الواسطة والمحسوبية.. في أبعادها المتعددة
صباحكم بلا واسطات
الا واسطة المحبة والتآخي في الله
صباحكم عطاء بلا حدود
ومن اجل العطاء ذاته
لا من اجل فلان او فلان
صباحكم عطاء لا ينضب
قرأت هذا الموضوع الذي نعاني منه جميعا
على كافة اصعدة الحياة
فأحببت ان نقرأه معا
تفضلوا مشكورين

إذن ، فما يسميه عامة الناس (واسطة) هو في واقعه (محسوبية) و(محاباة) ، غير أنهم اختاروا لفظاً أكثر تهذيباً ورقة ، وأقل ارتباطاً في الذهن بمعاني الفساد ، فقالوا أنها (واسطة) ، على أساس أن (الواسطة) في اللغة تعني : كل ما يتم التوصّل من خلاله إلى شيء !
أبعاد نفسية
إذا وجد الذين لم يحظوا بالواسطة ، أن أقرانهم ومن حولهم ممن ظفروا بها قد تفوّقوا عليهم ، ونالوا الحظوة أو الجاه أو المال أو المكانة أو الوظيفة أو الشهادة أو سوى ذلك من المميزات ، التي ما كانوا ليدركوها لولا تلك (الواسطة) ، ولولا غياب تكافؤ الفرص والعدالة والمساواة ، فإن ذلك يبعث في نفوس هؤلاء الذين حرموا من تلك المميزات شعوراً بالإحباط والغبن ، مع ما ينجم عن الاحباط من عدوان وحقد ، قد يتوجّه إلى خارج النفس ونحو المجتمع ، سواء إلى الجهة المسؤولة عن هذا الاحباط ، أو يتوجه لاشعورياً إلى جهة أخرى بديلة ، أو يرتدُّ هذا العدوان إلى داخل النفس فيجرُّ معه مآسي نفسية أخرى.
وربما كانت الآثار أعلاه ، واضحة جلية ، أو معروفة بَدَهيّة ، لكن من آثار الواسطة ما هو مستتر خفي قلّما نَفْطنُ إليه ، ومن تلك الآثار مثلاً أن (الواسطة) تقدم شمّاعة نفسية مُقنِعَةً لمن يُخفقون في حياتهم وأعمالهم ، فإذا فشل المرء في وظيفته أو مهنته أو مشروعه أو ربما دراسته أحياناً ، عزا ذلك إلى أنه لا يملك واسطة ، وأنه لو ملكها لفاز فوزاً عظيماً 0 ثم نظر إلى الذين نجحوا حيث فشل وقال : ( لولا الواسطة ما بلغوا شيئاً مما وصلوا إليه).
وربما أضاف بعض العبارات التي تبثُّ اليأس في نفسه وفي نفوس من حوله ، كأن يقول بالتعبير العامي : ( اللي ما إِلُه وساطة لا يتعب ولا يشقى ) أو ( كل إشي بالواسطة ).
ومثل هؤلاء مُحّقون حين يشيرون إلى شيوع الواسطة وانتشارها وتأثيرها في الفشل والنجاح ، لكنهم يجانبون الصواب حين يعتبرون أنها (أي الواسطة) سببٌ في كل نجاح وغيابها سبب في كل اخفاق ، فكم نجح أناس لا واسطة لهم ، وأخفق آخرون أُتيحت لهم صنوفٌ من الواسطات 0 دون أن يعني قولنا هذا التقليل من آثار الواسطة وتأثيراتها واتساع وعمق نطاقها.
أبعاد اجتماعية
لأنكى من الواسطة ذاتها ، تلك الثقافة والأفكار والقيم والاتجاهات ، التي تبعث على هذا السلوك (الواسطة) وتعززه وتبرِّرهُ وتُضفي عليه الشرعية ، بل تجعل من الخروج على مقتضياته خطأ اجتماعياً يستوجب العقوبة (العقوبة الاجتماعية) مثل إتهام من لا يتوسط للآخرين بعدم مساعدة الأهل ، ونسيان المعارف بعد الوصول للمنصب ، والخوف ، وعدم التمكّن ، إضافة إلى تشويه السمعة وربما المقاطعة 0 كما تجعل هذه الثقافة من ممارسة الواسطة فعلاً يستوجب المكافأة الاجتماعية ، كوصف من قام بها بالنخوة ! وإغاثة الملهوف ! وحُبّ المساعدة ! والاخلاص للعشيرة والقبيلة والإقليم ! ووصفه بعد ذلك بأنه (رَجلٌ بحق) ، فكأنما الرّجولة تكون فـي مخالفة القانون ، ومجافاة الحق والعدالة ، وظلم الآخر ، ومحاباة الأقربين ، والانتماء الضيق !
وتأخذ الواسطة في المجتمعات النامية صيغة العُرف ، ليس العرف بمعنى العادة التي درج عليها الناس لفترة طويلة وكرروها وصارت جزءاً من ممارستهم وحسب ، بل العرف بمعنى ارتباط العادة المتكررة بالاقتناع والإلتزام ، أي بأن مخالفتها أمر تترتب عليه عقوبة (عقوبة اجتماعية) كما ذكرنا فيما سلف ، إضافة إلى الاعتقاد بأن اللجوء لطلب الواسطة واجب ، حتى لو كان الأمر الذي يبغي طالب الواسطة الحصول عليه مجرد خدمة عادية تؤديها الدوائر الحكومية بسهولة ويسر ووقت قصير ، فهناك دائماً سلوكات صغيرة تتعلق بالحصول على الخدمة الحكومية يعطيها كثير من الناس قيمة كبيرة ، كأن يتمكنوا من دخول مكان دون ابراز الهويـة بينما يبرزها الآخرون ، أو كالتمكن من الدخول إلى الموظف العام (من خلف الكاونتر) ، أو رؤيتهم للساعي أو أحد الموظفين يلاحق معاملتهم بنفسه ، مما يورثهم شعوراً بالفخر أمام أنفسهم وأمام الآخرين ، فكأن القيمة لا تتأتي للمواطن إلا إذا أحسّ بتميزه على من هو سواه ، مع أن هذا التميز في حقيقته شكلي ولا قيمة له ، فهو ليس تميزاً في علم أو كفاءة أو مهارة أو عطاء.
وكلما كانت المجتمعات أقرب إلى التخلّف وأبعد عن التقدم ، كلما تحكَّم فيها العرف أكثر من القانون ، ومما يشير إلى حجم رسوخ الأعراف الاجتماعية المتعلقة بالواسطة ، أنها ترتبط بمصطلحات وشكل في الممارسة ، فمثلاً فلان (يمون) وفلان (لا يمون) ، وأنا جئتك (من طرف أبي فلان) 0 كما تأخذ ممارسة الواسطة صوراً واشكالاً محددة ، كأن يستقبل المدير (كأنه كبير القبيلة) القادمين من طرف (أبي فلان) ويأمر لهم بالقهوة (الضيافة) ثم يجيبهم إلى طلبهم ، وكيف لا يُجاب الضيف أو الدخيل إلى طلبه ؟ وكثيراً ما يقضي المسؤول معظم وقته (بل وقت العمل) في هكذا استقبالات.
ولك أن تلاحظ هذا الشكل البدائيّ من التعامل مع الحقوق والمصالح والخدمات العامة ، الذي يشير إلى جانب مازال بحاجة إلى كثير من التطوير ، ليس التطوير في الجانب المادي ، بل في الجانب المعنوي المتعلق بالقناعات والقيم وأنماط التفكير 0
أبعاد إدارية
إن مما يسهمُ في تنامي طلب (الواسطة) على مستوى القطاع العام ، ظنُّ المواطن أن الخدمة التي تقدم له منحة أو منّة وليست حقاً ، وإيحاء الموظف العام للمواطنين بأن الخدمة تنتزع انتزاعاً ، وتعاليه عليهم ، وتعقيده لأمورهم ، والاستهانة بأوقاتهم ، فكل ذلك يشكل سبباً يجعل الناس تسعى إلى الواسطة وفيها ، للحصول على الخدمات بيسر أكبر ووقت أقل 0
وحين تكون الواسطة على مستوى التعيينات (سواء في القطاع العام أو الخاص) فإنها تؤدي إلى التَرهُّل ، أي ذلك التورم مع الارتخاء الذي ينجم عن زيادة العدد والبطالة المقنعة ، وهذا ما ينحدر بكفاءة الأداء ، ويزيد الكلفة ، ويعيق العمل ، ويقلل الانتاج ، ويذهب بالجودة ، ويكثر من المتطفّلين والمتكسّبين الذين يرغبون بالحصول على الراتب ، كأنه حق استخلصوه بما يملكون من واسطة ، وكأنما ليس بالضرورة أن يقابل الأجر وقت أو جهد أو انتاج من قبلهم ، فلا فضل في اعتقادهؤلاء للمؤسسة التي يعملون لديها في تعيينهم أو دفع أجرتهم ، والفضل كل الفضل للاعتبارات العائلية أو القبلية أو المصلحة التي أتاحت لهم هذه الميزة ، فولاؤهم دائماً لهذه الاعتبارات ، وليس للمؤسسة أو الوطن من ذلك الولاء حصة أو نصيب 0
في سبيل الحل
قد تجدي القوانين والأنظمة والتعليمات في الحدِّ من (الواسطة) ، ولكن في نطاق محدود ، فأصل البلاء كامنٌ في القيم وأنماط التفكير والأعراف والولاءات والانتماءات ، وقد يكون لأساليب التربية والإعلام وبثّ الوعي تأثير في تغييرها ، لكنه يحتاج إلى زمن طويل ، قد تسبقه عوامل أخرى قادرة أيضاً على إحداث التغيير ، ومن ذلك آثار العولمة التي ستفرض حجماً من التنافس لا يبقى معه اعتبار لغير الكفاءة والاقتدار والجدارة ، حيث لن يكون يسيراً ذلك الدور الذي ستقوم به العولمة بما تحمله من آثار في زاول الحدود بين الدول ، وحرية الأسواق ، وحرية انتقال الأيدي العاملة ورؤوس الأموال والسلع والخدمات ، وجبروت الشركات العملاقة ، مع ما يرافق ذلك من تأثير الفضائيات والانترنت وسواها ، فقد أثبت الواقع أن كل ذلك قادر على إحداث التغيير.






تعليق