العاشق ذو المروءة

Collapse
X
 
  • الوقت
  • عرض
Clear All
new posts
  • فهد الروقي
    عضو متألق
    • Apr 2006
    • 3217

    #1

    العاشق ذو المروءة

    حكي عن الأصمعي أنه قال: دخلت البصرة أريد بادية بني سعد وكان على البصرة يومئذ خالد بن عبد الله القسري.
    فدخلت عليه فوجدت قوماً متعلقين بشاب ذي جمال وكمال وأدب ظاهر، بوجه زاهر حسن الصورة طيب الرائحة جميل البزة ، عليه سكينة ووقار ، فقدموه إلى خالد فسألهم عن قصته .
    فقالوا: هذا لص أصبناه البارحة في منازلنا . فنظر إليه فأعجبه حسن هيئته ونظافته .
    فقال : خلوا عنه . ثم أدناه منه وسأله عن قصته .
    فقال : إن القول ما قالوه والأمر على ما ذكروه .
    فقال له : ما حملك على ذلك وأنت في هيئة جميلة وصورة حسنة ؟
    قال : حملني الشره في الدنيا . وبذا قضى الله سبحانه وتعالى .
    فقال له خالد : ثكلتك أمك ، أما كان لك في جمال وجهك وكمال عقلك وحسن أدبك زاجر لك عن السرقة
    قال : دع عنك هذا أيها الأمير ، وانفذ ما أمرك الله تعالى به . فذلك بما كسبت يداي . وما الله بظلام للعبيد فسكت خالد ساعة يفكر في أمر الفتى ثم أدناه منه وقال له : إن اعترافك على رؤوس الأشهاد قد رابني وأنا ما أظنك سارقاً ، وإن لك قصة غير السرقة فأخبرني بها .
    فقال: أيها الأمير، لا يقع في نفسك سوى ما اعترفت به عندك، وليس لي قصة أشرحها لك إلا أني دخلت دار هؤلاء فسرقت منها مالاً فأدركوني وأخذوه مني وحملوني إليك .
    فأمر خالد بحبسه وأمر منادياً ينادي في البصرة : ألا من أحب أن ينظر إلى عقوبة فلان اللص وقطع يده فليحضر من الغد، فلما استقر الفتى في الحبس ووضع في رجليه الحديد تنفس الصعداء

    ثم أنشد يقول :
    هددني خالد بقطـع يـــــدي . . . إن لم أبح عنـده بقصتهــــا
    فقلت : هيهات أن أبوح بما . . . تضمن القلـب من محبتهــا
    قطع يدي بالذي اعترفت به . . . أهون للقلب من فضيحتهـا

    فسمعه الموكلون به فأتوا خالداً وأخبروه بذلك ، فلما جن الليل أمر بإحضاره عنده ، فلما حضر استنطقه فرآه أديباً عاقلاً لبيباً ظريفاً فأعجب به فأمر له بطعام فأكلا وتحادثا ساعة
    ثم قال له خالد : قد علمت أن لك قصة غير السرقة، فإذا كان غداً وحضر الناس والقضاة وسألتك عن السرقة فأنكرها واذكر فيها شبهاتٍ تدرأ عنك القطع ثم أمر به إلى السجن ، فلما أصبح الناس لم يبق بالبصرة رجل ولا امرأة إلا حضر ليرى عقوبة ذلك الفتى ، وركب خالد ومعه وجوه أهل البصرة وغيرهم ، ثم دعا بالقضاة وأمر بإحضار الفتى، فأقبل يحجل في قيوده، ولم يبق أحد من النساء إلا بكى عليه وارتفعت أصوات النساء بالبكاء والنحيب، فأمر بتسكيت الناس
    ثم قال له خالد : إن هؤلاء القوم يزعمون أنك دخلت دارهم وسرقت مالهم فما تقول ؟
    قال : صدقوا أيها الأمير ، دخلت دارهم وسرقت مالهم
    قال خالد : لعلك سرقت دون النصاب
    قال : بل سرقت نصاباً كاملاً
    قال خالد : فلعلك سرقته من غير حرز مثله ؟
    قال : بل من حرز مثله
    قال خالد : فلعلك شريك القوم في شيء منه ؟
    قال: بل هو جميعه لهم لا حق لي فيه
    فغضب خالد وقام إليه بنفسه وضربه على وجهه بالسوط
    وقال متمثلاً بهذا البيت
    يريد المرء أن يعطى مناه . . . ويأبـى الله إلا مـا أرادا
    ثم دعا بالجلاد ليقطع يده، فحضر وأخرج السكين، ومد يده ووضع عليها السكين فبرزت جارية من صف النساء عليها آثار وسخ ، ثم أسفرت عن وجه كأنه البدر وارتفع للناس ضجة عظيمة كاد أن تقع منه فتنة ثم صرخت ونادت خالد بأعلى صوتها ودفعت إليه برقعة ‘ ففضها خالد فإذا هي مكتوب فيها :

    أخـالـد هـذا مستهـام متيـــــــــمٌ . . . رمته لحاظي من قسـي الحمالـق
    فأصماه سهم اللحـظ منـي فقلبـه . . . حليف الجوى من دائه غير فائـق
    أقـر بمـا لـم يقتـرفـه لأنـــــــــه . . . رأى ذاك خيراً من هتيكة عاشـق
    فهلا على الصـب الكئيـب لأنـه . . . كريم السجايا في الهوى غير سارق

    فلما قرأ الأبيات تنحى وانعزل عن الناس وأحضر المرأة، ثم سألها عن القصة
    فأخبرته أن هذا الفتى عاشق لها وهي له كذلك، وأنه أراد زيارتها وأن يعلمها بمكانه، فرمى بحجر إلى الدار، فسمع أبوها واخوتها صوت الحجر، فصعدوا إليه، فلما أحس بهم جمع قماش البيت كله وجعله صرة، فأخذوه وقالوا: هذا سارق وأتوا به إليك فاعترف بالسرقة وأصر على ذلك حتى لا يفضحني بي اخوتي، وهان عليه قطع يده لكي يستر علي ولا يفضحني كل ذلك لغزارة مروءته وكرم نفسه
    فقال خالد: إنه خليق بذلك، ثم استدعى الفتى إليه وقبل ما بين عينيه وأمر بإحضار أبي الجارية وقال له: يا شيخ إنا كنا عزمنا على إنفاذ الحكم في هذا الفتى بالقطع، وإن الله عصمه من ذلك، وقد أمرت له بعشرة آلاف درهم لبذله يده وحفظه لعرضك وعرض ابنتك وصيانته لكما من العار، وقد أمرت لابنتك بعشرة آلاف درهم، وأنا أسألك أن تأذن لي في تزويجها منه
    فقال الشيخ: قد أذنت أيها الأمير بذلك


    منقووووووووووووول

    تكاد تضيء النار بين جوانحي. . . إذا هي أذكتها الصبابة والفكر
  • صبر السنين
    عضو متميز

    • Jan 2006
    • 10545

    #2
    الرد: العاشق ذو المروءة

    نهاية رائعة لقصة عشق أروع ,,

    صدق القائل ,,ومن الحب ما قتل ,,

    ياترى أين هذا الوفاء اليوم ,؟؟؟

    وأين تلك التضحية في هذا الزمان ؟؟

    سبحان الله ,,سبحان من يغير ولا يتغير ,,

    أخي فهد

    إختيار أكثر من رائع ونقل موفق ,,

    ولا شك في هذا بدون مجاملة,,

    فمن أختار هو كاتب وشاعر ,,

    أختك

    صبر السنين

    رحلة عمر مبداه لحظة سعاده ,,, ومنهاه يعلم خالق الكون فيها
    صبر السنين

    تعليق

    • أبو عبدالعزيز
      عضو متميز
      • Sep 2004
      • 5678

      #3
      الرد: العاشق ذو المروءة

      ماجمل هذه القصص
      يعطيك الف عافيه أخت صبر السنين على حسن الأختيار
      تقبلي خالص تحياتي,,,

      تعليق

      • هتان
        عضو متألق
        • Mar 2005
        • 3097

        #4
        الرد: العاشق ذو المروءة

        قصه غاااايه في الجمال والوفاء والتضحيه
        اين شباب هذا اليوم ..من يتسلون بعروض الناس ويتفننون في فضيحتهم
        من هذا الشاب ومروءته

        شكرا لك فهد على القصه الرائعه
        ودمت بخير

        تعليق

        • فهد الروقي
          عضو متألق
          • Apr 2006
          • 3217

          #5
          الرد: العاشق ذو المروءة

          الأخت ... صبر السنين ...

          أسعدني عبق مرورك ...


          دمت بخير .
          تكاد تضيء النار بين جوانحي. . . إذا هي أذكتها الصبابة والفكر

          تعليق

          • فهد الروقي
            عضو متألق
            • Apr 2006
            • 3217

            #6
            الرد: العاشق ذو المروءة

            الأخ ... أبو عبدالعزيز ...


            كل الشكر لشخصك الكريم ....


            تحياتي .
            تكاد تضيء النار بين جوانحي. . . إذا هي أذكتها الصبابة والفكر

            تعليق

            • فهد الروقي
              عضو متألق
              • Apr 2006
              • 3217

              #7
              الرد: العاشق ذو المروءة

              الأخت ... هتان ...

              المروءة أحد الركائز الخمس للرجولة الكاملة ...

              فمن فقدها ... فقد خمس رجولته ...


              كل الشكر على هذه المرور المتميز .


              دمت بخير
              تكاد تضيء النار بين جوانحي. . . إذا هي أذكتها الصبابة والفكر

              تعليق

              • safae
                عضو فعال
                • Dec 2005
                • 225

                #8
                الرد: العاشق ذو المروءة

                أخي فهد الروقي .... سلمت اليد التي تنقل ماهو رائع ومفيد .... فعلا قصة رمزية

                رااااااائعة ولها أبعادها واسشفافاتها .... بانتظار روائعك ...



                [IMG]http://ma887***********/Dove1.gif.jpg[/IMG]


                ~*¤ô§ô¤*~المهاجر 79~*¤ô§ô¤*~

                تعليق

                • عصام زايد
                  مستشار ساندروز
                  • Jul 2004
                  • 10571

                  #9
                  الرد: العاشق ذو المروءة

                  مشكور اخي الغالي فهد
                  قصة وحكمة شد ما نحن بحاجتها
                  اول كف بيعترف بالي ما صار
                  مشكور اخي العزيز على ما تتحفنا به
                  من روائع ادبنا العربي وما اكثرها
                  مع تحياتي

                  عصام زايد

                  ( ثلاثة هي فرحة الدنيا وبهجتها )

                  ( شمس الضحى وشيماء والقمر )

                  للاطلاع على كل ما هو جديد
                  زوروا مكتبة ساندروز الثقافية

                  تعليق

                  • فهد الروقي
                    عضو متألق
                    • Apr 2006
                    • 3217

                    #10
                    الرد: العاشق ذو المروءة

                    أخي عصام زايد ...

                    أشكر لك جميل مرورك ...

                    دائماً تغمرني بلطفك .


                    تحياتي القلبية .
                    تكاد تضيء النار بين جوانحي. . . إذا هي أذكتها الصبابة والفكر

                    تعليق

                    مواضيع مرتبطة

                    Collapse

                    جاري العمل...