بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الواحد العلي، الواجد الغني، الطاهر عن كل عيب، الظاهر له كل غيب، الذي صفت بدائع آلائه وراقت، وضفت سوابغ نعمائه وفاقت، حمداً يوافي نعمه العظام التي لا تحصى كثرتها عدداً، ويكافئ مننه الجسام التي لو كان البحر لها مداداً لم تنفذ ولو جيء بمثله مداداً.
والصلاة والسلام الأتمان على نبيه المنقذ من الضلالة، المستقل بأعباء الرسالة، المبعوث من أكرم الأعراق وأحسنها، المنعوت بمكارم الأخلاق وأحسنها، وعلى آله الأخبار المنتخبين، وعلى أَصحابه الأخيار المنتجين، وعلى أزواجه الطاهرات أمهات المؤمنين، وعلى النبيين وآلهم أجمعين، وعلى كل عبد صالح إلى يوم الدين، أما بعد .
لقد سألت نفسي مرات عديدة عن علم الله بالجزئيات العالم وكلياته عند فلاسفة الإسلام من أمثال ابن سينا الذي هو مدار حواري، وبعد الاتكال عليه تعالى وقراءة كتب ابن سينا في هذه المسألة تكشف لي ما يلي:
فالجزئيات التي يستعمل المنطق فيها كليات في أنفسها هي العلوم .
والمستقرئ يتتبع الجزئيات " جزئيا فجزئيا" ليتحصل وهو عند الفقهاء يسمى القياس.
وانقسمت الفلاسفة إلى قسمين :
1- انه لا يعلم إلا الكليات فقط.
2- انه يعلم الكليات والجزئيات جميعاً بحيث لا يتطرق إلى علمه نقص.
ولكن أكثر الفلاسفة تقول: أن الله تعالى لا يعلم شيئا وإنما يعلم نفسه فقط." وهو تجني على الله تعالى"
ولكن من الذين ظهروا مخالفين لهؤلاء أبو علي بن سيناء في هذا: فقال بل يعلم نفسه ويعلم الأشياء الكلية ولا يعلم الجزئيات. "61تلبيس إبليس"
ونشرح قول الفلاسفة بشكل ميسر للذين لا يعلمون إلا مبادئ الفلسفة فيقولون:
أن الله لا يعلم الجزء إلا بالوجه الكلي" بشكل عام" مثل " أن أحمد دخل البيت فعلم الله أن أحمد بالبيت ، ولكن لا يعلم ماذا يفعل داخل البيت"، ومنهم من قال : أن الله يعلم كافة الجزئيات والكليات على حد سواء مثل أهل السنة والفارابي وبعض الفلاسفة من أمثال الفارابي الذي قال بمعرفة لله لجزئيات العالم لأن القران قد قال بها فقد وضح في بعض كتبه أنه اضطر إلى القول بها لأن القران قال بها وهو في نفسه ميل من قول الفلاسفة .وهو ليس مدار حوارنا.
وعند ابن سينا الذي فصل مقالته في أن الله يعلم جزئيات العالم بوجه كلي فقال: " الأشياء الجزئية قد تعقل كما تعقل الكليات من حيث جب بأسبابها منسوبة إلى مبدأ نوعه في شخصه، تتخصص به، كالكسوف الجزئي، فإنه يعقل وقوعه بسبب توافر أسبابه الجزئية وإحاطة العقل بها وتعقلها كما تعقل الكليات" وهنا ابن سينا يعرض لنا علم الله له بمراحل:
المرحلة الأولى: يعلم الأشياء على وجه كلي من حيث هي كلية.
المرحلة الثانية: يعلم الأشياء على وجه جزئي من حيث هي جزئية.
ويضرب لنا الأمثلة لبيان مراده من إثبات المسألة فيقول : أن الناظر إلى الشمس ، وهي مشرقة نيرة، ثم أفاجأ بأن تحتجب عني، ثم ما أزال ملاحظاً حتى تعود إلى الظهور من جديد كما كانت على هيئتها الأولى، ويتابع كلامه بأن سبب تتابع الصور في المثال الثاني" ظهورها ثم اختفائها ثم ظهورها مرة أخرى"، هو أني فوجئت بوقوع الكسوف ، ولما لم أكن أعلم مدته، فأكون قد فوجئت أيضاً بزواله، ولكن أرأيت لو أني كنت أعلم من قبل أن كسوفاً سيقع ساعة كذا ، وسيتمر مدة كذا، ثم يزول، فلو حان الوقت المحدد وأنا غير غافل عن علمي السابق، هل تتوارد على نفسي صور كما تتابعت في حال المفاجأة؟ وأجد في نفسي عدم علمي أن الكسوف سيقع ولكن عندما وقع علمت أنه قد وقع، ولما زال الكسوف اتضحت الصورة العلمية أن الكسوف قد انتهى، فالصورة العلمية الجزئية لا بد أن تساير الواقع، وبما أن الواقع متغير فلا بد من أن تتغير الصورة مع تغير الواقع. وابن سينا لا يقصد إثبات علم الله بأن يجعل ذاته تعالى عرضة لتبدل أحوال مختلفة عليها. وهو عنده أن واجب الوجود لا يكون علمه بالجزئيات علماً مرتبط بالزمان" لأن الزمان من جملة المخلوقات"، حتى يدخل الآن والماضي والمستقبل، بل يجب أن يكون علمه على الوجه المقدس العالي عن الزمان والدهر"
ومع اعترافه بأن الله لا يعلم إلا الكليات وقد أخطأ عندما قاس علم المخلوق مع الخالق من خلال ضربه للأمثلة السابقة حيث جعل علمه تعالى مقارن مع علم الله ثم يعود فيقول: أنه تعالى لا يعزب عنه مثقال ذرة في السموات ولا في الأرض مصداقاً لقوله تعالى" [وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِنْ قُرْآَنٍ وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ وَلَا أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرَ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ] {يونس:61}(36)
وخاصة أن ابن سينا أثبت أن الله تعالى يعلم الجزئيات على وجه كلي لا جزئي، ويقول بعد ذلك أنه تعالى لا يعزب عنه مثقال ذرة فهو متناقض في قوله وهو في رأيي غير واضح في رأيه في علم الله فتارة يثبت علم الله على وجه كلي وتارة أخرى يثبت له علمه بالجزئيات .
فرأيه من خلال هذه المسألة غير واضح البتة والله الموفق.




تعليق