرة منذ أربعة وخمسين عاما للمخاطر في داخل اسرائيل، وحيث يتعرض الشعب الاسرائيلي لضربات قاتلة من المقاومة الفلسطينية لم يعهدها في تاريخه، ولا حتى أثناء حروب الصراع العربي الاسرائيلي الخمس، حيث كانت تدور كلها خارج اسرائيل، أما اليوم ومن خلال ما يطلقون عليه الحدود الآمنة، يتكبد الشعب الاسرائيلي هذا الحجم الضخم من الخسائر البشرية بأكثر مما تفعله الضربات الجوية والصاروخية.
فما قيمة هذه الحدود الآمنة التي تقف عليها اليوم القوات الاسرائيلية في الجولان وجنوب لبنان؟ وما قيمة ال150 مستوطنة التي أقامتها اسرائيل في الضفة الغربية لتكون بمثابة اسفين دقته في قلب الدولة الفلسطينية المقبلة، والتي صار المستوطنون يهجرونها الى داخل اسرائيل تحت وطأة الضربات التي يتعرضون لها يوميا من عناصر المقاومة الفلسطينية؟ وما قيمة السياجات الأمنية العازلة التي اقامتها اسرائيل بطول حدودها اذا كانت قابلة للاختراق بواسطة عناصر المقاومة؟ بل وما قيمة الترتيبات الأمنية التي نصت عليها معاهدات السلام مع مصر والأردن، اذا كانت الشعوب قادرة على عبور الحدود لنجدة الشعب الفلسطيني ودعمه؟ كذلك ما قيمة الشروط الأمنية التي تضعها اسرائيل لأي اتفاق قادم مع الدولة الفلسطينية، سواء من حيث تفريغ هذه الدولة من جيشها أو اشتراط تواجد عسكري اسرائيلي في غور الأردن والمستوطنات، اذا كان هذا التواجد العسكري ذاته بجانب المستوطنات يشكلان أهدافا دسمة لضربات المقاومة الفلسطينية، ناهيك أنهما لم يمنعا عناصر المقاومة من الوصول الى أهدافها داخل المدن الاسرائيلية؟
لذلك تستهدف حرب اليوم في رؤية شارون تعجيز الشعب الفلسطيني عن شن هذه الضربات الموجعة الموجهة في (اللحم الحي الاسرائيلي) وذلك بالقضاء ليس فقط على البنية الأساسية للسلطة الفلسطينية بل بابادة الكوادر البشرية القادرة على حمل السلاح مستقبلا والاستمرار في المقاومة، وذلك من خلال المجازر الجماعية التي ترتكبها القوات الاسرائيلية ضد الشباب الفلسطيني في المدن والبلدات والمخيمات التي تفرخ باستمرار أجيالا من المقاومة تشكل قنابل بشرية ضد اسرائيل.
أهداف استراتيجية
ولأن الحرب الدائرة حاليا مصيرها التوقف بعد استكمال تحقيق أهدافها المباشرة من وجهة النظر الاسرائيلية، وهي اعادة احتلال مناطق الحكم الذاتي، والعودة الى أوضاع ما قبل أوسلو التي لم يعترف بها شارون أبدا، بل وأعلن تمزيقها.
لذلك فانه من ضمن أهداف شارون من وراء اجتياحه مناطق الحكم الذاتي كسر الارادة السياسية للشعب الفلسطيني، والاستعداد لمرحلة السلام المقبلة والقادمة في ذهنه لا محالة، وذلك بفرض قيادة سياسية جديدة على الفلسطينيين، يرضى عنها شارون وتقبل التعامل معه على الأسس التي يضعها، سواء من حيث شكل الدولة الفلسطينية (العرجاء) التي يخطط لها وتبعيتها الكاملة لاسرائيل، أو من حيث الترتيبات الأمنية في الأراضي المحتلة، والحلول التي يراها للمشاكل الخمس الرئيسية الأخرى حول الحدود والمستوطنات والقدس والمياه واللاجئين، وهي المرحلة التي يطلق عليها شارون (مرحلة ما بعد عرفات). وحيث يعتقد شارون أن الصراع مع الفلسطينيين سيتحول من محاوره العسكرية الى محاور أخرى في المستقبل قائمة على الاقتصاد والتنمية والتصنيع، وحيث سيتسبب التدمير الكامل الذي أحدثه الاجتياح العسكري الأخير في البنية الأساسية الفلسطينية في انصراف الفلسطينيين عن المقاومة والتعليم وبناء الدولة الى مجموعة بلدات وشعب تابع لاسرائيل، وفي وضع أقرب بعلاقة الهنود الحمر بالأميركيين الأوائل.
بقاء اسرائيل!
لماذا تصعد اسرائيل حاليا الى الهاوية؟
يتساءل (كريستوفر ديكي) و(دانييل كلايدمان) في مقالهما بـ «النيوزويك» تحت عنوان (كيف ستبقى اسرائيل؟) فيقولان: «الكثير من اليهود يعتقدون أن مستقبل اسرائيل ومكانها في الشرق الأوسط بات مهددا الآن كما لم يكن لعدة أجيال، هل ستبقى الدولة اليهودية على قيد الحياة؟ وبأي ثمن؟ وبأي هوية؟ وهل يمكنها أبدا أن تعرف السلام؟».
يجيب المؤرخ اليهودي (آموس ايلون) على هذه التساؤلات قائلا: «انني في حالة يأس لأنني أخشى أن يكون الأمر قد فات، وقد قلت لكم نصف ما أخشاه، فهل فات موعد أي حل نهائيا؟» ثم يمضي صاحب السؤال مقررا حقيقة تبدو غريبة على أذهان الكثيرين، فيقول: «ان الثقة بامكانية بقاء اسرائيل باتت ضعيفة جدا». ثم يفسر التناقض بين قوة آلة اسرائيل العسكرية والمخاوف على مستقبلها، فيقول: «ففي حين أن الآلة العسكرية الاسرائيلية نفسها اقوى من أي وقت مضى، فان في شعب اسرائيل نفسيات أكثر عرضة للسقوط من أي وقت مضى منذ الخمسينيات، وباتت قدرة اسرائيل النووية عديمة الفائدة ضد الدول المجاورة لها، بل حتى أن دباباتها (ميركافا) التي تدعي اسرائيل أنها الأفضل في العالم، تم تفجير اثنين منها وقتل طاقمي جنودها في كمائن نصبها الفلسطينيون في الآونة الأخيرة».
حقيقة الأمر أن تاريخ شارون عبر ممارساته الاجرامية طوال مسار الصراع العربي - الاسرائيلي يثبت أنه يستطيع خلق الأزمات، ويحسن التورط في المغامرات العسكرية، ولكنه يفشل دائما في الخروج منها، بل وتكون نتائجها عكسية تماما لما توخاه من أهداف.
فقد أقحم اسرائيل في حرب لبنان، ودخل بيروت، وارتكب مذابح صابرا وشاتيلا، وأقام منطقة حزام أمني دامت ثماني سنوات، ثم ماذا كانت النتيجة؟ لقد اضطر تحت وطأة المقاومة اللبنانية الى الانسحاب من لبنان، وتم عزله من منصب وزير الدفاع بعد أن ثبت كذبه وتوريطه لاسرائيل في هذه الحرب، ثم بعد ثماني سنوات من استنزاف اسرائيل في منطقة الحزام الأمني اضطرت للانسحاب من جنوب لبنان في مايو 2000، وهذا ما يتعين على شارون أن ينتظره لقواته التي اجتاحت مناطق الحكم الذاتي الفلسطيني بعد أن تولى الشعب الفلسطيني أمر قضيته بيده لأول مرة في تاريخه منذ انتفاضته الأولى عام 1987، فهذه القوات اذا ما استمرت في احتلال المناطق التي اجتاحتها، فستشكل أهدافا سهلة للمقاومة الفلسطينية التي استعر غضبها بسبب الجرائم الوحشية التي ارتكبتها هذه القوات، وسيكون من السهل اصطيادها بعمليات حرب العصابات التي تجد في قتال المدن أفضل ظروف لتطبيق تكتيكاتها، وستكون تحركاتها فيما بين المدن والبلدات والقرى الفلسطينية محفوفة بالألغام والعبوات المتفجرة التي ستدمر مدرعاتها بمن فيها، وفي النهاية سيضطر شارون الى سحبها تحت وطأة الخسائر كما فعل سلفه باراك في جنوب لبنان.
ومن ثم فان السيناريو المتوقع هو أن تمتص وتستوعب المقاومة الفلسطينية الهجمات الاسرائيلية الحالية، وتفوت على شارون هدفه في الامساك برؤوس وقادة المقاومة، ستستمر في الصمود والصبر، وستكون هناك كوادر جديدة من المقاومة تستأنف مسيرة الكفاح وهي مسلحة بالرغبة الشديدة في الانتقام من المجازر التي ارتكبها شارون، فمن غباء شارون أنه يعتقد بامكانية القضاء على مقاومة شعب تعداده ثلاثة ملايين نسمة بحملته العسكرية الحالية، وسينتقل الكفاح المسلح بهذه الروح الى داخل أرض اسرائيل ليتفاعل مع أكثر من مليون عربي داخل أرض اسرائيل يرغبون أيضا في الانتقام لذويهم من سكان الضفة وغزة، وبما يحول قلب اسرائيل ومدنها مرة أخرى الى ساحة ليس فقط للعمليات الاستشهادية، ولكن لنوعيات أخرى من الضربات التي ستشنها المقاومة ووسائل وأساليب جديدة لا تخطر على بال شارون، وستشمل أهداف البنية الأساسية بشقيها الانتاجية والخدماتية، وعلى الصعيدين العسكري والمدني، وستكون ضربات المقاومة مفاجئة لشارون في الأسلوب والزمان والمكان، بحيث تثير الفزع والرعب في قلوب الاسرائيليين بما لم يحدث من قبل.
ولن تقتصر أعمال المقاومة على داخل اسرائيل فقط، بل ستشمل أيضا أهدافا خارج اسرائيل.. مثل اغتيال شخصيات اسرائيلية بارزة وضرب السفارات ومكاتب الشركات التجارية والمعابد وتجمعات اليهود.. الى غير ذلك من الأهداف الحيوية، كما يتوقع أن تفتح جبهات عربية أخرى حول اسرائيل في مقدمتها الجبهة اللبنانية التي اشتعلت بالفعل».
نتائج عكسية
وسيدرك شارون ومعه بوش أنه نجح فقط في جعل اسرائيل محاطة بالكراهية العربية وروح الانتقام المستعرة بأكثر من أي وقت مضى، ولن يجد شارون عربيا واحدا يوافق على مصافحة يده المخضبة بالدماء، وستكون هذه هي نهاية حياة شارون السياسية على غير ما يتوقع.
أما الأخطر من ذلك، فان هذه الحملة العسكرية التي يشنها شارون ضد الفلسطينيين وما يستتبعها من استعار المقاومة الفلسطينية ستزيد من حدة الانقسامات الداخلية التي تشهدها اسرائيل. وهي التي يصفها الاسرائيليون قائلين بأن «الطريقة المؤكدة لتدمير البلاد هي في منحها السلام من قبل العرب، عندها تؤدي التوترات داخل المجتمع الاسرائيلي الى تعريضها للانقسام».
فبالرغم من أن هذه الحرب قد دفعت بالعديد من الصراعات الداخلية الى الصفحات الخلفية، الا أن أصواتا عالية وبارزة داخل المجتمع الاسرائيلي تحذر وتنذر من مغبة الكارثة التي سيلحقها شارون باسرائيل، أمثال يوسي ساريد زعيم المعارضة، وشيمون بيريز نفسه رغم مشاركته الوزارة مع شارون، والتي ستعمق من حدة الخلافات والصراعات داخل المجتمع الاسرائيلي. سواء فيما بين اليهود العلمانيين واليهود المتدينين، أو اليهود الشرقيين واليهود الغربيين، وهناك أيضا قضية عرب 1948 الذين بلغ تعدادهم 133 مليون نسمة يتزايدون بنسبة 45% وهي أعلى نسبة في العالم. لذلك يعتبر كثير من المحللين الاسرائيليين أن هؤلاء العرب الذين يطلق عليهم (عرب 1948) يشكلون قنبلة سكانية موقوتة، فاذا كانوا يمثلون اليوم 20% من السكان، فانه مع تزايدهم بنسبة تفوق نسبة المواليد بين اليهود سيشكلون في عام 2010 نسبة 45% من السكان، وبما يحول اسرائيل الى دولة ثنائية الجنسية، وينفي عنها الهوية التي اختارها روادها عند تأسيسها عام 1948 باعتبارها «دولة يهودية نقية تضم يهود العالم».
وما يعنيه ذلك من ضرورة حصول هذه النسبة من عرب اسرائيل على حقوقهم السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وهي صورة أخرى من صور التهديد الذي يواجهها المجتمع الاسرائيلي مستقبلا وفي ذلك يقول الصحفي الاسرائيلي دانييل بن سيمون الذي يغطي التوترات الاجتماعية في اسرائيل: «خلال 54 سنة لم تتح الفرصة لاسرائيل لمعرفة ما اذا كان بوسع هذا المجتمع أن يبقى متماسكا، وما اذا كان لديه الكفاية من المصالح المشتركة حتى يبقى على قيد الحياة، أو ما اذا كان متماسكا بما فيه الكفاية حتى يتغلب على الاختلافات الداخلية».
ولقد كان اغتيال رئيس وزراء اسرائيل (اسحاق رابين) على يد متطرف اسرائيلي، أكبر دليل على فعل هذه الصراعات الداخلية في تقويض المجتمع الاسرائيلي.
ضاربة عرض الحائط بكل اعتراضات رؤساء دول العالم، واحتجاجات وسخط الشعوب على سياساتها العنصرية وممارساتها النازية، والتي يشاهدها العالم منعكسة في المجازر الوحشية والدموية التي ترتكبها ضد الفلسطينيين العزل في المخيمات والمدن والبلدات بالضفة، والتي تتضاءل أمامها جرائم النازي والفاشيست في أوروبا ابان الحرب العالمية الثانية، ومن قبلهم جرائم التتار والصليبيين في القرنين العاشر والحادي عشر في بلدان المشرق العربي.
ووجه الغرابة هنا هو أن المسئولين الاسرائيليين كانوا منذ شهور قليلة يتحدثون عن أمن اسرائيل، وضرورة تأمين سبل تحقيقه في مفهومه المطلق، ثم يجيء من الاسرائيليين اليوم من يتحدث عن الخطر الذي يتهدد مستقبل الكيان الاسرائيلي ذاته، وليس أمنها فقط!! والأكثر غرابة في هذا الأمر أنه يأتي في وقت تمتلك فيه اسرائيل جميع عناصر القوة العسكرية بأبعادها التقليدية وفوق التقليدية، وفي ظل احتكار نووي مطلق، وتحتل أراضي فلسطينية وسورية ولبنانية، وأن يكون هذا الحديث على ألسنة مفكرين اسرائيليين ويهود أميركيين، ويتصدر هذا السؤال غلاف مجلة أميركية مشهورة بانحيازها لاسرائيل هي (نيوزويك) في عددها بتاريخ 2/4/2002، هناك تقرير خاص موضوعه (مستقبل اسرائيل.. وكيف سيتسنى لها البقاء؟) وهو ما يعني أن هذا الأمر حول مستقبل كيان اسرائيل أصبح لأول مرة وسط كل مظاهر هذه القوة والبطش والغطرسة التي تمارسها أصبح موضع تساؤل داخل اسرائيل وخارجها في الدوائر الحاكمة الداعمة لها، فكيف يتسنى ذلك، وما هي الأسباب التي جعلت كيان اسرائيل ذاته أكثر من أمنها أصبح اليوم موضع مخاوف وقلق من قبل مسئوليها ومفكريها؟!
حرب تأمين الركائز
لماذا حرب اليوم أهم لاسرائيل من حرب 1948؟
في تصريح أخير للجنرال موفاز رئيس الأركان الاسرائيلي قال: «ان الحرب التي تخوضها اسرائيل اليوم أهم لمستقبلها من حرب الاستقلال عام 1948» والذي يعنيه رئيس الأركان الاسرائيلي أن هذه الحرب الدائرة اليوم على الساحة الفلسطينية، والتي لا مقارنة في القوة العسكرية بين طرفيها الاسرائيلي والفلسطيني، تعتبر حرب تأمين ركائز الدولة العبرية التي تتعرض لأول مرة منذ أربعة وخمسين عاما للمخاطر في داخل اسرائيل، وحيث يتعرض الشعب الاسرائيلي لضربات قاتلة من المقاومة الفلسطينية لم يعهدها في تاريخه، ولا حتى أثناء حروب الصراع العربي الاسرائيلي الخمس، حيث كانت تدور كلها خارج اسرائيل، أما اليوم ومن خلال ما يطلقون عليه الحدود الآمنة، يتكبد الشعب الاسرائيلي هذا الحجم الضخم من الخسائر البشرية بأكثر مما تفعله الضربات الجوية والصاروخية.
فما قيمة هذه الحدود الآمنة التي تقف عليها اليوم القوات الاسرائيلية في الجولان وجنوب لبنان؟ وما قيمة ال150 مستوطنة التي أقامتها اسرائيل في الضفة الغربية لتكون بمثابة اسفين دقته في قلب الدولة الفلسطينية المقبلة، والتي صار المستوطنون يهجرونها الى داخل اسرائيل تحت وطأة الضربات التي يتعرضون لها يوميا من عناصر المقاومة الفلسطينية؟ وما قيمة السياجات الأمنية العازلة التي اقامتها اسرائيل بطول حدودها اذا كانت قابلة للاختراق بواسطة عناصر المقاومة؟ بل وما قيمة الترتيبات الأمنية التي نصت عليها معاهدات السلام مع مصر والأردن، اذا كانت الشعوب قادرة على عبور الحدود لنجدة الشعب الفلسطيني ودعمه؟ كذلك ما قيمة الشروط الأمنية التي تضعها اسرائيل لأي اتفاق قادم مع الدولة الفلسطينية، سواء من حيث تفريغ هذه الدولة من جيشها أو اشتراط تواجد عسكري اسرائيلي في غور الأردن والمستوطنات، اذا كان هذا التواجد العسكري ذاته بجانب المستوطنات يشكلان أهدافا دسمة لضربات المقاومة الفلسطينية، ناهيك أنهما لم يمنعا عناصر المقاومة من الوصول الى أهدافها داخل المدن الاسرائيلية؟
لذلك تستهدف حرب اليوم في رؤية شارون تعجيز الشعب الفلسطيني عن شن هذه الضربات الموجعة الموجهة في (اللحم الحي الاسرائيلي) وذلك بالقضاء ليس فقط على البنية الأساسية للسلطة الفلسطينية بل بابادة الكوادر البشرية القادرة على حمل السلاح مستقبلا والاستمرار في المقاومة، وذلك من خلال المجازر الجماعية التي ترتكبها القوات الاسرائيلية ضد الشباب الفلسطيني في المدن والبلدات والمخيمات التي تفرخ باستمرار أجيالا من المقاومة تشكل قنابل بشرية ضد اسرائيل.
أهداف استراتيجية
ولأن الحرب الدائرة حاليا مصيرها التوقف بعد استكمال تحقيق أهدافها المباشرة من وجهة النظر الاسرائيلية، وهي اعادة احتلال مناطق الحكم الذاتي، والعودة الى أوضاع ما قبل أوسلو التي لم يعترف بها شارون أبدا، بل وأعلن تمزيقها.
لذلك فانه من ضمن أهداف شارون من وراء اجتياحه مناطق الحكم الذاتي كسر الارادة السياسية للشعب الفلسطيني، والاستعداد لمرحلة السلام المقبلة والقادمة في ذهنه لا محالة، وذلك بفرض قيادة سياسية جديدة على الفلسطينيين، يرضى عنها شارون وتقبل التعامل معه على الأسس التي يضعها، سواء من حيث شكل الدولة الفلسطينية (العرجاء) التي يخطط لها وتبعيتها الكاملة لاسرائيل، أو من حيث الترتيبات الأمنية في الأراضي المحتلة، والحلول التي يراها للمشاكل الخمس الرئيسية الأخرى حول الحدود والمستوطنات والقدس والمياه واللاجئين، وهي المرحلة التي يطلق عليها شارون (مرحلة ما بعد عرفات). وحيث يعتقد شارون أن الصراع مع الفلسطينيين سيتحول من محاوره العسكرية الى محاور أخرى في المستقبل قائمة على الاقتصاد والتنمية والتصنيع، وحيث سيتسبب التدمير الكامل الذي أحدثه الاجتياح العسكري الأخير في البنية الأساسية الفلسطينية في انصراف الفلسطينيين عن المقاومة والتعليم وبناء الدولة الى مجموعة بلدات وشعب تابع لاسرائيل، وفي وضع أقرب بعلاقة الهنود الحمر بالأميركيين الأوائل.
بقاء اسرائيل!
لماذا تصعد اسرائيل حاليا الى الهاوية؟
يتساءل (كريستوفر ديكي) و(دانييل كلايدمان) في مقالهما بـ «النيوزويك» تحت عنوان (كيف ستبقى اسرائيل؟) فيقولان: «الكثير من اليهود يعتقدون أن مستقبل اسرائيل ومكانها في الشرق الأوسط بات مهددا الآن كما لم يكن لعدة أجيال، هل ستبقى الدولة اليهودية على قيد الحياة؟ وبأي ثمن؟ وبأي هوية؟ وهل يمكنها أبدا أن تعرف السلام؟».
يجيب المؤرخ اليهودي (آموس ايلون) على هذه التساؤلات قائلا: «انني في حالة يأس لأنني أخشى أن يكون الأمر قد فات، وقد قلت لكم نصف ما أخشاه، فهل فات موعد أي حل نهائيا؟» ثم يمضي صاحب السؤال مقررا حقيقة تبدو غريبة على أذهان الكثيرين، فيقول: «ان الثقة بامكانية بقاء اسرائيل باتت ضعيفة جدا». ثم يفسر التناقض بين قوة آلة اسرائيل العسكرية والمخاوف على مستقبلها، فيقول: «ففي حين أن الآلة العسكرية الاسرائيلية نفسها اقوى من أي وقت مضى، فان في شعب اسرائيل نفسيات أكثر عرضة للسقوط من أي وقت مضى منذ الخمسينيات، وباتت قدرة اسرائيل النووية عديمة الفائدة ضد الدول المجاورة لها، بل حتى أن دباباتها (ميركافا) التي تدعي اسرائيل أنها الأفضل في العالم، تم تفجير اثنين منها وقتل طاقمي جنودها في كمائن نصبها الفلسطينيون في الآونة الأخيرة».
حقيقة الأمر أن تاريخ شارون عبر ممارساته الاجرامية طوال مسار الصراع العربي - الاسرائيلي يثبت أنه يستطيع خلق الأزمات، ويحسن التورط في المغامرات العسكرية، ولكنه يفشل دائما في الخروج منها، بل وتكون نتائجها عكسية تماما لما توخاه من أهداف.
فقد أقحم اسرائيل في حرب لبنان، ودخل بيروت، وارتكب مذابح صابرا وشاتيلا، وأقام منطقة حزام أمني دامت ثماني سنوات، ثم ماذا كانت النتيجة؟ لقد اضطر تحت وطأة المقاومة اللبنانية الى الانسحاب من لبنان، وتم عزله من منصب وزير الدفاع بعد أن ثبت كذبه وتوريطه لاسرائيل في هذه الحرب، ثم بعد ثماني سنوات من استنزاف اسرائيل في منطقة الحزام الأمني اضطرت للانسحاب من جنوب لبنان في مايو 2000، وهذا ما يتعين على شارون أن ينتظره لقواته التي اجتاحت مناطق الحكم الذاتي الفلسطيني بعد أن تولى الشعب الفلسطيني أمر قضيته بيده لأول مرة في تاريخه منذ انتفاضته الأولى عام 1987، فهذه القوات اذا ما استمرت في احتلال المناطق التي اجتاحتها، فستشكل أهدافا سهلة للمقاومة الفلسطينية التي استعر غضبها بسبب الجرائم الوحشية التي ارتكبتها هذه القوات، وسيكون من السهل اصطيادها بعمليات حرب العصابات التي تجد في قتال المدن أفضل ظروف لتطبيق تكتيكاتها، وستكون تحركاتها فيما بين المدن والبلدات والقرى الفلسطينية محفوفة بالألغام والعبوات المتفجرة التي ستدمر مدرعاتها بمن فيها، وفي النهاية سيضطر شارون الى سحبها تحت وطأة الخسائر كما فعل سلفه باراك في جنوب لبنان.
ومن ثم فان السيناريو المتوقع هو أن تمتص وتستوعب المقاومة الفلسطينية الهجمات الاسرائيلية الحالية، وتفوت على شارون هدفه في الامساك برؤوس وقادة المقاومة، ستستمر في الصمود والصبر، وستكون هناك كوادر جديدة من المقاومة تستأنف مسيرة الكفاح وهي مسلحة بالرغبة الشديدة في الانتقام من المجازر التي ارتكبها شارون، فمن غباء شارون أنه يعتقد بامكانية القضاء على مقاومة شعب تعداده ثلاثة ملايين نسمة بحملته العسكرية الحالية، وسينتقل الكفاح المسلح بهذه الروح الى داخل أرض اسرائيل ليتفاعل مع أكثر من مليون عربي داخل أرض اسرائيل يرغبون أيضا في الانتقام لذويهم من سكان الضفة وغزة، وبما يحول قلب اسرائيل ومدنها مرة أخرى الى ساحة ليس فقط للعمليات الاستشهادية، ولكن لنوعيات أخرى من الضربات التي ستشنها المقاومة ووسائل وأساليب جديدة لا تخطر على بال شارون، وستشمل أهداف البنية الأساسية بشقيها الانتاجية والخدماتية، وعلى الصعيدين العسكري والمدني، وستكون ضربات المقاومة مفاجئة لشارون في الأسلوب والزمان والمكان، بحيث تثير الفزع والرعب في قلوب الاسرائيليين بما لم يحدث من قبل.
ولن تقتصر أعمال المقاومة على داخل اسرائيل فقط، بل ستشمل أيضا أهدافا خارج اسرائيل.. مثل اغتيال شخصيات اسرائيلية بارزة وضرب السفارات ومكاتب الشركات التجارية والمعابد وتجمعات اليهود.. الى غير ذلك من الأهداف الحيوية، كما يتوقع أن تفتح جبهات عربية أخرى حول اسرائيل في مقدمتها الجبهة اللبنانية التي اشتعلت بالفعل».
نتائج عكسية
وسيدرك شارون ومعه بوش أنه نجح فقط في جعل اسرائيل محاطة بالكراهية العربية وروح الانتقام المستعرة بأكثر من أي وقت مضى، ولن يجد شارون عربيا واحدا يوافق على مصافحة يده المخضبة بالدماء، وستكون هذه هي نهاية حياة شارون السياسية على غير ما يتوقع.
أما الأخطر من ذلك، فان هذه الحملة العسكرية التي يشنها شارون ضد الفلسطينيين وما يستتبعها من استعار المقاومة الفلسطينية ستزيد من حدة الانقسامات الداخلية التي تشهدها اسرائيل. وهي التي يصفها الاسرائيليون قائلين بأن «الطريقة المؤكدة لتدمير البلاد هي في منحها السلام من قبل العرب، عندها تؤدي التوترات داخل المجتمع الاسرائيلي الى تعريضها للانقسام».
فبالرغم من أن هذه الحرب قد دفعت بالعديد من الصراعات الداخلية الى الصفحات الخلفية، الا أن أصواتا عالية وبارزة داخل المجتمع الاسرائيلي تحذر وتنذر من مغبة الكارثة التي سيلحقها شارون باسرائيل، أمثال يوسي ساريد زعيم المعارضة، وشيمون بيريز نفسه رغم مشاركته الوزارة مع شارون، والتي ستعمق من حدة الخلافات والصراعات داخل المجتمع الاسرائيلي. سواء فيما بين اليهود العلمانيين واليهود المتدينين، أو اليهود الشرقيين واليهود الغربيين، وهناك أيضا قضية عرب 1948 الذين بلغ تعدادهم 133 مليون نسمة يتزايدون بنسبة 45% وهي أعلى نسبة في العالم. لذلك يعتبر كثير من المحللين الاسرائيليين أن هؤلاء العرب الذين يطلق عليهم (عرب 1948) يشكلون قنبلة سكانية موقوتة، فاذا كانوا يمثلون اليوم 20% من السكان، فانه مع تزايدهم بنسبة تفوق نسبة المواليد بين اليهود سيشكلون في عام 2010 نسبة 45% من السكان، وبما يحول اسرائيل الى دولة ثنائية الجنسية، وينفي عنها الهوية التي اختارها روادها عند تأسيسها عام 1948 باعتبارها «دولة يهودية نقية تضم يهود العالم».
وما يعنيه ذلك من ضرورة حصول هذه النسبة من عرب اسرائيل على حقوقهم السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وهي صورة أخرى من صور التهديد الذي يواجهها المجتمع الاسرائيلي مستقبلا وفي ذلك يقول الصحفي الاسرائيلي دانييل بن سيمون الذي يغطي التوترات الاجتماعية في اسرائيل: «خلال 54 سنة لم تتح الفرصة لاسرائيل لمعرفة ما اذا كان بوسع هذا المجتمع أن يبقى متماسكا، وما اذا كان لديه الكفاية من المصالح المشتركة حتى يبقى على قيد الحياة، أو ما اذا كان متماسكا بما فيه الكفاية حتى يتغلب على الاختلافات الداخلية».
ولقد كان اغتيال رئيس وزراء اسرائيل (اسحاق رابين) على يد متطرف اسرائيلي، أكبر دليل على فعل هذه الصراعات الداخلية في تقويض المجتمع الاسرائيلي.
بقلم: لواء ركن حسام سويلم ـ خبير استراتيجي مصري


تعليق