من علي بن أبي طالب إلى مالك ابن الأشتر
أرسل علي بن أبي طالب رضي الله عنه إلى مالك بن الحارث الأشتر النخعي بعد أن ولاه مصر بقوله:
إعلم أنه ليس شيئ بأدعى إلى حسن ظن والٍ برعيته من إحسانه إليهم، وتخفيضه المؤونات عليهم، وترك استكراهه إياهم على ما ليس له قبلهم، وليكن منك في ذلك أمر يجمع لك حسن الظن برعيتك، فإن حسن الظن يقطع عنك نصباً طويلاً، وإن أحق من حسن به ظنك لمن حسن بلاؤك عنه، ولا تنقض سنة صالحة عمل بها صدور هذه الأمة، واجتمعت عليها الرعية، ولا تحدثن سنة تضر بشيئ مما مضى من تلك السنن، فيكون الأجر لمن سنها والوزر عليك بما نقضت منها.
الناسك والفارس
روي أن ناسكا كان يتعبد في صومعة تقع بجانبها عين ماء، فمر فارس من هناك يوما، ثم انصرف بعد أن شرب ونسي عند الماء صرة بها ألف دينار. وجاء بعد ذلك رجل آخر فأخذ الصرة ومضى بها، ثم جاء رجل فقير فشرب من العين واستلقى ليستريح، وهنا رجع الفارس في طلب الصرة فلم يجدها .. ووجد ذلك الفقير، فشك في أنه لا يعلم عنها شيئاً عذبه الفارس بالقتل إن لم يردها له، ولما أصر الفقير على أنه لا يعلم عنها شيئاً عذبه الفارس ثم قتله، وعندما عرف الناسك ما حدث ناجى ربه قائلاً: »يارب أيأخذ الصرة رجل وتسلط الفارس الظالم على الفقير فقتله؟«
فأوحى له الله: أن اشتغل بنفسك، فليست معرفة أسرار الملك من شأنك .. إن هذا الفقير كان قد قتل أبا الفارس فمكنت الفارس من القصاص، وإن أبا الفارس كان قد أخذ ألف دينار من مال الرجل الذي أخذ الصرة .. فرددتها إليه.
المأمون غيباً الناصح جيباً
قال أعرابي لسليمان بن عبد الملك: اني أكلمك يا أمير المؤمنين بكلام فاحتمله فإن وراءه إن قبلته ما تحبه قال: هاته يا أعرابي، فنحن نجود بسعة الاحتمال على من لا نأمن غيبته ولا نرجو نصيحته وأنت المأمون غيباً الناصح جيباً. قال: فإني سأطلق لساني بما خرست عنه الألسن تأدية لحق الله تعالى، إنه قد اكتنفك رجال أساؤوا الاختيار لأنفسهم، وابتاعوا دنياك بدينهم ورضاك بسخط ربهم وخافوك في الله ولم يخافوا الله فيك، فهم حرب للآخرة وسلم للدنيا، فلا تأمنهم على ما ائتمنك الله عليه فإنهم لم يألوا الأمانة تضييعاً، والأمة خسفاً وكسفاً وأنت مسؤول عما اجترموا وليسوا مسؤولين عما اجترموا فلا تصلح دنياهم بفساد آخرتك، فإن أعظم الناس عند الله غبناً من باع آخرته بدنيا غيره.
فقال سليمان: أما أنت يا أعرابي فقد سللت لسانك وهو سيفك، قال: أجل يا أمير المؤمنين لك لا عليك.
حكم وحكماء
< من ترك فضول الكلام .. منح الحكمة.
ومن ترك فضول النظر .. مح الخشوع.
ومن ترك فضول الطعام .. منح لذة العبادة.
ومن ترك فضول الضحك .. منح الهيبة.
ومن ترك المزاح .. منح البهاء.
ومن ترك حب الدنيا .. منح حب الآخرة.
ومن ترك الاشتغال بعيوب غيره، منح الإصلاح لعيوب نفسه.
وقال الشاعر:
والنفس كالطفل - إن تتركه شبَّ على حب الرضاع، وإن تفطمه ينفطمُ
دخل أبو الدرداء - رضي الله عنه - الشام، فقال: يا أهل الشام: اسمعوا قول أخ ناصح، فاجتمعوا عليه، ما لي أراكم تبنون ما لا تسكنون! وتجمعون ما لا تأكلون! إن الذين كانوا قبلكم بنوا مشيداً، وأملوا بعيداً، وجمعوا كثيراً، فأصبح أملهم غروراً، وجمعهم ثبوراً ومساكنهم قبوراً.
لا تغضب
وضع النبي صلى الله عليه وسلم أحد أهم وأبرز أسس التحكم بالانفعالات النفسية السلبية عندما قال: »ليس الشديد بالصرعة، إنما الشديد من يملك نفسه عن الغضب«.
فالقوة والشدة إنما تكمن فيمن يتحكم بهذه الإنفعالات السلبية، وفي الحديث تقرير بأن كل نفس تنفعل وتثور عندما يستفزها الآخرون أو الظروف أو أي نوع من أنواع البلاء، ولكن القوي هو من يستطيع ترويض هذه النفس وتهدئة ثورتها وهيجانها.
والسؤال الذي يبرز هنا: ما خطوات السيطرة على النفس عند الهيجان؟.
إن الخطوة الأولى أن يتذكر المسلم أن الذي يدفعه لهذا الغضب السلبي هو عدوه الأول: الشيطان، لأنه يريد له الشر، وأن يقع فيما يغضب الله ... لذلك أوصانا النبي صلى الله عليه وسلم بالاستعاذة بالله من الشيطان عند أول الشعور بالغضب، كما جاء في البخاري، خاصة إذا استذكر معنى: »أعوذ بالله من الشيطان الرجيم« أي ألجأ إليك يا رب وأطرق بابك، وأستعيذ بك من شر الشيطان الرجيم« (البخاري).
وتتوقف نتيجة الاستعاذة وتأثيرها في تسكين الغضب والانفعال على الحالة الإيمانية والعلاقة بين الغاضب وربه، لذلك قال الإمام الطيبي: ولا تنفع الاستعاذة إلا المتقين بدليل قوله تعالى: (إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا) (الأعراف: 201) أي ما أمرهم به تعالى ونهاهم عنه، (فإذا هم مبصرون (201)) لطريق السداد، ودفعوا ما وسوس به إليهم« (مرقاة المفاتيح 5/267).
هل تعلم أن ...؟
- قارب صيد أيرلندي تمكن من اصطياد غواصة نووية وزنها 3900 طن.
- ثمرة جوز الهند تحتاج إلى سنة كاملة لكي يتم نضجها.
- اللغة الأمهرية وهي لغة أثيوبيا تتكون من 267 حرفاً.
- ماركوني اخترع الإذاعة سنة 1896م بعد أن تخطى عمره الستين عاماً.
- سيدة إيطالية أنجبت 52 طفلاً منهم 14 توأماً ثنائياً وثلاثياً ورباعياً قبل أن تصل إلى سن الأربعين.
- النساء يتكلمن لغة تختلف عن لغة الرجال في جزيرة دومنيكا.
- الإنجليزي توبي جريفر حقق رقماً قياسياً طريفاً في مارس 1990م عندما رمي خيارة إلى مسافة 40 متراً تقريباً.
- الكندي جون تورمان رشح نفسه 41 مرة في انتخابات مختلفة وخسر فيها جميعاً.
- الرقم القياسي للصفار داخل بيضة واحدة هو 9.
- كلير ويجان بكمان من ولاية نيوجرسي الأمريكية اشترت طاولة مستعملة استغنى عنها أصحابها بمبلغ 25 دولار ... وباعتها فيما بعد فحققت 541 ألف دولار.
- البقرة تستهلك 57 كيلوا جراماً من العلف والماء كي تنتج ما يوازي 454 جراماً من الزبدة.
- عدد الدجاج على الأرض يكفي بما يوازي دجاجتين لكل فرد من سكان الأرض.
الوفاء في الاسلام
بينما كان المسلمون يحاصرون مدينة »السوس« في حروبهم مع الفرس، إذ بهم يفاجأون أن أهل المدينة يفتحون أبوابها، ويخرجون إلى السوق من غير سلاح آمنين مطمئنين، وكأنهم ليسوا في حالة حرب، فأرسل المسلمون إليهم يسألونهم عن سر هذا التحول المفاجئ وخروجهم وهم عزل من السلاح وذهابهم إلى السوق لقضاء حوائجهم دون أن يخشوا شيئاً، فأجابهم أهل المدينة: »رميتم إلينا بالأمان، فقبلناه، وأقررنا لكم بالجزاء على أن تمنعونا«.
فقال المسلمون في دهشة: »ما فعلنا«.
فقالوا: »ما كذبنا«.
فأخذ المسلمون يسأل بعضهم بعضاً، فإذا عبد من المسلمين يدعى مكنفاً يقول: إنه هو الذي كتب لهم الأمان.
وأراد المسلمون أن يردوا الأمان الذي أعطاهم إياه عبد لا يملك من أمر نفسه شيئاً، فقالوا لهم: إنا نعرف حركة من عبدكم، وقد جاءنا أمان فنحن عليه، قد قبلناه ولم نبذل: فإن شئتم فاغدروا.
فاضطر المسلمون إلى وقف القتال وعدم التعرض لهم حتى يسألوا أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه ... فبعث إليهم عمر يقول: »إن الله عظم الوفاء، فلن تكونوا أوفياء حتى تفوا، ما دمتهم في شك أجيزوهم ووفوا لهم«.
فأطاع المسلمون أمر عمر، ووفوا لهم، ولم ينقصوهم من حقوقهم شيئاً، وأعطوهم الأمان.
أأنت الأصمعي
قال الأصمعي: خرجت ذات يوم من المسجد الجامع بالبصرة، وبينما أنا في بعض الطرق، إذ طلع أعرابي بيده قوس، فدنا وسلم وقال لي: ممن الرجل؟ قلت: من بني الأصمع، قال: أنت الأصمعي؟، قلت: نعم، قال: ومن أين أقبلت؟، قلت: من موضع يُتلى فيه كلام الرحمن، قال: وللرحمن كلام يتلوه الآدميون! قلت: نعم، قال: اتل عليّ شيئاً منه، فقلت له: انزل عن قعودك، فنزل، وابتدأت بسورة الذاريات، فلما انتهيت إلى قوله تعالى: (وفي السماء رزقكم وما توعدون)
أرسل علي بن أبي طالب رضي الله عنه إلى مالك بن الحارث الأشتر النخعي بعد أن ولاه مصر بقوله:
إعلم أنه ليس شيئ بأدعى إلى حسن ظن والٍ برعيته من إحسانه إليهم، وتخفيضه المؤونات عليهم، وترك استكراهه إياهم على ما ليس له قبلهم، وليكن منك في ذلك أمر يجمع لك حسن الظن برعيتك، فإن حسن الظن يقطع عنك نصباً طويلاً، وإن أحق من حسن به ظنك لمن حسن بلاؤك عنه، ولا تنقض سنة صالحة عمل بها صدور هذه الأمة، واجتمعت عليها الرعية، ولا تحدثن سنة تضر بشيئ مما مضى من تلك السنن، فيكون الأجر لمن سنها والوزر عليك بما نقضت منها.
الناسك والفارس
روي أن ناسكا كان يتعبد في صومعة تقع بجانبها عين ماء، فمر فارس من هناك يوما، ثم انصرف بعد أن شرب ونسي عند الماء صرة بها ألف دينار. وجاء بعد ذلك رجل آخر فأخذ الصرة ومضى بها، ثم جاء رجل فقير فشرب من العين واستلقى ليستريح، وهنا رجع الفارس في طلب الصرة فلم يجدها .. ووجد ذلك الفقير، فشك في أنه لا يعلم عنها شيئاً عذبه الفارس بالقتل إن لم يردها له، ولما أصر الفقير على أنه لا يعلم عنها شيئاً عذبه الفارس ثم قتله، وعندما عرف الناسك ما حدث ناجى ربه قائلاً: »يارب أيأخذ الصرة رجل وتسلط الفارس الظالم على الفقير فقتله؟«
فأوحى له الله: أن اشتغل بنفسك، فليست معرفة أسرار الملك من شأنك .. إن هذا الفقير كان قد قتل أبا الفارس فمكنت الفارس من القصاص، وإن أبا الفارس كان قد أخذ ألف دينار من مال الرجل الذي أخذ الصرة .. فرددتها إليه.
المأمون غيباً الناصح جيباً
قال أعرابي لسليمان بن عبد الملك: اني أكلمك يا أمير المؤمنين بكلام فاحتمله فإن وراءه إن قبلته ما تحبه قال: هاته يا أعرابي، فنحن نجود بسعة الاحتمال على من لا نأمن غيبته ولا نرجو نصيحته وأنت المأمون غيباً الناصح جيباً. قال: فإني سأطلق لساني بما خرست عنه الألسن تأدية لحق الله تعالى، إنه قد اكتنفك رجال أساؤوا الاختيار لأنفسهم، وابتاعوا دنياك بدينهم ورضاك بسخط ربهم وخافوك في الله ولم يخافوا الله فيك، فهم حرب للآخرة وسلم للدنيا، فلا تأمنهم على ما ائتمنك الله عليه فإنهم لم يألوا الأمانة تضييعاً، والأمة خسفاً وكسفاً وأنت مسؤول عما اجترموا وليسوا مسؤولين عما اجترموا فلا تصلح دنياهم بفساد آخرتك، فإن أعظم الناس عند الله غبناً من باع آخرته بدنيا غيره.
فقال سليمان: أما أنت يا أعرابي فقد سللت لسانك وهو سيفك، قال: أجل يا أمير المؤمنين لك لا عليك.
حكم وحكماء
< من ترك فضول الكلام .. منح الحكمة.
ومن ترك فضول النظر .. مح الخشوع.
ومن ترك فضول الطعام .. منح لذة العبادة.
ومن ترك فضول الضحك .. منح الهيبة.
ومن ترك المزاح .. منح البهاء.
ومن ترك حب الدنيا .. منح حب الآخرة.
ومن ترك الاشتغال بعيوب غيره، منح الإصلاح لعيوب نفسه.
وقال الشاعر:
والنفس كالطفل - إن تتركه شبَّ على حب الرضاع، وإن تفطمه ينفطمُ
دخل أبو الدرداء - رضي الله عنه - الشام، فقال: يا أهل الشام: اسمعوا قول أخ ناصح، فاجتمعوا عليه، ما لي أراكم تبنون ما لا تسكنون! وتجمعون ما لا تأكلون! إن الذين كانوا قبلكم بنوا مشيداً، وأملوا بعيداً، وجمعوا كثيراً، فأصبح أملهم غروراً، وجمعهم ثبوراً ومساكنهم قبوراً.
لا تغضب
وضع النبي صلى الله عليه وسلم أحد أهم وأبرز أسس التحكم بالانفعالات النفسية السلبية عندما قال: »ليس الشديد بالصرعة، إنما الشديد من يملك نفسه عن الغضب«.
فالقوة والشدة إنما تكمن فيمن يتحكم بهذه الإنفعالات السلبية، وفي الحديث تقرير بأن كل نفس تنفعل وتثور عندما يستفزها الآخرون أو الظروف أو أي نوع من أنواع البلاء، ولكن القوي هو من يستطيع ترويض هذه النفس وتهدئة ثورتها وهيجانها.
والسؤال الذي يبرز هنا: ما خطوات السيطرة على النفس عند الهيجان؟.
إن الخطوة الأولى أن يتذكر المسلم أن الذي يدفعه لهذا الغضب السلبي هو عدوه الأول: الشيطان، لأنه يريد له الشر، وأن يقع فيما يغضب الله ... لذلك أوصانا النبي صلى الله عليه وسلم بالاستعاذة بالله من الشيطان عند أول الشعور بالغضب، كما جاء في البخاري، خاصة إذا استذكر معنى: »أعوذ بالله من الشيطان الرجيم« أي ألجأ إليك يا رب وأطرق بابك، وأستعيذ بك من شر الشيطان الرجيم« (البخاري).
وتتوقف نتيجة الاستعاذة وتأثيرها في تسكين الغضب والانفعال على الحالة الإيمانية والعلاقة بين الغاضب وربه، لذلك قال الإمام الطيبي: ولا تنفع الاستعاذة إلا المتقين بدليل قوله تعالى: (إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا) (الأعراف: 201) أي ما أمرهم به تعالى ونهاهم عنه، (فإذا هم مبصرون (201)) لطريق السداد، ودفعوا ما وسوس به إليهم« (مرقاة المفاتيح 5/267).
هل تعلم أن ...؟
- قارب صيد أيرلندي تمكن من اصطياد غواصة نووية وزنها 3900 طن.
- ثمرة جوز الهند تحتاج إلى سنة كاملة لكي يتم نضجها.
- اللغة الأمهرية وهي لغة أثيوبيا تتكون من 267 حرفاً.
- ماركوني اخترع الإذاعة سنة 1896م بعد أن تخطى عمره الستين عاماً.
- سيدة إيطالية أنجبت 52 طفلاً منهم 14 توأماً ثنائياً وثلاثياً ورباعياً قبل أن تصل إلى سن الأربعين.
- النساء يتكلمن لغة تختلف عن لغة الرجال في جزيرة دومنيكا.
- الإنجليزي توبي جريفر حقق رقماً قياسياً طريفاً في مارس 1990م عندما رمي خيارة إلى مسافة 40 متراً تقريباً.
- الكندي جون تورمان رشح نفسه 41 مرة في انتخابات مختلفة وخسر فيها جميعاً.
- الرقم القياسي للصفار داخل بيضة واحدة هو 9.
- كلير ويجان بكمان من ولاية نيوجرسي الأمريكية اشترت طاولة مستعملة استغنى عنها أصحابها بمبلغ 25 دولار ... وباعتها فيما بعد فحققت 541 ألف دولار.
- البقرة تستهلك 57 كيلوا جراماً من العلف والماء كي تنتج ما يوازي 454 جراماً من الزبدة.
- عدد الدجاج على الأرض يكفي بما يوازي دجاجتين لكل فرد من سكان الأرض.
الوفاء في الاسلام
بينما كان المسلمون يحاصرون مدينة »السوس« في حروبهم مع الفرس، إذ بهم يفاجأون أن أهل المدينة يفتحون أبوابها، ويخرجون إلى السوق من غير سلاح آمنين مطمئنين، وكأنهم ليسوا في حالة حرب، فأرسل المسلمون إليهم يسألونهم عن سر هذا التحول المفاجئ وخروجهم وهم عزل من السلاح وذهابهم إلى السوق لقضاء حوائجهم دون أن يخشوا شيئاً، فأجابهم أهل المدينة: »رميتم إلينا بالأمان، فقبلناه، وأقررنا لكم بالجزاء على أن تمنعونا«.
فقال المسلمون في دهشة: »ما فعلنا«.
فقالوا: »ما كذبنا«.
فأخذ المسلمون يسأل بعضهم بعضاً، فإذا عبد من المسلمين يدعى مكنفاً يقول: إنه هو الذي كتب لهم الأمان.
وأراد المسلمون أن يردوا الأمان الذي أعطاهم إياه عبد لا يملك من أمر نفسه شيئاً، فقالوا لهم: إنا نعرف حركة من عبدكم، وقد جاءنا أمان فنحن عليه، قد قبلناه ولم نبذل: فإن شئتم فاغدروا.
فاضطر المسلمون إلى وقف القتال وعدم التعرض لهم حتى يسألوا أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه ... فبعث إليهم عمر يقول: »إن الله عظم الوفاء، فلن تكونوا أوفياء حتى تفوا، ما دمتهم في شك أجيزوهم ووفوا لهم«.
فأطاع المسلمون أمر عمر، ووفوا لهم، ولم ينقصوهم من حقوقهم شيئاً، وأعطوهم الأمان.
أأنت الأصمعي
قال الأصمعي: خرجت ذات يوم من المسجد الجامع بالبصرة، وبينما أنا في بعض الطرق، إذ طلع أعرابي بيده قوس، فدنا وسلم وقال لي: ممن الرجل؟ قلت: من بني الأصمع، قال: أنت الأصمعي؟، قلت: نعم، قال: ومن أين أقبلت؟، قلت: من موضع يُتلى فيه كلام الرحمن، قال: وللرحمن كلام يتلوه الآدميون! قلت: نعم، قال: اتل عليّ شيئاً منه، فقلت له: انزل عن قعودك، فنزل، وابتدأت بسورة الذاريات، فلما انتهيت إلى قوله تعالى: (وفي السماء رزقكم وما توعدون)
الذاريات/22، قال: يا الأصمعي! هذا كلام الرحمن؟ قلت: أي والذي بعث محمداً بالحق إن لكلامه أنزله على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم! فقال لي: حسبك! ثم قام إلى ناقته فنحرها وقطعها بجلدها، وقال: أعني على تفريقها ففرقناها على من أقبل وأدبر، ثم عمد إلى سيفه وقوسه فكسرهما وجعلهما تحت الرحل، وولى مدبراً نحو البادية وهو يقول: (وفي السماء رزقكم وما توعدون)، فأقبلت على نفسي باللوم، وقلت: لم تنتبه لما انتبه له الأعرابي، فلما حججت مع هارون الرشيد دخلت مكة، فبينما أنا أطوف بالكعبة إذ هتف بي هاتف بصوت دقيق، فالتفت فإذا أنا بالأعرابي نحيلاً فسلم عليّ وأخذ بيدي وأجلسني من وراء المقام، وقال لي: اتل كلام الرحمن، فأخذت في سورة الذاريات، فما انتهيب إلى قوله تعالى: (وفي السماء رزقكم وما توعدون)، صاح الأعرابي: وجدنا ما وعدنا ربنا حقاً، ثم قال: وهل غير هذا؟ قلت: نعم، يقول الله عزّ وجلّ: (فورب السماء والأرض إنه لحق مثل ما أنكم تنطقون) الذاريات/23، فصاح الأعرابي، وقال: يا سبحان الله! من الذي أغضب الجليل حتى حلف؟! قالها ثلاثاً: وخرجت فيها روحه - رحمه الله.
