فلسفة الحياة
هذه الشمس تشرق على الكون فتحييه.. وهذه الأرض قد أخذت بهرجها؛ فتزينت بثوب جديد بعد ثوبها البالي الكئيب الأسود ... وكما يُحيي ضوء الشمس الكون يُحيي معاني الحياة .. فهذا الأمل الذي زُرعت بذرته في الليل ينبت في النهار.. ويفوح شذى أزهاره.. فيتحرك الناس في فجاج الأرض .. كل يسعى وراء مطلبه .. وراء هدفه .. وراء لذته وشهوته..
ما أجمل شروق الشمس .. لحظة حياة جديدة .. بكل معاني الحياة ..
وفي تلك الأثناء يقف العم حيدر على ساحل البحر يرقب الشروق .. ويعيش لذة الطبيعة الحقيقية .. لذة مناجاة الكون العابد لله ... فهذه الشمس قريبة عهدٍ بسجود .. تخرج خاشعة خاضعة للجبار.. معلنةً أن العزة في الإيمان .
وهو يرقب في الشروق معاني كثيرة .. يرقب أملاً جديداً وصبحاً سعيداً .. يرقب فيها موت ذكرياته الماضية التي أشقت حاضره .. يرقب ميلاداً جديداً كميلاد الشمس .. كنتُ أرقبه عن بُعد.. وألمح فيه ذلك الترقب..
وجلس العم حيدر على ساحل البحر وهو يرمق الشروق لقد كان متأثراً بهذا المنظر الخالد لولا تكراره ..ثم أخذ يئن أنيناً مراً جداً .. علمت أنه أنهزم هذه المرة ..
تركته حتى أطمأنت نفسه .. ثم سلَّمت عليه فنظر إليّ وابتسم وقال لي: منذ متى وأنت هنا؟
قلت: منذ لحظات.
قال: كيف أصبحت يا بني؟
قلت: بخير ولله الحمد .. وكيف أصبحت أنت؟
قال: الحمد لله على كل حال .. ثم استطرد قائلاً:
ذكرتني هذه الشمس ومطلعها الجميل بالصبا .. وحياة الصبا .. ذكرتني بالماضي ..الماضي الذي ... وسكت مغرقاً في التفكير..
قلت له: حدثني عن فلسفة الماضي والحاضر والمستقبل.
فابتسم وقال: أنت تريد فلسفة الحياة .. يا بني الإنسان بين ماضيه وحاضره ومستقبله ..
فأما ماضيه فقد ذهب وانقطع خبره .. وبقيت ذكرياته .. أفراحه وأتراحه.
وأما الحاضر فهذه حقيقته ماثله أمام عينيه .. ويقلبها بين يديه.
وأما المستقبل فهو الغد المجهول .. والأمل المعقود .. والخيال الرابح.
الماضي يا بني جميلٌ بذكرياته .. جميلةٌ أفراحه .. مريرةٌ أتراحه .. ينظر إليه الإنسان كنظرته لمفقود محبوب لا رجاء في لقائه .. هكذا ينظر إليه.
الماضي جميل لأن ما فيه تم.. وخرج الإنسان منه وسلم .. فلذلك يحن المرء إليه.
وأما الحاضر فهو مرارة الحياة مهما كان جميلاً .. ففيه النفس تتقلب .. والأحوال تتغير .. وفيه يواجه المرء القدر .. وفيه يكون صراع الحياة .. صراع العقل والعاطفة .. ذلك الصراع الذي يؤدي غالباً إلى مصرع أحدهما .
هذا الحاضر .. وما الحاضر؟ .. هو لحظة .. فإذا مرت أصبح ماضياً .. فهو جزء لا يوصف .. يزهد المرءُ في حاضره زهداً يُخيل للمتأمل أنه أسو فترة في حياته.
أما المستقبل فهو اليوم الذي لا تعرف خبره .. والحياة التي لا تدري أمقبلةٌ عليك أم مدبرةٌ عنك .. وهو النجم الزاهر الذي يبنيه الإنسان بتطلعاته .. ويقضي حاضره في تدبير أوقاته .. فإذا وصل إليه خرج من بين يديه .. وأصبح ماضياً يبكي عليه .. بعد أن كان يتطلع إليه.
هذه يا بني فلسفة الحياة بين يدي أربابها .. وهذا حال مُضَيِعِها من أصحابها.
قلت له: وكيف يتصرف العاقل؟
فقال: العاقل من طوى صفحة ماضيه .. ولم يتذكر ما فيه إلا عبرة مفيدة أو واقعة سعيدة.
والعاقل من استغل حاضره استغلال الحكيم .. وعلق آماله في المستقبل على بناء الحاضر .. هكذا تستغل الأوقات .. وهكذا حياة النابغين .
ثم نظر إليّ وقال: ولكن أين الحكماء؟.
ثم أخذ بيدي .. وسرنا إلى المدينة...















تعليق