حلقه جديده من مسرور ومقرور اتمنى ان تكون عبره لنا جميعا ....
------------
قيامة الموتى
تشققت الأرض عن قبور موتاها وبدأوا ينهضون , زوجت الأرواح للأجساد زواجا مؤبدا هذه المرة , وأعيد وصل تيار الوعي الذي انقطع .. كانوا جميعا عرايا .. مغبرين بالتراب .. حفاة ..
نهض مسرور داخل قبره فوجد مقرور يقف جواره ..
سأل مسرور بصلف : من أنت .. وماذا تفعل هنا ؟
قال مقرور محدثا نفسه : يا إلهي .. ألم نكن موتى .. ؟
ارتعش دم مسرور في عروقه وعاد يسأل : ليس وجهك غريبا على , ألست الرجل الذي حاكمناه بتهمة الخيانة ؟
قال مقرور : نعم أيها السيد الأعظم .. ألست السيد الأعظم .. لقد حوكمت بتهمة الخيانة كما تقول .. كنت أُؤمن بيوم القيامة .. وها نحن نقوم من الموت ..
قال مسرور مكابرا : كنا نحلم أيها الأحمق .. كان هذا حلما مخيفا .. أين قائد الحرس ؟ .. أين كبير البصاصين ؟
في قاع روحه .. تأرجح احتمال واحد بأن يكون مقرور صادقا , لعله مات حقا ولم يكن ما رآه حلما مخيفا كما يظن , إن مشهد الزائر الغامض الذي سقاه كأس الموت لم يكن حلما , كما أن مشهد العذاب في قبره كان أقسى من أن يكون حلما .. يبدو أنه مات وقام من الموت .. أخافته هذه الفكرة أكثر مما أخافه أي شئ آخر ..
وتأمل مسرور ملامح مقرور وأحس بالندم فجأة .. هذا رجل مسكين لا يبدو عليه التآمر فكيف حاكمه بهذه التهمة وأمر بإعدامه .. لقد تسرع في الحكم عليه , لقد تسرع قليلا .. لكن كيف كان له أن يصدقه وكل التقارير التي تأتيه من وزرائه وقادة جنده كانت تؤكد له العكس تماما ..
لاحظ مسرور أنه يسير .. كان هنالك آلاف الموتى الذين بعثوا من نفس القبر وازدحموا في اتجاه الفتحة التي توصل إلى الأرض ..
تساءل مسرور بينه وبين نفسه : إلى أين أسير مسرعا هكذا .. ؟
من الذي أمرني أن أقوم .. ؟ أين ملابسي وقصري .. ؟ أين خدمي وجنودي ؟ .. من الذي أمرني أن أنهض ومن الذي يحرك أقدامي .. أين سلطاني .. ؟
خرجا من الشق وسارا على الأرض .. كانت الشمس تختلف عن الشمس القديمة .. كانت تقترب من الأرض وتحتضر في نفس الوقت .. دهم مسرور خوف غامض , ولاحظ ان هنالك اثنين لا يعرفهما يسيران أمامه وخلفه , كان الذي يسير أمامه يقود الطريق دون أن يتكلم أو يقول شيئا وبدا له أنه يسوقه سوقا , أما الذي كان يسير خلفه فكان يبدو أنه ملتصق به مثل التصاق الشاهد بالجاني ..
أدرك مسرور أنه ليس حرا في السير كما يجيب .. أدرك أنه مقبوض عليه ..
انـــــفجار البــــــحر
توقف مسرور فسأله السائق : لماذا توقفت ؟
رد مسرور حانقا : أين تذهبان بي ؟
لم يجبه السائق , ودفعه الشهيد في ظهره وقال : ألا ترى أننا جميعا مأمورون ؟ تحرك فإنك تعطل الطريق ..
وعاد مسرور يسير ..
كان مقرور يسير إلى جواره , كانت حركة مقرور أبطأ قليلا من حركة مسرور ولم يكن مقرور يزيد على قوله : يا إلهي . . يا إلهي .. كان يطمئن نفسه بالتشبث بذكرى خالقه .. كان مقرور هو الآخر قد أدرك أنه موضع حراسه جيدة من كائن يسوقه وكائن يمشي خلفه كظله , والتفت مقرور لأحدهما وسأله هامسا :
ماذا يحدث ؟
قال له الكائن بود شديد : هذه بداية القيامة ..
قال مقرور : إذا كان هذا الهول هو بدايتها فكيف تكون النهاية ؟
قال له الكائن أسرع قليلا في سيرك ..
وعادوا يسيرون ..
كانت الأرض تمتلئ بالخارجين من القبور , فوجأ بعد فوج , وأمه بعد امه , وشعبا بعد شعب , واختلط خروج الموتى بنهاية العالم الذي عرفوه ..
أشار أحد المبعوثين من موتهم وصرخ : انظروا إلى البحر ..
اتجهت الأنظار إلى البحر .. كان البحر يحتضر بطريقته الخاصة , إن هواءه العليل وموجه البارد يتحولان الآن إلى دخان وانفجارات كانت تمزق صدر الهواء بصوت راعد مزلزل ..
وبدأ البحر ينفجر , إن كل ذرة من ذرات مياهه وكل نواة من نويات ذراته كانت تنفجر . . وهاهو الهواء البحري العليل يتحول إلى صهد ناري أزرق , وهاهو الموج المائي يتحول إلى نار ..
ووقف مسرور ومقرور وسط الحشد يتأملون ما يحدث .. كان هؤلاء يعرفون أن الماء يطفئ النار .. عرفوا هذه البديهية من حياتهم السابقة وصارت من المسلمات .. وهاهو الأمر البديهي يسفر عن وجهه الآن , إن الماء لا يطفئ النار الآن , إنما يتحول إلى نار ..
واندفع الحشد البشري مبتعدا عن البحر ..
وتزايد عدد الخارجين من القبور .. كثر الخلق واحتشدوا وبدا أن الأرض تشقق عن أجيال لا نهائية من البشر .. رجال ونساء وأطفال وشيوخ , وجوه مختلفة وألوان مختلفة وألسنة مختلفة وتعبيرات من الروع مختلفة .. حشد هائل راح يتسع ويمتد ويستطيل ويكبر ..
كانت هناك سلسلة من الجبال عند نهاية المشهد .. وكانت الجبال تعترض امتداد البشر وتزايدهم .. وصار مقرور ومسرور الآن نقطتين وسط هذا الحشد البشري الهائل .
نســــــف الجبـــــــــــال
اقترب الحشد البشري من الجبال ..
كان مسرور مذهولا تماما من مشهد إنفجار البحر وتحول أمواجه إلى نار ودخان , أما مقرور فقد تأكد الآن أنه كان ميتا ثم بعث من الموت .
لقد صدق مقرور إذن .
كيف استطاع رجل واحد أن يعرف حقيقة خفيت على نظام بأكمله ! واقترب مسرور من مقرور وقد بات يحس الآن بلون من الطمأنينة جواره ..
سأل مسرور : مامعنى مايحدث ؟
قال مقرور : إنها القيامة .
قال مسرور معتذرا : لقد كنت على حق أرجو ألا تكون غاضبا بسبب إعدامك .
لم يرد مقرور بشئ , كان شعوره بالعجب أكبر من شعوره بالهول , أما مسرور فلقد اعتبر صمت مقرور عداء مضمرا فتحرك بعيدا عنه , في قاع روحه , كان مسرور يوقن أن خطرا داهما يحدق به , ولقد حاول الإفلات أكثر من مرة من حارسيه وكان يميل فجأة جهة اليمين أو اليسار ثم يندس في الحشد البشري ويسرع السير ثم يجري ثم يعاود السير فيكتشف أن أحد حارسيه أمامه والثاني خالفه .
كانا يلتصقان به بشكل خفي , وأدركه اليأس وفكر أنه يجب أن يستعين بأحد , لو كان قائد جيشه وكبير البصاصين أو رئيس العسس معه الآن لتغير الموقف , على الأقل كان يحس ببعض الأمن والأمان وراح يتلفت بوجهه بحثا عنهما ,
لكنه أدرك عقم المحاولة , لقد كان يبحث كمن يبحث في البحر عن إبرة سقطت من سفينة .
وتكامل إحساس مسرور بأنه سجين يقاد وسط حشد هائل يقادون مثله إلى أين .. لا أحد يدري .
اقترب الحشد البشري من الجبال فوقع أمر مدهش .
اقتلعت يد القدرة الخفية الجبال من مكانها ورفعتها أمام هذا الحشد الهائل واخلت بذلك الطريق أمامه ليتسع .
وارتفعت رؤوس البشر تنظر إلى الجبال , راحت الجبال تمر مَرَّ السحاب , ثم بدأت تنفجر انفجارات متتالية , كل نواة صخرية كانت تنفجر كنواة وتؤدي إلى سلسلة انفجارات نووية لغيرها , وتحولت الجبال إلى شئ يشبه الصوف المنفوش الذي تحول إلى دخان لم يلبث أن تبدد .. صارت الأرض قاعا صفصفا لا ترى فيها عوجا ولا أمتا , استوت الأرض حين نسفت الجبال فلم يعد فيها إنخفاض ولا بروز ولا ميل ولا تعرج , ثمه امتداد واحد مستو مخيف .
وانساحت كتلة البشر في المكان الذي خلا بموت الجبال .
------------
قيامة الموتى
تشققت الأرض عن قبور موتاها وبدأوا ينهضون , زوجت الأرواح للأجساد زواجا مؤبدا هذه المرة , وأعيد وصل تيار الوعي الذي انقطع .. كانوا جميعا عرايا .. مغبرين بالتراب .. حفاة ..
نهض مسرور داخل قبره فوجد مقرور يقف جواره ..
سأل مسرور بصلف : من أنت .. وماذا تفعل هنا ؟
قال مقرور محدثا نفسه : يا إلهي .. ألم نكن موتى .. ؟
ارتعش دم مسرور في عروقه وعاد يسأل : ليس وجهك غريبا على , ألست الرجل الذي حاكمناه بتهمة الخيانة ؟
قال مقرور : نعم أيها السيد الأعظم .. ألست السيد الأعظم .. لقد حوكمت بتهمة الخيانة كما تقول .. كنت أُؤمن بيوم القيامة .. وها نحن نقوم من الموت ..
قال مسرور مكابرا : كنا نحلم أيها الأحمق .. كان هذا حلما مخيفا .. أين قائد الحرس ؟ .. أين كبير البصاصين ؟
في قاع روحه .. تأرجح احتمال واحد بأن يكون مقرور صادقا , لعله مات حقا ولم يكن ما رآه حلما مخيفا كما يظن , إن مشهد الزائر الغامض الذي سقاه كأس الموت لم يكن حلما , كما أن مشهد العذاب في قبره كان أقسى من أن يكون حلما .. يبدو أنه مات وقام من الموت .. أخافته هذه الفكرة أكثر مما أخافه أي شئ آخر ..
وتأمل مسرور ملامح مقرور وأحس بالندم فجأة .. هذا رجل مسكين لا يبدو عليه التآمر فكيف حاكمه بهذه التهمة وأمر بإعدامه .. لقد تسرع في الحكم عليه , لقد تسرع قليلا .. لكن كيف كان له أن يصدقه وكل التقارير التي تأتيه من وزرائه وقادة جنده كانت تؤكد له العكس تماما ..
لاحظ مسرور أنه يسير .. كان هنالك آلاف الموتى الذين بعثوا من نفس القبر وازدحموا في اتجاه الفتحة التي توصل إلى الأرض ..
تساءل مسرور بينه وبين نفسه : إلى أين أسير مسرعا هكذا .. ؟
من الذي أمرني أن أقوم .. ؟ أين ملابسي وقصري .. ؟ أين خدمي وجنودي ؟ .. من الذي أمرني أن أنهض ومن الذي يحرك أقدامي .. أين سلطاني .. ؟
خرجا من الشق وسارا على الأرض .. كانت الشمس تختلف عن الشمس القديمة .. كانت تقترب من الأرض وتحتضر في نفس الوقت .. دهم مسرور خوف غامض , ولاحظ ان هنالك اثنين لا يعرفهما يسيران أمامه وخلفه , كان الذي يسير أمامه يقود الطريق دون أن يتكلم أو يقول شيئا وبدا له أنه يسوقه سوقا , أما الذي كان يسير خلفه فكان يبدو أنه ملتصق به مثل التصاق الشاهد بالجاني ..
أدرك مسرور أنه ليس حرا في السير كما يجيب .. أدرك أنه مقبوض عليه ..
انـــــفجار البــــــحر
توقف مسرور فسأله السائق : لماذا توقفت ؟
رد مسرور حانقا : أين تذهبان بي ؟
لم يجبه السائق , ودفعه الشهيد في ظهره وقال : ألا ترى أننا جميعا مأمورون ؟ تحرك فإنك تعطل الطريق ..
وعاد مسرور يسير ..
كان مقرور يسير إلى جواره , كانت حركة مقرور أبطأ قليلا من حركة مسرور ولم يكن مقرور يزيد على قوله : يا إلهي . . يا إلهي .. كان يطمئن نفسه بالتشبث بذكرى خالقه .. كان مقرور هو الآخر قد أدرك أنه موضع حراسه جيدة من كائن يسوقه وكائن يمشي خلفه كظله , والتفت مقرور لأحدهما وسأله هامسا :
ماذا يحدث ؟
قال له الكائن بود شديد : هذه بداية القيامة ..
قال مقرور : إذا كان هذا الهول هو بدايتها فكيف تكون النهاية ؟
قال له الكائن أسرع قليلا في سيرك ..
وعادوا يسيرون ..
كانت الأرض تمتلئ بالخارجين من القبور , فوجأ بعد فوج , وأمه بعد امه , وشعبا بعد شعب , واختلط خروج الموتى بنهاية العالم الذي عرفوه ..
أشار أحد المبعوثين من موتهم وصرخ : انظروا إلى البحر ..
اتجهت الأنظار إلى البحر .. كان البحر يحتضر بطريقته الخاصة , إن هواءه العليل وموجه البارد يتحولان الآن إلى دخان وانفجارات كانت تمزق صدر الهواء بصوت راعد مزلزل ..
وبدأ البحر ينفجر , إن كل ذرة من ذرات مياهه وكل نواة من نويات ذراته كانت تنفجر . . وهاهو الهواء البحري العليل يتحول إلى صهد ناري أزرق , وهاهو الموج المائي يتحول إلى نار ..
ووقف مسرور ومقرور وسط الحشد يتأملون ما يحدث .. كان هؤلاء يعرفون أن الماء يطفئ النار .. عرفوا هذه البديهية من حياتهم السابقة وصارت من المسلمات .. وهاهو الأمر البديهي يسفر عن وجهه الآن , إن الماء لا يطفئ النار الآن , إنما يتحول إلى نار ..
واندفع الحشد البشري مبتعدا عن البحر ..
وتزايد عدد الخارجين من القبور .. كثر الخلق واحتشدوا وبدا أن الأرض تشقق عن أجيال لا نهائية من البشر .. رجال ونساء وأطفال وشيوخ , وجوه مختلفة وألوان مختلفة وألسنة مختلفة وتعبيرات من الروع مختلفة .. حشد هائل راح يتسع ويمتد ويستطيل ويكبر ..
كانت هناك سلسلة من الجبال عند نهاية المشهد .. وكانت الجبال تعترض امتداد البشر وتزايدهم .. وصار مقرور ومسرور الآن نقطتين وسط هذا الحشد البشري الهائل .
نســــــف الجبـــــــــــال
اقترب الحشد البشري من الجبال ..
كان مسرور مذهولا تماما من مشهد إنفجار البحر وتحول أمواجه إلى نار ودخان , أما مقرور فقد تأكد الآن أنه كان ميتا ثم بعث من الموت .
لقد صدق مقرور إذن .
كيف استطاع رجل واحد أن يعرف حقيقة خفيت على نظام بأكمله ! واقترب مسرور من مقرور وقد بات يحس الآن بلون من الطمأنينة جواره ..
سأل مسرور : مامعنى مايحدث ؟
قال مقرور : إنها القيامة .
قال مسرور معتذرا : لقد كنت على حق أرجو ألا تكون غاضبا بسبب إعدامك .
لم يرد مقرور بشئ , كان شعوره بالعجب أكبر من شعوره بالهول , أما مسرور فلقد اعتبر صمت مقرور عداء مضمرا فتحرك بعيدا عنه , في قاع روحه , كان مسرور يوقن أن خطرا داهما يحدق به , ولقد حاول الإفلات أكثر من مرة من حارسيه وكان يميل فجأة جهة اليمين أو اليسار ثم يندس في الحشد البشري ويسرع السير ثم يجري ثم يعاود السير فيكتشف أن أحد حارسيه أمامه والثاني خالفه .
كانا يلتصقان به بشكل خفي , وأدركه اليأس وفكر أنه يجب أن يستعين بأحد , لو كان قائد جيشه وكبير البصاصين أو رئيس العسس معه الآن لتغير الموقف , على الأقل كان يحس ببعض الأمن والأمان وراح يتلفت بوجهه بحثا عنهما ,
لكنه أدرك عقم المحاولة , لقد كان يبحث كمن يبحث في البحر عن إبرة سقطت من سفينة .
وتكامل إحساس مسرور بأنه سجين يقاد وسط حشد هائل يقادون مثله إلى أين .. لا أحد يدري .
اقترب الحشد البشري من الجبال فوقع أمر مدهش .
اقتلعت يد القدرة الخفية الجبال من مكانها ورفعتها أمام هذا الحشد الهائل واخلت بذلك الطريق أمامه ليتسع .
وارتفعت رؤوس البشر تنظر إلى الجبال , راحت الجبال تمر مَرَّ السحاب , ثم بدأت تنفجر انفجارات متتالية , كل نواة صخرية كانت تنفجر كنواة وتؤدي إلى سلسلة انفجارات نووية لغيرها , وتحولت الجبال إلى شئ يشبه الصوف المنفوش الذي تحول إلى دخان لم يلبث أن تبدد .. صارت الأرض قاعا صفصفا لا ترى فيها عوجا ولا أمتا , استوت الأرض حين نسفت الجبال فلم يعد فيها إنخفاض ولا بروز ولا ميل ولا تعرج , ثمه امتداد واحد مستو مخيف .
وانساحت كتلة البشر في المكان الذي خلا بموت الجبال .
