ففي عام 2002م اكتشف العلماء في دولة التشاد (الجاد)، وهي إحدى الدول الإفريقية، جمجمة قدروا عمرها بـ(6 إلى 7) ملايين سنة، وهي ضعف المدة التي يقدر بها عمر أقدم سلالتنا البشرية من الناحيتين التخمينية والعلمية. وفي يونيو من عام 2003م اكتشف الباحثون في إثيوبيا، إحدى الدول الإفريقية أيضًا، جمجمتين لشخصين بالغين وجمجمة لطفل صغير تعود أعمارها إلى 160.000 سنة غبرت!!
يذكر المختصون بتشريح الدماغ والمهتمون بدراسته ومعرفة أسراره، أن أدمغتنا ـ نحن البشر ـ بدأت تزداد حجمًا منذ مليوني سنة انقضت. وشرعت تأخذ لياقتها وتحتل في العمل المنظم مكانتها منذ 160.000 سنة انصرمت(2).
البحث العلمي العقلاني لا يتقاطع مع المعجزة الإلهية التي خلقت هذا الدماغ وأبدعته فجعلته مناط بحث العلماء ومثار إدهاش لهم، ومثابة تتبع وتقص لا يقف بهم عند حد. تذكر المصادر والمراجع العلمية الموثوقة والموثقة أن 93 مختصًا بالتشريح وكلهم كانوا ملحدين. لكنهم ما إن تعمقوا في بعض أسرار الدماغ وتعقيداته حتى آمنوا بعظمة خالق الدماغ، ما خلا ثلاثة منهم! {إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء} (القصص: 56).
بيد أن العلماء المعنيين، عندما يعجزهم الأمر، وتبهرهم المعجزة، لا يثنون ـ عطفهم مستكبرين، بل هم يقرون معترفين أن وراء تطور الدماغ الهائل هذا، سببًا مكنونًا أريد به خير الإنسان (فلا يمكن أن تكون أنت على هذه الهيئة وما لديك من هذا الدماغ المحير إلا من سبب وراءه مذهل)(3).
تنامي دماغ الإنسان
دماغ الإنسان هذا قد نما فتدرج فتطور إلى حاسوب اجتماعي مدهش ومذهل، له القدرة على تقديم الدليل للمرء وتمكينه من حدس ما في عقول الآخرين وأفكارهم من مجرد نظرة إلى وجوههم خلال كسور من الثانية الواحدة وأثناء أجزاء منها(4).
للدماغ أجزاء ثلاثة مختلفة أسماؤها بحسب تكوينها ووظيفة عمل كل منها. المهم التذكير بالأجزاء الثلاثة هذه:
ü المخ.
ü جذع الدماغ ومكوناته: المهاد وما تحت المهاد والتجمع الشبكي.
ü المخيخ.
هذه الأقسام الثلاثة تعمل متآصرة ومتآزرة وإن كان لكل منها وظيفة محددة ينهض بها على خير وجه ما دام معافى.
فللمخيخ على سبيل المثال، في سياق هذا المجال، دور فعال في مسالك حياة الإنسان اليومية والتي تؤثر بشكل بالغ على علاقاته الاجتماعية: فالذاكرة قصيرة المدى، وحسن الانتباه، والسيطرة على الدوافع والتحكم في النزوات والصبوات، والانفعالات، والانتفاع بالمعرفة الرفيعة في مستواها، والقدرة على الجدولة والتخطيط لما في حياة الإنسان من مهمات المخيخ، بل وحتى ما يتعرض له من شيزوفرينيا وفصم ذاتي autism، وما يماثلها من حالات. وما فتئت ثمة وظائف لهذا الجزء من الدماغ المحير تنطوي على سر فيه تحتويه(5).
هذه الوظائف جدّ جديدة، فهي أحدث ما تم اكتشافه عن وظائف المخيخ(6)، بعد أن كان الاعتقاد السائد، إلى وقت قريب، في الأوساط العلمية أن وظيفة المخيخ تنحصر فقط في عملية التآزر (والتساوق) الحركي المتعاقب.
يقدر المختصون بتشريح الدماغ بشكل عام، أن وزن دماغ الإنسان هو 4 باونات إلى 5 باونات، فهو بذلك يكون (50/1) من حجم جسم الإنسان، ويبلغ وزن دماغ الفيل 9 باونات إلى 10 باونات، لذا يكون (500/1) من حجم الفيل، ويبلغ وزن دماغ التمساح 14باونًا إلى15 باونًا، فيكون بذلك (10.000/1) من كتلة جسم التمساح.
اكتشافات علمية حديثة
أحدث أكتشاف علمي(7) حول عمل خلايا دماغ الحيوان وهي ترسم صورًا، إذ تمت التجربة بربط 60 قطبًا من أقطاب أسلاك كهربائية مكيفة ذات اتجاهين، موصولة في طرف منها بعدة آلاف من خلايا أدمغة الفئران، الخلايا العصبونية الحية هذه محفوظة في صحفة بيتري Petri dish (صحن زجاجي صغير لاستنبات البكتيريا)، في معهد جورجيا للتكنولوجيا بأمريكا، وترسل إشارات مبرمجة من خلال شبكة الإنترنت إلى ذراع إنسان آلي مربوط بالإنترنت في جامعة غرب أستراليا في ولاية بيرث على بعد آلاف الأميال. فيقوم الإنسان الآلي هذا بذراعه المصنع برسم صور بثلاثة ألوان. تنقل الصور بدورها عبر الإنترنت إلى العصبونات المحفوظة في الصحفة في جورجيا بأمريكا. الهدف من التجربة الفريدة هذه هو العمل على جسر الفجوة بين علوم الحياة biology والآلات بقصد إنتاج كيان وحدة ذاتية حية تطابق ذكاء أبسط ما في الحياة من كائنات.
تجارب كهذه هي وليدة عقل الإنسان الناضج من دماغه العجيب المعقد. فدماغ الإنسان، كما رأينا، يكاد يكون نصف دماغ الفيل، وهو تقريبًا بمقدار الثلث من دماغ التمساح.
ولكن لا الفيل استطاع أن يشيد عمارة، ولا التمساح تسنى له أن يؤسس حضارة. وذلك لحكمة ربانية، وليقتصر الأمر في عمارة الأرض وبسط السيادة فيها للإنسان وحده دون سائر المخلوقات الأخرى، تكريمًا له وإعلاءً لرفعة شأنه بعد أن يسَّر له خالقه الأسباب، وأسناها هذا الدماغ المغلف في الجمجمة والذي يبلغ 1500 سنتيمتر مكعب تقريبًا؛ وكهربائيته منه تتولد، وفيه تسرب بسرعة أقصاها 350 كيلومترًا في الساعة.
هذا الدماغ لا ترى العين المجردة منه إلا ثلثه، وذلك لأنه متعرج ملتو في طبقات وتلافيف يعلو بعضها بعضًا. وما خلق الدماغ للتفكر والتحليل وحسب، بل ولتفسير الحس، وللأمر بالحركة مما يكفل للإنسان بخاصة، وللمخلوقات الأخرى بعامة، الوصول إلى حاجاته، ومتطلباتها (للمخلوقات). وبذلك تتلاءم الكائنات، وعلى رأسها الإنسان، وبيئاتها. {فتبارك الله أحسن الخالقين}.
دماغ الإنسان قارة. جلُّ أرجائها مجهولة لما تكتشف بعد. فما استكشف منه إلا النزر اليسير. وما استكشف نُسِب إلى مكتشفيه: فهناك مثلاً باحات بروكا، وثمة باحات فيرنك...إلخ. ففي عام 1909م من القرن المنصرم كان قد تم حتى ذلك التاريخ اكتشاف حوالي 52 باحة أو منطقة. وبحلول عام 2000م كان قد تم اكتشاف حوالي 200 باحة ـ منطقة. نعم: قد تم اكتشف هذه المناطق، بيد أن معظم أسرارها ما فتئت مجهولة.
بين الدفاع والعقل وشائج محكمات
الدماغ بتكوينه المعجز هذا ينضح عقلاً ويفرز فكرًا. وقد قدر الله لكل إنسان منهما حظًا معلومًا ومقسومًا. لذا خاطب الخالق تبارك وتعالى الإنسان من خلال عقله والاحتكام إليه لئلا يشتط فيضل، وفي ضلاله هلاكه. وللتوكيد والتأكيد على جوهرة العقل الحصيف النظيف ورد ذكره بمشتقات فعله في القرآن الكريم 49 مرة، كلها بصيغة الفعل، لأن حياة الإنسان كلها فعل سواء بالنية أو بالحركة والنشاط والتصرف والسلوك؛ وعندما يحسن الفرد السلوك تعتدل في نفسه موازين القيم وتستقيم له ولمن حوله في مجتمعه نواميس الحياة فينعم الجميع بالراحة والطمأنينة.
نعم، دماغ الإنسان يتلقى معلوماته عن طريق الحواس، فيتولى تحليل المؤثرات الواصلة إليه وتصنيفها ومن ثم إصدار الأوامر الملائمة للعمل بما يتلاءم وكيفية حماية الذات. غير أن المسألة لا تنتهي عند هذا الحد، بل لا بد للحواس هذه من عقل يعمل بانتظام.
ولا يكون الإنسان أبدًا متكاملاً إلا بتناغم أعضائه كافة: الجسمية منها والعقلية والنفسية.
كل من الفلسفة وعلم النفس تنازعا فيما مضى حول قصب السبق في البحث عن ماهية العقل. لكنهما عادا فتسابقا متحدين في ضرورة اجتلاء قيمته ومكانته في حياة الإنسان.
ما مفاهيم العقل؟
هناك، من الناحية التاريخية، توجهان بشأن الاستعمالات الاصطلاحية للعقل، وبدايات استخدامه كمصطلح متداول في العلوم الوضعية والبحوث التجريبية.
أحد هذين التوجهين يعتبر العقل كيانًا entity ذاتيًا قائمًا بذاته: كيانه الذاتي هذا تفسيري من الناحية الميتافزيقية.
يعمل مستقلاً عن شبكة المنظومات الآلية. التوجه الآخر ينظر إلى العقل من منظور مختلف، فيعده اصطلاحًا مجازيًا بيولوجيًا biological metaphor يمثل مظهرًا لعمليات عصبونية بيولوجية حيوية تصدر عن الدماغ ولم يتم إدراكها وفهمها كما ينبغي بعد. وأهم دلالات استعمالات العقل العلمية المهمة:
ü العقل بوصفه التكوين الكلي totality الافتراضي لعمليات عقلية وسلوكيات من شأنها أن تكون وسائل تفسيرية لحقائق نفسية.
ü النظر إلى العقل كونه تكوينًا كليًا لخبرات الفرد وتجاربه بشقيها الشعورية منها واللاشعورية.
ü العقل باعتباره يجمع حشدًا من العمليات الإدراكية والمعرفية.
ü العقل منظورًا إليه مكافئًا للدماغ ومساويًا، أو نظيرًا له تمامًا.
ü العقل كخاصية إشعاعية مميزة.
ü اعتبار العقل منظومة من المترادفات، مثل: جوهر النفس Psyche، والروح Soul، والذات Self.
ü استخدام العقل بمعنى الذكاء.
ü إطلاق العقل وصفًا لخاصية من الخصائص أو لسمة Trait يتسم بها شخص ما أو شعب بعينه.
مما سبق ذكره تتجلى لنا حقيقة ظاهرة هي أن الدماغ كونه كيانًا تشريحيًا، وأن العقل كونه انبثاقًا إشعاعيًا لنشاط الدماغ، فإن لكل منهما كينونته القائمة بذاتها المتميزة، بيد أنهما يعملان معًا متآنيين متآزرين.
فالإنسان بحكم تكوينه الفطري، أودع الله سبحانه فيه عناصر وهيأ له عومل وأسبابًا أساسية كلها تمهد لنمو عقله ونمائه، ليحتل عقله هذا أرقى مراقي السلم في من حيث التكوين الذي حباه الله به، ذلك لأنه في العقل قد أودعت كل وسائل ومقومات التفاعل السليم للإنسان. ولكن يبقى، بعد، على الإنسان أن يختار بحصافة عقله وسلامة فطرته بين النجدين: أي بين الخير البناء الوفير والشر الهدام المستطير. لذا قال الرسول الكريم [: «ما اكتسب المرء مثل عقل يهدي صاحبه إلى هدُى ويردُّه عن رَدَى».
وقد أجمع العلماء(8) على أن من لم يكن عقله أكمل ما فيه كان هلاكه بأكمل ما فيه
منقول








تعليق