من صبر غنم

Collapse
X
 
  • الوقت
  • عرض
Clear All
new posts
  • ساندروز
    المدير العام

    • Sep 2000
    • 12032

    #1

    من صبر غنم

    في دروب الحياة المتعرجة، وتحت تقلبات الأيام والليالي، يظهر جوهر الإنسان في قدرته على الصبر، فمن صبر غنم، ومن استعجل الشيء قبل أوانه عوقب بحرمانه. الصبر ليس ضعفًا ولا خنوعًا، بل هو قوة داخلية تتحدى العوائق، وتثبت على المبادئ، وتقاوم الانكسار في وجه الشدائد، وهو من أعظم العبادات التي أمر الله بها وبيّن فضلها في كتابه الكريم، وسنّة نبيه ﷺ.

    قال الله تعالى: ﴿وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ، الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ [البقرة: 155-156]. هذه الآية الكريمة ترسم الطريق لمن أصابته المصائب، وتدلنا على أن من تمسك بالصبر نال البشارة من الله، وهذه البشارة لا تكون إلا لمن استحقها بإيمانه وثباته.

    وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [الزمر: 10]، وهذه أعظم منزلة يمكن أن يطمح إليها مؤمن، أن يكون أجره بغير عدد ولا حد، جزاءً على صبره واحتسابه.

    كم من إنسان عانى مرارة الحرمان، وضيق العيش، وألم الظلم، لكنه تمسك بحبل الصبر، ولم يفلت إيمانه بأن الفرج قادم، وأن الله لا يضيع أجر الصابرين. في الصبر رجاء، وفي الرجاء حياة. وكل من تمسك بالصبر، نال في النهاية ما يستحق، وربما أكثر مما تمنى.

    قال رسول الله ﷺ: "وَمَن يَتَصَبَّرْ يُصَبِّرْهُ اللَّهُ، وَما أُعْطِيَ أَحَدٌ عَطاءً خَيْرًا وأوْسَعَ مِنَ الصَّبْرِ" [رواه البخاري ومسلم]. فهذا الحديث النبوي يؤكد أن الصبر لا يُمنَح إلا لمن هو أهل له، وأنه من أعظم الهبات التي يكرم الله بها عباده.

    التاريخ مليء بقصص أولئك الذين صبروا، فتحولت محنهم إلى منح، وأوجاعهم إلى أمجاد. يوسف عليه السلام سُجن ظلمًا، لكنه لم يفقد ثقته بالله، فجاءه التمكين على خزائن الأرض. قال تعالى في نهاية قصته: ﴿وَكَذَٰلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ﴾ [يوسف: 21]، فكان جزاء الصبر التمكين.

    وأيوب عليه السلام ابتلي في جسده وأهله وماله، فصبر، فكان جزاؤه أن أعاد الله له كل شيء مضاعفًا، كما قال سبحانه: ﴿إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا ۚ نِعْمَ الْعَبْدُ ۖ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ [ص: 44].

    حتى في حياة الناس البسطاء من حولنا، كم من أم صبرت على تربية أبنائها، فصاروا منارات علم وفخر، وكم من موظف احتمل سنوات من الجهد دون تقدير، فجاءه الترقّي حين ظن أنه قد نُسي.

    الصبر لا يعني الركود، بل هو العمل بصمت، والاحتساب دون ضجيج، والتوكل دون شكوى. الصابر لا ييأس، ولا يقارن نفسه بمن سبقوه، لأنه يعلم أن لكل زرع موسمه، ولكل مجتهد وقت حصاده. وقد يكون تأخر النصر لحكمة لا يعلمها إلا الله، وقد يكون التأخير نفسه اختبارًا لصبر المرء وصدق عزيمته.

    ومن صبر على جفاء الناس، نال محبتهم. ومن صبر على الفقر، فتح الله له أبواب الرزق. ومن صبر على المرض، كتب الله له الأجر والعافية. فالصبر مفتاح كل خير، وهو الدرب الطويل الذي يوصل إلى الأمل، حين تتلاشى كل الطرق الأخرى.

    قال رسول الله ﷺ: "عجبًا لأمر المؤمن، إن أمره كله له خير، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن؛ إن أصابته سرّاء شكر، فكان خيرًا له، وإن أصابته ضرّاء صبر، فكان خيرًا له" [رواه مسلم].

    إذا ضاقت بك الدنيا، فلا تيأس، واذكر أن ما مضى لن يعود، وما هو آتٍ قد يكون أجمل إن تمسكت بالصبر. لا تستعجل الفرج، ولا تكثر الشكوى، فكل لحظة تصبر فيها، هي خطوة نحو الفرج، وكل دمعة تمسحها بيديك دون أن يراها أحد، هي شاهد على قوتك، لا ضعفك.

    من صبر غنم، ومن استعان بالصبر ظفر، ومن صدق الله في صبره، أعانه الله بما لا يحتسب، كما قال تعالى: ﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا، وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾ [الطلاق: 2-3].


    هاتف:
    0055-203 (715) 001
    0800-888 (715) 001

مواضيع مرتبطة

Collapse

جاري العمل...