نظرية "التَنَك" هي أحدث ما توصلت إليه النظريّات السياسيّة في عالمنا العربي ، وهي في الأصل
نظريّة أمريكيّة مستوردة حديثا ، ولها نسخــة مصنوعة خصّيصا للمواصفات العربيّة ، في ضوء
الأنظمة الحاليـّـة ، وهذا شرح النظريـّة مع تبسيط شديد :
هي مشتقة من " التنك " ، بالتحريــك ، وهي علبة من معدن خفيف لاتصلح للأشياء الثقيلة ولا
الأمــور المهمـّـة بلاريب .
وإذا كانت فارغة فأتى عليها ضربٌ خفيف تصدر اصواتا هائلة ، لاتعكس حقيقة ما وراء الصوت ،
بل أكبــر منها .
كما أنها يسهل "بعجها" وإعادة تشكيلها .
وفي اللهجة الخليجية تُضرب مثلا للشخص الأبله الذي يصدق كل ما يُقال له ، ويمكن توجيهه بسهوله ،
وخفيف العقل ، ويردد كالببغاء ما يقوله غيره بلا وعي ، ولايكتشف أنه قـد خُدع إلا بعد فوات
الأوان ، فيقــال : " فلان إتْـنِكـَه" !
وملخّص نظرية التنك السياسية هذه ، أن تقتصـــر مهــمّة النظام السياسي فــي هذه
الخطــوات :
الخطوة الأولى : ـ
مواصلة التعبئة في الوعي واللاوعي للشعوب العربية والإسلامية ، أنها مجرد قطعــــان سائرة
وراء الغرب المتطوّر ــ أو لنقــل : قطع " تنك "بأعداد كبيرة جدا ! ــ وذلك بواسطة الإتهام
المتكرر لتراثها ، وتاريخها ، وثقافتها ، وشخصيّتها الحضاريّة ، بــل نفس تركيبة العقل العربي
والمسلم ، بأنّ ذلك كلّه من شأنه أن يولّد الإرهاب ، والتطرف ، والتشدد ، والتخلف ، لاسيما القرآن
العظــيم ـ تعالى الله عما يقول الكافرون علوا كبيرا ـ ومنابر الجمعة ، والمساجد ، وكتب الفقه ،
وكتب التاريخ العربي والإسلامي ، وكــلّ ما له علاقة بالإسلام هو السبب الرئيس في تخلف
الشعوب ، حتى الحجاب ، واللحية ، وكليات الشريعة .. إلخ !!
وفي هذه الخطوة يتـــــم رفع الشعـــــــوب العربيّة إلى المستوى الأوّل مــــن
حالة " التنكية" ، وبلاريب يجب أن يكون هذا تحت الإشراف الأمريكي .
الخطوة الثانيــــة :
توجيه وسائل الإعلام توجيها منهجيا ، لتفريغ العقول من القضايا المهمّة التي تحتاجها الأمّة اليوم
وهـــــي خمســة قضايا :
أولا :إعادة الإعتزاز بالإنتماء إلى الإسلام على أنه المكوّن الحضاري الأساس للأمّة ، على مستوى
العقيدة ، والتشريع ، والقيم الروحيّة ، والاخلاقيّة .
ثانيا : تحويل طاقات الأمّة من هذا الاعتزاز الذاتي بالهويّة والثقافة ، إلى تحمّل مسؤولية نشر الإسلام
عالميا متحديا برسالته العلوية السماوية ، كلّ المناهج الأرضيّة الوضعيّة ، متحولا من موقع الدفاع إلى
الهجوم .
ثالثا : تحقيق الوحدة التكامليّة للشعوب في نظام سياسي موحّـد ، يستــرد بلادها المحتلة ، ويخرج
كل قواعد الإحتلال وملحقاته منها ، ويعزز شخصيّتها الحضاريـّة عالميــّا ، ويحقّق استقلال القرار
السياسي للأمـّة ، والتكامل الإقتصادي ، والقوة العسكرية .
رابعا : توفير حقوق الشعوب العربيّـة والإسلاميّة كاملة ، وحفظ كرامة الفرد ، وضمان بقاء النظم
السياسية خادمة للشعوب أمينة على حفظ دينها ، وكرامتها وحقوقها ، مرهون بقاؤها بهذا الحفظ فحسب
، لا بأطماعها الشخصية ، ولا بتدخلات خارجــية .
خامسا : تطوير العلوم اللاّزمة للنهضة الشاملــة العلمية ، والسياسية ، والإدارية على مختلف
الأصعدة ، تطوير هذه العلوم ، وليس تخريب ( وليس هــو تطوير ) مناهج تعليم الشريعة واللغـة
العربية !!
تفريغ عقول الأمّة من هذه القضايا ، إلى إشغالهــا بثلاث قضايا تركّز عليها وسائل الإعلام :
ولاحظوا أن واقع وسائل الإعلام ، ومناهج الثقافة ، والمؤتمرات ، وحتى شيوخ الدين المزيفيّن أو الذي
تم تحويلهم إلى " تنك " بواسطة هذه النظرية الخطيــرة ، يجب أن يركزوا عليها دائمـا !!
وهي :
ـ مكافحة وهم "الإرهاب" ، وإشغال الدولة في ملاحقة شبحه ، من تغيير المناهج ، وتفتيش المساجد ،
وتنبيش عقول الشباب ، إلى البحث تحت الثياب ، ووراء النقاب.. إلــخ .
وعلى شيوخ الفتوى أن يتفرّغُوا لتوعية الشعوب من هذا الخطر الداهم ، ويجب تأجيل كلّ القضايا
الأخرى إلى أجل غيـر مسمّى ، فلاشيء أخطر على الأمّة اليوم ، من الإرهاب المختفي وراء النقاب ،
وتقصير الثياب ، ووراء الحديث عن توحيد الأمّة ، و الجهاد ، والتحذير من مكايد اليهود والنصارى ،
في المواقع الإلكترونية ، وزوايا المساجــد !!
في لهــث مستمر ، وحثيث ، ومجنون ، الهدف منه إبقاء الأمّة في حالة شعور بالذنب ، والتخلف ،
والبحث عن الذات ، والدفاع عن النفس ، وتغييبها عما يحاك ضدها ، بل تحويلها إلى وقود في
المشروع الذي يهدف إلى إخضاعها !
2ـ الحديث المتواصل عن الإصلاح الأمريكي الجــديـد ، وخطوات الإستجابة له في كلّ بــلد ،
وإلى أيّ مدى وصلت ، والتبشيــر بالمشروع الأمريكي الحالم ، الذي يرفع شعار الديمقراطية
والحرية وحقوق الإنســان ، بينما يخفــــــــي ثلاثة أمور :
أـ تجزئة وتفريق الامّة سياسيــّا ، وتخريب ثقافتها ، وأخلاقها .
ب ـ تفريغ المنطقة من احتمال بــروز أي لاعب استراتيجي فيها غير الهيمنة الأمريكية ، حتى إنه
يستعمل " لفظ الخوارج " ، لمن يفكّر بالخروج عن هذه الهيمنة إن كان في إطار الثقافة الإسلامية ،
والدول المارقة ، التي خرجت عن المجتمع الدولي ، أو التيارات الراديكالية ، إن كان غير ذلك !!
ج ـ "تسليــعْ" كل شيء فيها للأسواق الأمريكية.
ـ التركيز على قضية المرأة العربية المظلومة المسكينة التي تعاني من اضطهاد الرجل العربي ،
وامتدت إليها اليد الحانية الامريكية لتنقذها من بؤسها وشقاءها !
وبهذا يكتمل المستوى الثاني من الحالة " التنكية " !!
الخطوة الثالثة :
تهيئة الشعوب للحالة "التنكيّة" الكاملة ، وهنا يحصل شيء لايمكن تصديقه ، فيتم تخديــر العقول إلى
أن تصدق بما يلي :
ـ أنّ المحتل المغتصب الذي قتل من أمتنا الآلاف واغتصب وانتهك كل الحقوق ، ما هو إلا محسنٌ
ومتفضل على الشعوب : إن أعطاها بعض القطع من أرضها ، ومكّنها من التصرف في بعض إدارة
شئونها ، أو حرّر المرأة فيها ـ بينما هو يستعبد الدولة نفسها وتمتلأ سجون إحتلاله من أبناءهـا
يسمومهم سوء العذاب جهرا لاســرّا !! ـ كما يحدث في فلسطين ، والعراق ، وأفغانستان على سبيل
المثال .
2ـ أنّ الغازي المحتــلّ ، إنمــا هــو عاقل ، وحكيم ، وكبير في سموه ، وأخلاقه ، لأنّـه
جــاء ليعلــّم الشعوب الإسلامية كيف تفهم القرآن فهما صحيحا ، وتنظر إلى الشريعة الإسلامية
نظرة معتدلة وسطية ، بحيث ترى مشروع الإصلاح الأمريكي هو "المسيح المخلّص" ، وأما المقاومون
فهم المفســدون في الأرض ، يجب استئصالهم ، أو إيداعهم السجـــــــون !!
3ـ أن الأنظمة العربيّة عندما تسير وراء المشروع الأمريكي ، إنما ـ منطلقة من حرصها الكبير
والحنون على مصلحة شعوبها والذي طالما اتصفــت به ـ تريد أن تحقق الرفاه ، والحرية ،
وترتقي بحال شعوبها إلى ما كانت تصبوا إليه دائما ، من حياة كريمة ، يجد فيه الفرد لقمة العيش
الشريفة ، ويأمن على نفسه من قبضة الإستخبارات ، ووسائل التجسس ، وبطش البوليس السري ،
وتكميم الأفواه ، وإغلاق العقول ، ولهذا فإن طاعة هذه الأنظمة وهي تسير وراء المشروع الأمريكي :
هو مقتضى : الشرع ، والعقل ، والإتزان ، والحكـــمة ، والمصلحــة !!
ونضرب هنا مثالا حيا على حالة " تنكية كاملة ونموذجية " :
فعلى الفرد من الشعوب العربية أن يصدّق ، أن أمريكا لاتريد إخراج سوريا من لبنان من أجل حماية
الصهاينة ، وطرد الفصائل الفلسطينية من دمشق في إطــار المؤامرة لتقويض الإنتفاضــة ،
ولأجــل منع وجود أيّ لاعب خارج الهيمنة الأمريكية في المنطقة ، بل من أجل تحرير لبنان ، ومنع
الإستبداد ، وعدم السماح بوجود جيش دولة في حدود دولة أخرى ، وعلى الفرد أن يصدق أيضا أن
وجود الجيش الأمريكي في العراق ، مع المخابرات والموساد الصهيوني ، وما ترتب عليه من دماء
وانتهاكات لايمكن إحصاؤهــا ، مع استعمال كل وسائل الإستبداد العسكري ، والاستخباراتي ،
والسياسـي هناك ، والعبث بكل مقدرات العراق ، لايتناقض أبدا مع المطالب الأمريكية لسوريا ، لأنّ
ما تفعله أمريكا يختلف دائما ، وحتى لو لم تـر ـ أيهــا الفـرد العــربي ـ الفــرق ، فاتهّم
عقلك ولا تتّهم السياسـة الأمريكيّة !!
وإذا انتهت هذه الخطــوة الثالثة والأخيرة من نظرية " التَنَك " يتحقق نجاح المشروع الأمريكي .
ويتضح ذلك جليّا إذا تجوّل الأمريكي في بلادنا ، فنظر إلى الناس ، فـرآهم "علبا" من "تنك"
تتحرك : تضربــها وسائل الاعلام التي هي اأبواق للمشروع الأمريكي فتردد الضرب بأعلى منها
كالببغاء لكن بحماس أكبر ! ، ويشكلّهــا هذا المشروع كما يشاء أن يشكلّها ، ثـــمّ هـي ـ
كالتنك ـ لاتستحق أن تتحمّــل إلا أتفـه القضايا ، وأخسّ الهمم ، فيعلم حينئذ أن هذه النظريّة
قــد تم تطبيقها بأمـــــانة تامة في بلادنا العــربــيّة !
أما من يدعو أمّتنا إلى أن تكون أمة القرآن ، والحديد الذي فيه البأس الشديد ، فإنّه من الخوارج ، أو
التكفيريين ، أو المتطرفين ، فالحديد لايصح أن يكون إلا للقوات المحتلة ، وأما حقّ شعوب المنطقة فهو
نظرية "التنك" فحسب ، فإنّا لله وإنّا إليه راجعــــــون ..
منقول

تعليق