جمال سليمان: مدرسة التمثيل السورية هي الأفضل عربياً
في الطريق إليه حيث يسكن، كنت منشغلاً بالأسئلة التي سأطرحها عليه، وكنت منشغلاً بطباع الرجل، ما دمت لم أعرفه من قبل، خشيت أن يكون متعجرفاً أو أنانياً، أو صورة حقيقية عن (مطر)..كم كنت سعيداً حينما شعرت بعد الدقائق الخمس الأولى أني أجلس مع (الكايد أبو صالح)..لكني الآن أقول إن جمال سليمان هو شخصية تختلف عن كل الأدوار التي رأيناه فيها.
في منزله صنع قهوة طيبة، لحوار استمر نحو أربع ساعات، ثم عدت لألتقي به في (التغريبة) مساءً. عندما شاهدت المسلسل تذكرت أن جمال سليمان حكى لي أنه بكى حينما تابع بعض المشاهد في التغريبة..
+ من خلال هذا الكم من الإنتاج الدرامي السوري هذا العام، هل نستطيع القول إن الإنتاج الدرامي وصل إلى مستوى الصناعة، أم أن النجاحات التي تحققت هي نتيجة فورة مؤقتة لا يمكن الرهان عليها؟
++ مقولة الدراما السورية فورة، حسب ما يشيع البعض، كلام يتردد منذ أكثر من عشر سنوات، إذ دائماً نسمع بأن هذا العام هو العام الأخير في فورة الصناعة التلفزيونية السورية، لكن الزمن يكشف أن هذا الكلام غير صحيح، ورغم ذلك فهذا لا يمنع أن نقول إن تلك الصناعة لم تتمأسس على نحو صحيح ونهائي، وربما هي معرضة للعطب نتيجة أي قرار خاطئ أو خطوة خاطئة. فالذي يحمي الدراما السورية الآن هو حب المشاهد العربي لها. فنلاحظ مثلاً أنه في العام الماضي كان عندنا مشكلة في التوزيع عندما لم تأخذ الكثير من المحطات أعمالاً سورية. ويقيني التام أن تلك المحطات قد اكتشفت أن شيئاً ما ينقصها فتداركت خطأ إحجامها، إذاً الشيء الذي يحمي الدراما السورية هو محبة رجل الطريق وهذه حقيقة مهمة.
+ ولكن ألا تعتقد أن اتساع مساحة العرض في الفضائيات العربية سبب في طلبها أيضاً؟
++ ليس فقط اتساع مساحة العرض وإنما جودة الأعمال ذاتها. فالأعمال قدمت نبرة مختلفة في الشكل والمضمون عن الدراما السائدة في الوطن العربي، حتى إنها قد دفعت الدراما المصرية العريقة والأكثر انتشاراً وأكثر غزارة والتي تمتلك بُنى تحتية هائلة لتعيد التفكير بنفسها، وهذا الكلام ليس لي وإنما لنقاد وكتاب مصريين كبار، فمثلاً اقرأ ما كتبه أسامة أنور عكاشة عن الدراما السورية ومسلسل ذكريات الزمن القادم.
+ ألا تتفق معي أن هناك تردياً عاماً في الثقافة وأغلب الفنون في الوطن العربي وحتى في سورية، من أغان هابطة وربما أنواع أخرى أيضاً، ففي كل هذا الخراب ما سر هذا النجاح للدراما؟.
++ الحقيقة بدأت قصة النجاح بإيمان مجموعة من الفنانين بدور الدراما، فمثلاً عندما بدأ فيصل مرعي وهيثم حقي بمسلسل غضب الصحراء، واستمرار هيثم حقي بعمل دائرة النار، إذ إن حقي، لكي ينتج هذا العمل الأخير، اضطر إلى بيع منزله. ربما نقول بدأت القصة بمغامرة، لكنها استمرت، ولأننا نجحنا استطعنا أن نغري رأس المال أن يستثمر في صناعة الدراما. طبعاً يجب أن تعرف أيضاً أنه كان هناك مستثمرون يمتلكون أفقاً ضيقاً جداً لأنهم جاؤوا من أجل الربح فقط، ولكنهم لم يستطيعوا أن يفرضوا كل شيء، إذ بقي للفنانين والكتاب والمخرجين حصتهم في هذا المشروع، وهي حصة جمالية وفكرية وفنية، فالحصة تلك كان تتسع، وقد كان منتجون بدؤوا بالاستثمار وعندهم همٌّ اقتصادي، وهذا الهم لم يخل من الهم الوطني، وهو ما نفسر من خلاله كيف أن بعض المنتجين دفعوا أموالاً طائلة لأعمالهم، حتى إن البعض اتهمهم بالحماقة. ورغم ذلك ومع همّ النوعية الذي كان يرافقهم امتلكوا عقلية المؤسسة وليس عقلية البقالية، وهذا كله ساهم في عملية النجاح، أي هؤلاء رفدونا ونحن رفدناهم أيضاً، إذاً العملية متكاملة. فالفنون بصورة عامة، وخاصة السينما والتلفزيون والمسرح، فنون مكلفة وجماعية وتحتاج لإمكانات كبيرة لا يمكن أن تقوّم دون حساب الجانب الاقتصادي فيها، وهذا ليس عيباً لأنه مثلاً في أي عمل تلفزيوني هناك 200 وجبة طعام يومياً سواء كان العمل سيئاً أو جيداً.
+ إذاً صناعة الدراما لها دور اقتصادي عدا الأدوار الأخرى؟
++ نعم لها دور اقتصادي وسياسي ودور اجتماعي وجمالي وسياحي، وأعطيك مثالاً عن كل وزارت السياحة المتعاقبة في سورية، هل استطاعت أن تعمل دعاية سياحية للساحل السوري مثل ما عمل مسلسل نهاية رجل شجاع أو الجوارح؟ وأيضاً: هل استطاعت أن تعمل دعاية إعلامية لمدينة حلب مثل ما عمل مسلسل خان الحرير؟ لا أظن. نحن الذين حملنا أسواقنا وحاراتنا وجبالنا وبيوتنا وصحراءنا وبحرنا إلى العالم العربي بمسلسلات. أرجو أن لا يزعج هذا الكلام البعض لأنه حقيقة. والذي بنى جسوراً مع المغتربين في بادئ الأمر هل هي الجهات الرسمية أم نحن في الدراما السورية؟ ومثلاً: عندما كنت في أحد المرات في لوس أنجلوس، أقامت لنا الجالية السورية عشاء، فجاء شخص حلبي إلى عندي مع أربعة أولاد، وقال لي: أريد أن أشكرك لأني سوري من حلب وأولادي ولدوا في أمريكا ولا يعرفون حلب، ولقد زدت من شوقهم لرؤية مدينتهم من خلال مسلسل خان الحرير. إذاً قبل مؤتمرات المغتربين نحن الذين بنوا تلك الجسور بيننا في سورية وبين أهلنا في بلاد الاغتراب، وعرضنا المدن والقرى السورية لأناس تركوها من نصف قرن وأيقظنا العواطف فيهم، فعملياً الدراما السورية يجب أن ينظر إليها نظرة أشمل.
+ هناك الكثير من الأعمال التي تميزت فيها الدراما السورية، والتي تصنف تحت باب الفنتازيا، ألا تعتقد أن تلك الأعمال لا تكرس بفكرتها إلا دور شيخ القبيلة المنقذ أي تكرس علاقات قبلية بدلاً من مفاهيم مدنية عصرية؟
++ بداية اعتراضي على الفنتازيا، أنها لم تكن فنتازيا بما يكفي. أما من ناحية المضمون فأحياناً يوجد شيخ قبيلة سيئ وآخر جيد ورأيه سديد، وبغض النظر عن تفاصيل الحياة فيها برأيي مشكلتها الأساسية لا تكمن هنا فقط أي قد يكون هناك ملاحظات على المضمون الفكري. مشكلة الفنتازيا أنها بدأت ولم تتطور، لأنه عندما تقول فنتازيا تحكي عن الخيال وهو فن موجود على الدوام في تاريخ الإنسانية، فالأوديسة والإلياذة فنتازيا، وتغريبة بني هلال فيها الكثير من الفنتازيا، مثلاً ليلى والذئب أيضاً، فالحكاية الفنتازية كانت على الدوام موجودة، والسنووايت فنتازيا، وساندريلا فنتازيا. الفنتازيا نوع فني كان موجوداً دائماً، ولكن بإطار الحكاية واللغة كانت المسألة أسهل، لكن حين تحويلها إلى عمل بصري فيجب أن تجد المعادلات البصرية وهذا يحتاج إلى إمكانات، فأنا من ناحية المبدأ لا يوجد عندي اعتراض على الفنتازيا فيما لو توفرت التقنيات الضرورية.
+ لماذا تركز في مجمل أدوارك على الشخصية الخيرة، ألا تخشى من التنميط؟
++ حتى لو كان ذلك صحيحاً فأين المشكلة؟ المهم في التمثيل أن تؤدي الدور على نحو جيد، وربما كان هذا الكلام صحيحاً لكنه انكسر عدة مرات، وأنا لا أوافقك الرأي، فقد انكسر في أسعد باشا العظم، وفي ذكريات الزمن القادم في شخصية (مطر). ثم من ناحية ثانية لا يمكن تصنيف أدواري ووضعها في سلة واحدة، فمراد في خان الحرير شيء، وعكاش شيء مختلف. في الثريا وعادل شيء آخر في الفصول الأربعة، وماجد شيء بعيد عن كل هؤلاء، في المحكوم وأبو صالح في التغريبة الفلسطينية، ورفعت الشمالي في الخيط الأبيض..المهم أن تشتغل شخصيات متنوعة بغض النظر عن الخير والشر..فعلى سبيل المثال: يوجد في شخصية أبو صالح في التغريبة الفلسطينية طيف واسع من المتناقضات، فرغم إيجابية الشخصية من الناحية الوطنية هو رجل لا يقبل أن يوجد راديو في بيته، ولا يتقبل أن تسمع زوجته عبد الوهاب، ولا يوافق على تعليم البنت.. إذاً هذه جملة مواصفات في شخصية واحدة. إذاً نحن أمام شخصيات تحتوي في داخلها الكثير من المتناقضات.
+ بالنسبة لدورك في الخيط الأبيض، نشعر أن العمل الصحفي الذي صوّره المسلسل، هو واقع عمل افتراضي إلى حد ما، أقصد أن آليات العمل في التلفزيون السوري ليست كما يصوّرها المسلسل..؟
++ فيما يتعلق بوجود شيء افتراضي في المسلسل فهذا صحيح، ثم هذا العمل لا يصور الحالة في سورية فقط، إنما يحاول أن يحاكي العمل الصحفي التلفزيوني في مجمل التلفزيونات العربية، لذلك أتى العمل افتراضياً، أو دعني أقول: إن العمل يمثل حالة وسطية بين عموم التلفزيونات العربية. فالقناة الثالثة لها خصوصية سورية لأنها محطة تشرف عليها وزارة الإعلام وتملكها الدولة، ومن جهة أخرى لها خصوصية عربية إذ إنها ممولة من قبل المنتجين والمعلنين، وفي جميع الأحوال، يحاول المسلسل أن يستبق حالة لا بد أنها قادمة أو يجري التفكير بها.
+ غالباً ما نلاحظ على بعض الممثلين السوريين أداءً واحداً رغم تعدد الأدوار، نلاحظ طبقة صوت واحدة، حركة واحدة، إيقاعاً تمثيلياً واحداً مهما كانت طبيعة الدور ومهما اختلف من مسلسل إلى آخر، برأيك من يتحمل مسؤولية ذلك.؟
++ أعتقد أن مدرسة التمثيل السورية هي الأفضل من نوعها في العالم العربي، وهذا الشيء لم يصنعه لا ممثل واحد ولا اثنان ولا ثلاثة، هذا تصنعه أجيال من الممثلين، أما فيما يتعلق بدور المعهد العالي للفنون المسرحية، فقد ساهم مساهمة كبيرة في ترسيخ أركان هذه المدرسة في التمثيل وإغنائها. فالأساتذة الكبار أمثال منى واصف وخالد تاجا وياسر العظمة، وغيرهم ممن رحلوا وآخرون ممن بقوا، كلهم يشكلون حالة فنية وإبداعية خاصة. وهناك جيلنا، مثل بسام كوسا، سلوم حداد، عابد فهد، فايز قزق، وغسان مسعود وأيمن زيدان. وهناك جيل من الشباب مثل باسل خياط وتيم حسن ورامي حنا وقصي خولي وأندريه سكاف وأيمن رضا، هذه أسماء تدل على وجود مستوى جيد، لكن فيما يتعلق بسؤالك أريد القول إنه ليس من الضروري أن يكون الجميع في مستوى واحد، هناك فروق لها علاقة بالموهبة والاجتهاد، ورغم ذلك أؤكد وجود تفاوت في الفرص. مثلاً عابد فهد، لما أتيحت له فرص حقيقية أظهر موهبة حقيقية، فهو في الحجاج وفي (الطريق إلى كابول) الذي لم يكمل عرضه، أرى أنه ممثل يؤدي أداءً لافتاً للغاية، رغم أن فرصته أتت متأخرة.
+ علاقة الصحفي بالفنان والممثل، لماذا هي علاقة إشكالية؟
++ أولاً أنا لست على علاقة سيئة بالصحفيين، وهناك صحافيون أحبهم، وبعضهم أصدقائي وأحترمهم. في الوقت نفسه هناك بعض الصحفيين الذين أساؤوا إلي وأساؤوا إلى الوسط الفني السوري عموماً، عندما يرتكب الصحفي إساءة إليك مرة واثنتين وثلاثاً، فلن تتقبله بسهولة، وهذا لا يسري على علاقتي بالصحافيين فقط، بل على علاقتي بالوسط الفني أيضاً. مثلاً هناك من يسيء إلي وإلى العمل الفني، وهم من داخل الوسط الفني. ثم أنا لا أرى أن السكوت عن الإساءة خصلة حميدة في البشر، أرى أن السكوت صفة خطيرة، لأن هذا يسمح بتكرار الإساءة. وللأسف يوجد بعض الصحفيين الذين يعدّون أنفسهم قضاة نقض، هم يرون أنفسهم فوق المراجعة ولا يمكن لأحد أن يرد عليهم، وبعضهم معارضة، ينتقدون السلطة لأنها تتصرف بهذه الطريقة، لكنهم يعطون أنفسهم هذا الحق!
من ناحية ثانية أنا أقبل النقد وأقبل السؤال المحترم، ولا أقصد بالسؤال المحترم السؤال الذي يتوافق مع مزاجي ويرضيني ويروِّج لي، لكن أقصد السؤال الواعي. كذلك فإن من حقي ألا أكمل الحوار الذي لا يعجبني.
منقووووووووووول
في الطريق إليه حيث يسكن، كنت منشغلاً بالأسئلة التي سأطرحها عليه، وكنت منشغلاً بطباع الرجل، ما دمت لم أعرفه من قبل، خشيت أن يكون متعجرفاً أو أنانياً، أو صورة حقيقية عن (مطر)..كم كنت سعيداً حينما شعرت بعد الدقائق الخمس الأولى أني أجلس مع (الكايد أبو صالح)..لكني الآن أقول إن جمال سليمان هو شخصية تختلف عن كل الأدوار التي رأيناه فيها.
في منزله صنع قهوة طيبة، لحوار استمر نحو أربع ساعات، ثم عدت لألتقي به في (التغريبة) مساءً. عندما شاهدت المسلسل تذكرت أن جمال سليمان حكى لي أنه بكى حينما تابع بعض المشاهد في التغريبة..
+ من خلال هذا الكم من الإنتاج الدرامي السوري هذا العام، هل نستطيع القول إن الإنتاج الدرامي وصل إلى مستوى الصناعة، أم أن النجاحات التي تحققت هي نتيجة فورة مؤقتة لا يمكن الرهان عليها؟
++ مقولة الدراما السورية فورة، حسب ما يشيع البعض، كلام يتردد منذ أكثر من عشر سنوات، إذ دائماً نسمع بأن هذا العام هو العام الأخير في فورة الصناعة التلفزيونية السورية، لكن الزمن يكشف أن هذا الكلام غير صحيح، ورغم ذلك فهذا لا يمنع أن نقول إن تلك الصناعة لم تتمأسس على نحو صحيح ونهائي، وربما هي معرضة للعطب نتيجة أي قرار خاطئ أو خطوة خاطئة. فالذي يحمي الدراما السورية الآن هو حب المشاهد العربي لها. فنلاحظ مثلاً أنه في العام الماضي كان عندنا مشكلة في التوزيع عندما لم تأخذ الكثير من المحطات أعمالاً سورية. ويقيني التام أن تلك المحطات قد اكتشفت أن شيئاً ما ينقصها فتداركت خطأ إحجامها، إذاً الشيء الذي يحمي الدراما السورية هو محبة رجل الطريق وهذه حقيقة مهمة.
+ ولكن ألا تعتقد أن اتساع مساحة العرض في الفضائيات العربية سبب في طلبها أيضاً؟
++ ليس فقط اتساع مساحة العرض وإنما جودة الأعمال ذاتها. فالأعمال قدمت نبرة مختلفة في الشكل والمضمون عن الدراما السائدة في الوطن العربي، حتى إنها قد دفعت الدراما المصرية العريقة والأكثر انتشاراً وأكثر غزارة والتي تمتلك بُنى تحتية هائلة لتعيد التفكير بنفسها، وهذا الكلام ليس لي وإنما لنقاد وكتاب مصريين كبار، فمثلاً اقرأ ما كتبه أسامة أنور عكاشة عن الدراما السورية ومسلسل ذكريات الزمن القادم.
+ ألا تتفق معي أن هناك تردياً عاماً في الثقافة وأغلب الفنون في الوطن العربي وحتى في سورية، من أغان هابطة وربما أنواع أخرى أيضاً، ففي كل هذا الخراب ما سر هذا النجاح للدراما؟.
++ الحقيقة بدأت قصة النجاح بإيمان مجموعة من الفنانين بدور الدراما، فمثلاً عندما بدأ فيصل مرعي وهيثم حقي بمسلسل غضب الصحراء، واستمرار هيثم حقي بعمل دائرة النار، إذ إن حقي، لكي ينتج هذا العمل الأخير، اضطر إلى بيع منزله. ربما نقول بدأت القصة بمغامرة، لكنها استمرت، ولأننا نجحنا استطعنا أن نغري رأس المال أن يستثمر في صناعة الدراما. طبعاً يجب أن تعرف أيضاً أنه كان هناك مستثمرون يمتلكون أفقاً ضيقاً جداً لأنهم جاؤوا من أجل الربح فقط، ولكنهم لم يستطيعوا أن يفرضوا كل شيء، إذ بقي للفنانين والكتاب والمخرجين حصتهم في هذا المشروع، وهي حصة جمالية وفكرية وفنية، فالحصة تلك كان تتسع، وقد كان منتجون بدؤوا بالاستثمار وعندهم همٌّ اقتصادي، وهذا الهم لم يخل من الهم الوطني، وهو ما نفسر من خلاله كيف أن بعض المنتجين دفعوا أموالاً طائلة لأعمالهم، حتى إن البعض اتهمهم بالحماقة. ورغم ذلك ومع همّ النوعية الذي كان يرافقهم امتلكوا عقلية المؤسسة وليس عقلية البقالية، وهذا كله ساهم في عملية النجاح، أي هؤلاء رفدونا ونحن رفدناهم أيضاً، إذاً العملية متكاملة. فالفنون بصورة عامة، وخاصة السينما والتلفزيون والمسرح، فنون مكلفة وجماعية وتحتاج لإمكانات كبيرة لا يمكن أن تقوّم دون حساب الجانب الاقتصادي فيها، وهذا ليس عيباً لأنه مثلاً في أي عمل تلفزيوني هناك 200 وجبة طعام يومياً سواء كان العمل سيئاً أو جيداً.
+ إذاً صناعة الدراما لها دور اقتصادي عدا الأدوار الأخرى؟
++ نعم لها دور اقتصادي وسياسي ودور اجتماعي وجمالي وسياحي، وأعطيك مثالاً عن كل وزارت السياحة المتعاقبة في سورية، هل استطاعت أن تعمل دعاية سياحية للساحل السوري مثل ما عمل مسلسل نهاية رجل شجاع أو الجوارح؟ وأيضاً: هل استطاعت أن تعمل دعاية إعلامية لمدينة حلب مثل ما عمل مسلسل خان الحرير؟ لا أظن. نحن الذين حملنا أسواقنا وحاراتنا وجبالنا وبيوتنا وصحراءنا وبحرنا إلى العالم العربي بمسلسلات. أرجو أن لا يزعج هذا الكلام البعض لأنه حقيقة. والذي بنى جسوراً مع المغتربين في بادئ الأمر هل هي الجهات الرسمية أم نحن في الدراما السورية؟ ومثلاً: عندما كنت في أحد المرات في لوس أنجلوس، أقامت لنا الجالية السورية عشاء، فجاء شخص حلبي إلى عندي مع أربعة أولاد، وقال لي: أريد أن أشكرك لأني سوري من حلب وأولادي ولدوا في أمريكا ولا يعرفون حلب، ولقد زدت من شوقهم لرؤية مدينتهم من خلال مسلسل خان الحرير. إذاً قبل مؤتمرات المغتربين نحن الذين بنوا تلك الجسور بيننا في سورية وبين أهلنا في بلاد الاغتراب، وعرضنا المدن والقرى السورية لأناس تركوها من نصف قرن وأيقظنا العواطف فيهم، فعملياً الدراما السورية يجب أن ينظر إليها نظرة أشمل.
+ هناك الكثير من الأعمال التي تميزت فيها الدراما السورية، والتي تصنف تحت باب الفنتازيا، ألا تعتقد أن تلك الأعمال لا تكرس بفكرتها إلا دور شيخ القبيلة المنقذ أي تكرس علاقات قبلية بدلاً من مفاهيم مدنية عصرية؟
++ بداية اعتراضي على الفنتازيا، أنها لم تكن فنتازيا بما يكفي. أما من ناحية المضمون فأحياناً يوجد شيخ قبيلة سيئ وآخر جيد ورأيه سديد، وبغض النظر عن تفاصيل الحياة فيها برأيي مشكلتها الأساسية لا تكمن هنا فقط أي قد يكون هناك ملاحظات على المضمون الفكري. مشكلة الفنتازيا أنها بدأت ولم تتطور، لأنه عندما تقول فنتازيا تحكي عن الخيال وهو فن موجود على الدوام في تاريخ الإنسانية، فالأوديسة والإلياذة فنتازيا، وتغريبة بني هلال فيها الكثير من الفنتازيا، مثلاً ليلى والذئب أيضاً، فالحكاية الفنتازية كانت على الدوام موجودة، والسنووايت فنتازيا، وساندريلا فنتازيا. الفنتازيا نوع فني كان موجوداً دائماً، ولكن بإطار الحكاية واللغة كانت المسألة أسهل، لكن حين تحويلها إلى عمل بصري فيجب أن تجد المعادلات البصرية وهذا يحتاج إلى إمكانات، فأنا من ناحية المبدأ لا يوجد عندي اعتراض على الفنتازيا فيما لو توفرت التقنيات الضرورية.
+ لماذا تركز في مجمل أدوارك على الشخصية الخيرة، ألا تخشى من التنميط؟
++ حتى لو كان ذلك صحيحاً فأين المشكلة؟ المهم في التمثيل أن تؤدي الدور على نحو جيد، وربما كان هذا الكلام صحيحاً لكنه انكسر عدة مرات، وأنا لا أوافقك الرأي، فقد انكسر في أسعد باشا العظم، وفي ذكريات الزمن القادم في شخصية (مطر). ثم من ناحية ثانية لا يمكن تصنيف أدواري ووضعها في سلة واحدة، فمراد في خان الحرير شيء، وعكاش شيء مختلف. في الثريا وعادل شيء آخر في الفصول الأربعة، وماجد شيء بعيد عن كل هؤلاء، في المحكوم وأبو صالح في التغريبة الفلسطينية، ورفعت الشمالي في الخيط الأبيض..المهم أن تشتغل شخصيات متنوعة بغض النظر عن الخير والشر..فعلى سبيل المثال: يوجد في شخصية أبو صالح في التغريبة الفلسطينية طيف واسع من المتناقضات، فرغم إيجابية الشخصية من الناحية الوطنية هو رجل لا يقبل أن يوجد راديو في بيته، ولا يتقبل أن تسمع زوجته عبد الوهاب، ولا يوافق على تعليم البنت.. إذاً هذه جملة مواصفات في شخصية واحدة. إذاً نحن أمام شخصيات تحتوي في داخلها الكثير من المتناقضات.
+ بالنسبة لدورك في الخيط الأبيض، نشعر أن العمل الصحفي الذي صوّره المسلسل، هو واقع عمل افتراضي إلى حد ما، أقصد أن آليات العمل في التلفزيون السوري ليست كما يصوّرها المسلسل..؟
++ فيما يتعلق بوجود شيء افتراضي في المسلسل فهذا صحيح، ثم هذا العمل لا يصور الحالة في سورية فقط، إنما يحاول أن يحاكي العمل الصحفي التلفزيوني في مجمل التلفزيونات العربية، لذلك أتى العمل افتراضياً، أو دعني أقول: إن العمل يمثل حالة وسطية بين عموم التلفزيونات العربية. فالقناة الثالثة لها خصوصية سورية لأنها محطة تشرف عليها وزارة الإعلام وتملكها الدولة، ومن جهة أخرى لها خصوصية عربية إذ إنها ممولة من قبل المنتجين والمعلنين، وفي جميع الأحوال، يحاول المسلسل أن يستبق حالة لا بد أنها قادمة أو يجري التفكير بها.
+ غالباً ما نلاحظ على بعض الممثلين السوريين أداءً واحداً رغم تعدد الأدوار، نلاحظ طبقة صوت واحدة، حركة واحدة، إيقاعاً تمثيلياً واحداً مهما كانت طبيعة الدور ومهما اختلف من مسلسل إلى آخر، برأيك من يتحمل مسؤولية ذلك.؟
++ أعتقد أن مدرسة التمثيل السورية هي الأفضل من نوعها في العالم العربي، وهذا الشيء لم يصنعه لا ممثل واحد ولا اثنان ولا ثلاثة، هذا تصنعه أجيال من الممثلين، أما فيما يتعلق بدور المعهد العالي للفنون المسرحية، فقد ساهم مساهمة كبيرة في ترسيخ أركان هذه المدرسة في التمثيل وإغنائها. فالأساتذة الكبار أمثال منى واصف وخالد تاجا وياسر العظمة، وغيرهم ممن رحلوا وآخرون ممن بقوا، كلهم يشكلون حالة فنية وإبداعية خاصة. وهناك جيلنا، مثل بسام كوسا، سلوم حداد، عابد فهد، فايز قزق، وغسان مسعود وأيمن زيدان. وهناك جيل من الشباب مثل باسل خياط وتيم حسن ورامي حنا وقصي خولي وأندريه سكاف وأيمن رضا، هذه أسماء تدل على وجود مستوى جيد، لكن فيما يتعلق بسؤالك أريد القول إنه ليس من الضروري أن يكون الجميع في مستوى واحد، هناك فروق لها علاقة بالموهبة والاجتهاد، ورغم ذلك أؤكد وجود تفاوت في الفرص. مثلاً عابد فهد، لما أتيحت له فرص حقيقية أظهر موهبة حقيقية، فهو في الحجاج وفي (الطريق إلى كابول) الذي لم يكمل عرضه، أرى أنه ممثل يؤدي أداءً لافتاً للغاية، رغم أن فرصته أتت متأخرة.
+ علاقة الصحفي بالفنان والممثل، لماذا هي علاقة إشكالية؟
++ أولاً أنا لست على علاقة سيئة بالصحفيين، وهناك صحافيون أحبهم، وبعضهم أصدقائي وأحترمهم. في الوقت نفسه هناك بعض الصحفيين الذين أساؤوا إلي وأساؤوا إلى الوسط الفني السوري عموماً، عندما يرتكب الصحفي إساءة إليك مرة واثنتين وثلاثاً، فلن تتقبله بسهولة، وهذا لا يسري على علاقتي بالصحافيين فقط، بل على علاقتي بالوسط الفني أيضاً. مثلاً هناك من يسيء إلي وإلى العمل الفني، وهم من داخل الوسط الفني. ثم أنا لا أرى أن السكوت عن الإساءة خصلة حميدة في البشر، أرى أن السكوت صفة خطيرة، لأن هذا يسمح بتكرار الإساءة. وللأسف يوجد بعض الصحفيين الذين يعدّون أنفسهم قضاة نقض، هم يرون أنفسهم فوق المراجعة ولا يمكن لأحد أن يرد عليهم، وبعضهم معارضة، ينتقدون السلطة لأنها تتصرف بهذه الطريقة، لكنهم يعطون أنفسهم هذا الحق!
من ناحية ثانية أنا أقبل النقد وأقبل السؤال المحترم، ولا أقصد بالسؤال المحترم السؤال الذي يتوافق مع مزاجي ويرضيني ويروِّج لي، لكن أقصد السؤال الواعي. كذلك فإن من حقي ألا أكمل الحوار الذي لا يعجبني.
منقووووووووووول


تعليق